د. فايز رشيد رغم أن الخطوة التي اتخذتها الجبهة الشعبية بتعليق عضويتها في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، احتجاجاً على المفاوضات المباشرة للسلطة الفلسطينية مع إسرائيل، هي خطوة ذات طابع سياسي بحت، وإن كان ثمة رد فعل للسلطة يتوجب أن يكون، (وهذه قضية ليست لزومية بالتأكيد)، فان من المفترض أن يكون سياسيا أيضا، لكن رد فعل رئيس السلطة تمثل في استغلال المال في السياسة، إذ أصدر الرئيس أبو مازن قراراً بوقف الحصة المالية للجبهة الشعبية من ميزانية المنظمة، والتي هي دون المئة ألف دولار شهرياً، وهو مبلغ متواضع بالنسبة لأمكانيات المنظمة، ذلك بالرغم من أن الجبهة أوضحت في بيانها: أن هذه الخطوة لا تعني خروجها من المنظمة أو من مؤسساتها. الجبهة الشعبية معروفة تاريخياً بنظافة أيدي قادتها مالياً، وهي في المسلكية النضالية أقرب منها إلى الطهارة الثورية على شاكلة اليعاقبة الثوريين، ولم تضع في حسبانها يوماً رهن موقفها السياسي بفائدة تجنيها أو ثمن تدفعه، سواء على الصعيد المالي أو على الأصعدة الأخرى، ولم ترتهن يوماً لنظام أو لدولة على مدى تاريخها. أما على الساحة الفلسطينية ومنذ الراحل جورج حبش أمينها العام الأسبق مرورا بالشهيد أبو علي مصطفى أمينها العام الثاني، الذي دخل الأراضي الفلسطينية رافعاً شعار(جئنا لنقاوم لا لنساوم) وصولاً إلى الحاضر وأمينها العام أحمد سعادات المعتقل في السجون الصهيونية والمحكوم بثلاثين عاما، إثر اختطافه ورفاقه من سجن أريحا التابع للسلطة (وهي التي قامت باعتقاله أولاً) رداً على العملية العسكرية التي قامت بها الجبهة في اغتيال العنصري الشوفيني الصهيوني رحبعام زائيفي ردا على اغتيال أمينها العام. يومها لم تقم السلطة بالدفاع عن سجن أريحا ولا عن معتقليها ووقفت صاغرة أمام الهجوم الصهيوني… على الرغم من ذلك فان الجبهة الشعبية ومنذ انطلاقتها تميزت بالأنحياز الدائم والعنيد والراسخ للوحدة الوطنية الفلسطينية وناضلت من أجل تحقيقها وما تزال. لقد قدمت أوراقاً ومقترحات كثيرة للخروج من مأزق الانقسام الفلسطيني الداخلي الراهن. هذا ما هو معروف عن الجبهة في الساحة الفلسطينية وخارجها.
تمثلت ردود أفعال الجبهة في المنعطفات السياسية الخطرة والحرجة والمواقف التي كانت ترفضها ببعض الخطوات المختلفة التي لا تطال وحدة الساحة الفلسطينية ومن أبرزها: تعليق عضويتها في اللجنة التنفيذية أو انسحابها منها.
حصار الجبهة الشعبية بالمال من قبل أبو مازن، لا يختلف بأي شكل من الأشكال، عن الحصار المفروض دولياً وإقليمياً على التنظيمات التي ما تزال ترفع شعار المقاومة، بتهمة اعتبارها (إرهاباً)، ولذلك فإن هذه التنظيمات أصبحت تعاني مادياً وبشكل قاسٍ نتيجة سياسة (تجفيف مصادر ما يعتبرونه ارهابا). إنها ليست المرة الأولى التي تُحاصر فيها الجبهة مادياً، فمن المعروف أن الجبهة وقفت ضد مباحثات مدريد وأعلنت موقفا رافضا لها، وهي فعليا مباحثات هيأت لأوسلو. لقد تزعمت الجبهة التيار الفلسطيني الرافض للأتفاقيات المشؤومة وجمّدت عضويتها في اللجنة التنفيذية، فما كان من الرئيس عرفات سوى قطع حصتها المالية من منظمة التحرير بين الأعوام 1991 إلى 2000. عانت الساحة الفلسطينية تاريخياً من التفرد والاستئثار والهيمنة من قبل الفصيل الواحد، ومن قبل القائد الأوحد على منظمة التحرير الفلسطينية المهيمن والمتحكم في قرارات هيئاتها والمؤسسات التابعة لها، هذه المظاهر الغاية في السلبية تركت آثارها وتداعياتها في مختلف المناحي، وبخاصة المتمثلة في قرارات سياسية أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها كانت كارثية على المشروع الوطني الفلسطيني، مثل اتفاقيات أوسلو، والمباحثات التي امتدت لعقدين مع العدو الإسرائيلي، وها هي النتائج تثبت بما لا يقبل مجالاً للشك، التداعيات التدميرية الكبيرة للاتفاقيات والمباحثات على القضية الفلسطينية. المهيمنون على الساحة الفلسطينية يريدون للوحدة الوطنية الفلسطينية أن تكون قميصاً يلبسونه عندما يريدون، ويخلعونه عندما لا يناسبهم، فالجبهة الشعبية حتى وفقاً لتقييمهم هي التنظيم الثاني في منظمة التحرير عندما يلزمهم العودة إلى المنظمة ومؤسساتها، ويحاصرونها بحصتها المالية في ميزانية المنظمة التي هي ملك لكل الفلسطينيين وفصائلهم في حالة اختلافها معهم. الجبهة الشعبية هي أكثر من يتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني، وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني… أما الخارجون عن ميثاق المنظمة فهي السلطة ورئيسها وأركانه، ومن لا يستحق أخذ أموال من المنظمة بالطبع هم الخارجون عن ميثاقها وليس الملتزمون به. إن الحصص المالية للتنظيمات في ميزانية المنظمة ليست منّة من أحد، وليس مفترضاً أن تكون سلاحاً للمتفردين المهيمنين، لاستعماله في الضغط على التنظيمات. إن أبسط مبادئ العدالة والديموقراطية أن تأخذ كافة تنظيمات المقاومة الفلسطينية حصصها المشروعة والعادلة من ميزانية منظمة التحرير، وأبو مازن لا يتصدق عليها والحالة هذه. إنها حق مشروع وطني لها، فالمرحلة ما زالت مرحلة تحرر وطني، ويلزم شعبنا كفاح مرير وطويل من أجل نيل حقوقه الوطنية، وتشكيل السلطة تنفيذا لاتفاقيات أوسلو لم يكن سوى التفافا على هذه الحقوق، وقطع الطريق أمام امكانية تحصيلها. منذ تشكيل السلطة الفلسطينية (وهي الواقعة فعلياً تحت الاحتلال) جرى إهمال متعمد لمنظمة التحرير وكافة مؤسساتها، وظلت العودة إليها شعاراً (ليس إلاّ) يرفعه المهيمنون عليها، عندما تقع السلطة في ورطات سياسية.
تنظيمات فلسطينية عديدة وعلى رأسها الجبهة الشعبية رفعت لواء الإصلاح في المنظمة ومؤسساتها، وتم توقيع أوراق على هذا الصعيد، لكن لا تتوفر الإرادة السياسية للمهيمنين عليها، لاعتباراتهم الخاصة، لبدء هذا الإصلاح، وبالتالي ظل الإصلاح وإعادة الاعتبار للمنظمة ومؤسساتها شعاراً فقط، لم يبدأ تطبيقه.
لا يقتصر التفرد والهيمنة والاستئثار على الأموال وحدها في المنظمة، بل تتجاوزها إلى الوظائف كلها بلا استثناء في مؤسسات المنظمة، وإن وُظّف أفراد قليلون من التنظيمات الأخرى في تلك المؤسسات، فمرد ذلك نابع إلى القول والادعاء بأن للتنظيمات الأخرى تواجد فيها.
كل ذلك من مظاهر لم ولن يخدم الوحدة الوطنية الفلسطينية، والتي من المفترض أن تسودها العدالة والمساواة وفقاً للتمثيل النسبي (على صعيد المثال لا الحصر). ولا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تنسحب هذه المظاهر على المستقبل، لابد من مراجعة أخطاء الماضي بكل عجرها وبجرها وتأثيراتها السلبية المدمّرة على الساحة الفلسطينية، ويتوجب أن تجري الوحدة على أسس وقواعد جديدة تضمن لكافة التنظيمات حقوقها المشروعة وفقاً لنسبة تواجدها على الأرض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتوجب أن يمنع دستور العلاقة، من يريد من القادة، أيا كان منصبه، من محاصرة بعض التنظيمات بالأموال. المراجعة يتوجب أن تتضمن علاقات جديدة على أسس أكثر عدالة بين التنظيمات.
من الطبيعي وجود المعارضة في كل دولة وحزب سياسي وفصيل وطني. لو كان أصحاب السلطة أكثر ذكاءاً لاستفادوا من وجود المعارضة في معاركهم السياسية، فعدونا يستفيد دوماً من وجود المعارضة لديه.
لقد جرى قُمع المعارضة عندما نظمت احتجاجاً سلمياً لإعلان احتجاجها على المفاوضات المباشرة، كان ذلك في أيلول/سبتمبر وفي رام الله. فقامت أجهزة الأمن الفلسطينية بإفشال الاجتماع بوسائل أقل ما يقال فيها أنها خاطئة وقمة في دكتاتوريتها وتسليطتها، وقامت بالاعتداء على الصحافيين المتواجدين. جرى تشكيل لجنة تحقيق، من أجل امتصاص النقمة على السلطة نتيجة أفعالها، وضاعت مهام هذه اللجنة مثل كل مهام لجان التحقيق الأخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اللجنة المكلفة التي شكلتها السلطة بالتحقيق حول تقرير غولدستون. البيت الفلسطيني بحاجة إلى العمل على ترتيب بنائه الداخلي من جديد، وذلك حتى يتمكن من مواجهة المؤامرات الخارجية الهادفة لتصفية القضية والحقوق الوطنية والمشروع الوطني الفلسطيني برمته.’ كاتب فلسطيني