عباس كياروستامي شاعراً

حجم الخط
0

عباس كياروستامي شاعراً

عناية جابرعباس كياروستامي شاعراًقضينا ليل الجمعة الماضي في جدل ، حانة بيروتية في منطقة كاراكاس جعلها الشباب في ضرب من البطولة الفذة، موعدا ثابتا لقراءة الشعر، وهي راحت مع الأيام تستدعي الكل، بمن فيهم ضيوفنا الشعراء والكتَّاب العرب، وغير العرب. فتنني عنوان الأمسية، ويدعو الي سماع قصائد هايكو للمخرج والشاعر الايراني عباس كياروستامي في اصداره: مع الريح وترجمته عن الايرانية شيرين بارسا.الكتاب كان ترجم الي لغات خمس اخري غير العربية، سوي ان الصدفة التي جمعت بارسا بكياروستامي في احد المهرجانات السينمائية في طهران، أتاحته لنا مترجماً الي العربية، ووفرت فرصة تحلقنا حوله في جدل .كيارستمي ـ كما تكتبه المترجمة ـ عمل في التصوير الزيتي والغرافيك والرسم التصويري والتصوير الاعلاني حتي ظهور فيلمه الأول (الخبز والزقاق) ليعود كمخرج سينمائي وينجز ما يزيد عن 23 فيلماً حصدت جوائز في مهرجانات دولية.ثمة سكينة في هذه القصائد التي تناوب علي قراءتها الشباب، ولعل سكينتها محتمة لبلوغ التجلي في العذاب النهائي للكائنات التي تسكن هذه القصائد. هناك الدعة، في بعض ما علق في ذهني من قصائد كياروستامي واوردها الآن، سوي انني قلقت من وفرة هذه الدعة، ومن سكينتها المستحيلة، ومن الراحة المبهمة التي ـ برأيي ـ تعيق منتهي الشعر، فلست أري له الراحة والسكينة والدعة. علي انني كشاعرة غيورة، ابحث عند الآخرين في اسباب للنكد، علي الرغم من قوة عمل كياروستامي، وحذقه الدقيق، ورهافته الذين أثاروا غيرتي، لا ريب. علي حبل الملابسعلقوا الثلج…في هذا الجو الباردلن يجفالثلجبهذه السرعة!! مهر أبيضيأتي من الضبابويختفيفي الضباب.. منذ سنينمثل القشحيرانبين الفصول. قرص القمريطلع بحذرمن قمم البراكين. زهرة صغيرة بلا اسمنمت وحدهافي شقّ جبل شامخ.ليست الحياة القليلة لقصائد عباس كياروستامي، سوي امتداد لكاميرته، وشيء يشبه التقاط الغفل في الاشياء، ينقذها قلم الشاعر. في التساؤل الوجودي للقصائد، هناك بصمة كلماته الخاصة، الدوار، القوة، الثلج، فيما القصيدة مزهوة بضعفها، ورقيقة لأنها من دون شكل، الأمر الذي لا يضعفها بل يفتننا بها. كل قصيدة هي مشهد يعلن عن اختفائه القريب. مجموعة مشاهد محتضرة نأسي عليها ونتطلع في آن الي موتها غير المرئي.كل الاشياء التي لم نعد نراها، موجودة في قصائد كياروستامي، فننتبه فجأة الي اختفاء الجمال من حياتنا. يكتب الشاعر في الصوت غير المسموع، وفي اللحظة العابرة، التي واضحة مع ذلك في عبورها، بل من اوضح لحظات الشعر، ما دام الشعر هو انفجار الوضوح في عبور اللحظات.ان اقتصاد اللغة في شعر كياروستامي، ذو طابع علائقي بدلالات الاشياء وليس بوفرتها، ما يخدم الشعر ـ كما أحبه ـ ويخدم التجريدية هنا.الكلمات لا تستمد الكثافة من نفسها، بل من اشارتها الي شيء ما، هو نفسه ممهد لعلاقة القارئ بذلك الشيء. عنده، اللغة غائصة دائما في حقيقة داخلية وجوهرية، ما يجعلها حين الكتابة، ممتدة نحو حقائق اخري، وهي بامتدادها، سلسلة حقائق او قصائد.عالم كياروستامي ليس شفاهياً، الموسيقي والالوان والاشكال جزءا منه. قرأ الشاعر عباس بيضون بعضا من قصائد كياروستامي، كما قرأ الشعراء بالتتابع: نظام السيد وفيديل سبيتي وغسان جواد وحنان عاد. كيفما قرأ كل منهم، كانت القصيدة تصيبنا.كنا في الحانة والضوء القليل، وكانت القصائد في النور، قطنية وثلجية، تعبة وتكابد بلطف.أظن انني غير قادرة تماما علي الحكم التقني الأمين علي الصياغات، سوي ان لدي شعورا بشأن هذه القصائد، يُكمن في مكان في قلبي، ويحسبها عملا فنيا، وهو شعور داهمني في جدل آخذاً بالتبلور من قصيدة الي اخري، ليغدو شعورا قويا جدا، مع مشاعر اخري نهضت فيَّ.لعلي الوحيدة التي استطاعت الشعور بالقصائد الي هذا الحدَّ، ولعل بعضهم لم تهمه تماما. القصائد كانت تحاكيني، وهي بدت اقرب لي من اي شيء يمكن ان اتخيله قريبا علي الاطلاق. قد يكون من المؤلم انها وضعتني حيال عالم مدهش لن استطيع اليه. بعض القصائد مع ذلك، لم تنل مني، وحين راجعت الأمر مع عباس بيضون وجدته قد اكتشف عددا هائلا من المعاني التي خفيت عليَّ.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية