‘عبده ريال’: ملامح من شخصيات بداية ونهاية ودعاء الكروان

حجم الخط
0

العلاقة تتأكد بين السينما الروائية والأدب الاجتماعيالقاهرة – “القدس العربي” – من كمال القاضي: ظاهرة الكتابة الروائية بشكل سينمائي بدت تظهر على السطح وتتبلور سماتها منذ عشر سنوات تقريباً أو أقل قليلاً، ويمكن القول بأنها بدأت فعلياً منذ صدور رواية ‘عمارة يعقوبيان’ وقيام وحيد حامد بتحويلها إلى فيلم سينمائي، وكانت لا تزال حديثة الصدور.

لقد أحدثت هذه الحالة صدمة لدى الروائيين المنافسين فأخذوا ينتهجون نهجاً مختلفاً في طريقة الكتابة يقترب من الأجواء السينمائية ويسهل على كتاب السيناريو تحويل الرواية إلى فيلم، وبالطبع لم يكن هذا الأسلوب منهجاً عاماً لدى كل المبدعين ولكن برغم أنه استثنائي إلا أنه أصبح شائعاً فحلم الوصول الى الشاشة الكبيرة بات يراود الكثير من هؤلاء.

للمرة الثانية وخلال عام واحد نقرأ روايتين لكاتب واحد تنطبق عليهما مواصفات ما يسمى بالكتابة السينمائية، حيث الاهتمام بالصورة والمشهد والأبعاد الدرامية هي العناصر الغالبة والمسيطرة على ذهنية الكاتب الصحفي محمد غزلان الذي اتسمت روايته ‘المعادي حدوثه’ الصادرة قبل عدة شهور بهذا الطابع وتتسم روايته الثانية ‘مذكرات عبده ريال’ بذات الطابع أيضاً فهو يركز ليس في الحدث بشكل مجرد ولكنه يعتني كثيرا بخلفياته الجمالية والإنسانية والدراماتيكية كأنه بالفعل يبعث برسالة على صناع السينما يخطرهم فيها بأن هناك رواية تصلح لتحويلها إلى فيلم فيتسابقوا عليها ويلتقطوها فتصبح كسابقاتها من الروايات العظمى التي سكن أبطالها قلوب الجماهير وصارت أشهر من النار على العلم مثل ‘دعاء الكروان’ ودماء وطين ونحن لا نزرع الشوك وآخر النهار ويعقوبيان بفض النظر عن المقارنة بين مستوى ومستوى وكاتب وكاتب وفيلم وفيلم، الأهم هو عبور حاجز الخوف والتقدم نحو أخواء السينما بقلب جسور وتحقيق الانتشار الواسع والقفز عالياً في آثار الشهرة الرحبة.

هذه الأحلام لا شك داعبت غزلان وهو يكتب روايته التي يرصد فيها فوتوغرافيا معاناة أولئك النازحين من قرى مصر ونجوعها إلى العاصمة القطرية الدوحة بحثاً وراء لقمة العيش عساهم يقيموا سوراً منيعاً بينهم وبين الفقر فتنقطع صلتهم به ويحجب وجهه عنهم إلى الأبد، بهذه الأبجدية السهلة البسيطة واعتماداً على تراكم مصر في توافر له من خبرة سنوات قضاها في بلد النفط والرطوبة كتب محمد غزلان روايته بشكل تصويري أقرب إلى الصياغة السينمائية منها الى الصياغة الأدبية.

يتوافر في رواية ‘عبده ريال’ من عناصر التكوين الفني، المكان والزمان والأبطال والخلفيات والفراغات فالكان ينقسم إلى قسمين ويتراوح بين طبيعتين مختلفتين في المناخ، إذ تجرى الأحداث بين قرية تلوانه مركز الباجور محافظة المنوفية، والعاصمة القطرية الدوحة بكل مناطقها وأحيائها السكنية وميادينها الفسيحة، أما الزمان فهو سبعينيات القرن الماضي وأوائل الثمانينيات وهي فترة البداية في عمليات الهجرة المنظمة من مصر الى دول الخليج العربي والمرحلة التي شهدت مقتل الرئيس السادات وتأثير اغتياله على الشعوب العربية.

كان الفقر هو الدافع الرئيسي للهجرة، ومن ثم فلا غرابة في أن نجد آياته تتجلى في المجتمع المصري وتأخذ الكثير من ملامح الصورة التي رسمها نجيب محفوظ في روايته العظيمة ‘بداية ونهاية’ تلك التي احتفت بها السينما فصارت مرجعاً أدبياً وفنياً مهماً في التاريخ لحالة الفقر في أربعينيات القرن الماضي، لقد وقف محفوظ على أسباب البؤس والجريمة عند الطبقة الوسطى وما دونها فأعطى للمبدعين والكتاب الآخرين خبرة النظر بعمق لما تحت السطح وما وراء الصورة، ومع أنه لم يكتب عن المغتربين في بلاد النفط أو غيرهم فإن التصوير الإبداعي لم يكن مختلفا كثيرا مما جعل البعض يستلهم الأجواء ويعبر عنها خارج المحيطات المصرية وداخلها، فمثل حسنين ونفيسة وكمال وحسن أبو الروس في ‘بداية ونهاية’ كان عبدالحميد سعد فكه والشيخ علي ماضي وعطية وصلاح عجوره وفاطمة الحلوة شخصيات حية تنطق بالحرمان والقهر وتحتمي في مظاهر القناعة أحيانا والكذب أحياناً أخرى.

وبالانتقال الى الدوحة نرى عبر شاشة العرض السينمائي الأدبي صور لمجتمع وأبطال مختلفين نسبياً، الشاب الهندي كومار وشانتي المنتمية لنفس الوطن والجنسية والكفيل القطري الطيب ومئات العمال والفواعلية ممن قادتهم ظروفهم الصعبة لتحمل المشقة وألم الغربة عن الأهل والأصدقاء، تنويعات بشرية تتشابه في واقعها وتختلف في أشكالها وجنسياتها يرسم لها الكاتب بورتريهات تنضح ملامحها بالأسى كأنها بالضبط مجموعات كومبارس توضع في خلفات الأفلام التراجيدية لتكون اكثر واقعية وأشد إيلاماً، تعود شخصيات الرواية من غربة البلد البعيد الى حضن الوطن الدافيء فلا تتلمس غير الشوك يوخز أجسادها فتتوجع مجددا ليس من ألم الوخز ولكن لأنها لم تعد تطمئن بعد لفكرة الاحتضان والاحتواء، صفحات تحمل الجراح تلو الجراح ويقطر الدم من بين السطور فتتبدى مشاهد الحزن ويعود الربط مرة أخرى بين مضمون الرواية والصورة الدرامية ونتذكر بفعل التشابه أفلام مثل الحرام ليوسف إدريس والأرض لعبد الرحمن الشرقاوي ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ورد قلبي ليوسف السباعي فكلها نماذج لأعمال أدبية خلدتها السينما وأدخلتها التاريخ الفني من أوسع الأبواب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية