‘عبده موتة’: ‘البلطجة’ الثانية لمحمد رمضان

حجم الخط
0

جريمة في الحي العشوائيالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: يبدو أن نجاح الممثل في أداء نمط ما من الشخصيات أصبح يمثل عبئاً عليه، حيث ما يمكن أن يكون تميزاً يتحول بالتكرار إالى عيب والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة في الأبطال والأفلام على السواء، وآخرها التشابه الكبير في فيلمه الألماني وعبده موتة والاثنان لبطل واحد هو محمد رمضان، ولعل الأزمة المثارة حالياً بسبب هذا التشابه تؤكد أن كثير من الأفكار السينمائية تدور في فلك واحد وإن اختلفت الشخصيات والعناوين.فيلم ‘عبده موتة’ هو إعادة انتاج لمجتمع العشوائيات المليء بالبشر والجريمة والفقر وهي ثلاثية ثم اعتمادها بالصوت والصورة وباتت جلية في ظاهرها وباطنها لا تقل الشك أو الجدل، وبرغم تنوع الحواديت والحكايات تظل الرؤية العامة واحدة وكل الإفرازات الدرامية تفضي الى معنى واحد أهم ما يشي به هو غياب العدالة الاجتماعية.البطل محمد رمضان أو ‘عبده موتة’ واحد من الأشقياء الخارجين على القانون، يعمل سايس في موقف سيارات ولكنه يعتمد في دخله الأساسي على البلطجة والسرقة وتجارة المخدرات، أي أنه يمتلك جميع أدوات ومعطيات التأهيل للسجن، بيد أن ذلك لم يحدث إلا مرة واحدة نتيجة التواطؤ الاجتماعي والتدليس الجمعي من كل سكان المنطقة فهم إما تابعين لعبده وشركاء معه أو مستفيدين من نشاطه الإجرامي، ومن يدقق في شبكة العلاقات الخاصة بالحي العشوائي يمكنه رصد أدوات الربط بين كافة العناصر والتي تغلب عليها السمة النفعية وحالة الخنوع المتبدية في هيمنة البلطجي الشرير على الضعفاء من الشباب والرجال والنساء، وللتأكيد فإن دلالة الخضوع من جانب الحسناوات الفقيرات المتمثلات في الراقصة دينا ‘ربيعة’ وحورية فرغلي ‘أنغام’ تفيد قوة شوكة ‘عبده موتة’ وتراجع الأجهزة الأمنية المنوط بها حفظ التوازن العام وضمان سلامة المواطنين، خاصة أن عبده ليس هو المجرم الوحيد، وإنما يناظره المعلم ‘مختار العو’ عدوه اللدود وأستاذه في الكار، ومحور ارتكاز كل الجرائم وأهم صُناعها، تنحصر قضيته في القضاء على ‘موتة’ وإنهاء نفوذه وفي سبيل الوصول لغايته ينفخ في نار الفتنة بين منافسه وبقية البلطجية للإيقاع به ويحاول اقتحام بيته والاعتداء على أمه وشقيقته ‘رحاب الجمل’، وهنا يحاول السيناريست محمد سمير مبروك توسيع دائرة الصراع وإفساح مساحة لأبطال آخرين فلا يبدو الفيلم كأنه مفصل على مقاس محمد رمضان ولكنه برغم الحيل والدفع بعد من الشخصيات يبقى الظاهر أمام المشاهد أن الفيلم بالفعل قص وتفصيل على مقاس رمضان، حيث الكثير من الشخصيات المحشورة في السيناريو بلا أدوار حقيقية ونذكر منها مثلا شخصية ‘ميخا’ العبيط فهي ليست ‘كاركتر’ ولا ذات صلة قوية بالأحداث، كل ما يمكن أن توصف به أنها مجرد ملمح لنمط بشري مسالم قدره أن يكون موجوداً بين الأشرار في مواطن الجريمة والانحراف!يضاف إلى هذه الشخصية شخصيات أخرى لا محل لها من الإعراب كأصدقاء ‘عبده’ المسطحة أدوارهم فهم مجموعة من العاطلين والخونة لم يستغرق ظهورهم على الشاشة سوى بضع دقائق مضت دون أن تترك أثراً لا من قريب ولا من بعيد كأن المخرج إسماعيل فاروق لوح بها فقط كنوع من إثبات الحالة الإجرامية وإعطاء إحساس بوجود كائنات تشبه البشر في الحي العشوائي الخارجي عن السيطرة، وتبقى إضاءات أخرى ايجابية في السيناريو المكتوب عن الجريمة تشير إلى نماذج مختلفة يعبر عنها صبري عبدالمنعم، الأب الطيب الذي يقاوم الواقع المرير بأضعف الايمان إذ يرفض زواج ابنته أنغام ‘حورية فرغلي’ من عبده موتة في باديء الأمر، ثم يرضخ لرغبة الابنة فيحاول إصلاح حالة في وقت لم يحالفه فيه الحظ فيتهم البلطجي في جريمة سرقة قتل ويعود إلى السجن مأواه الرئيسي، وبخلاف ما يترجمه دور صبري عبدالمنعم من أن نبت الخير قد ينمو أحياناً بين الأشواك ينفض الكاتب سمير مبروك الغبار عن وجه شاب يعمل طبيباً يتلمس الحياة الكريمة وسط الوحل وتبخل عليه الأقدار بالاستقرار فيحمل وزر بيئته وعار شقيقته التي غرر بها البطل المسجل خطر، فيما عجز هو عن رد اعتبار نفسه وصيانة عرض أخته ليتحول إلى ضحية.الدور الأبرز والأوضح في هذا السياق أيضاً، ذلك الذي قامت به ‘رحاب الجمل’، الفتاة الجميلة التي تقلصت أمامها فرص الزواج وحُرمت من التعبير عن عواطفها لكونها فقط شقيقة المجرم.لم يخرد أي من الأبطال بعيدا عن الدائرة الجهنمية فقد احترقت الراقصة دينا ‘ربيعة’ بالنار التي أشعلها مختار العو وقتل العو نفسه على يد عبده موتة وجرت التصفيات الجسدية على نطاق واسع بين كل الأطراف المتصارعة كأنها أثمان باهظة يدفعها سكان العشوائيات من لحمهم ودمهم للتكفير عن جرائمهم.ويأتي الدور على البطل فيحكم عليه بالإعدام ويرتدي البدلة الحمراء متوسطاً الكدر آخذا في الاعتراف عند اللحظة الفارقة بين الحياة والموت مستعرضا مشواره الطويل متمنياً لو عاد به الزمن ومنحه القدر الفرصة الأخيرة ليصبح مواطنا صالحاً فيتزوج من خفق لها قلبه ويريح أمه من عناء الكد والكفاح ويعطي لأخته حرية اختيار الزوج ويصوم ويصلي ويعبد الله حق عبادته.نهاية تراجيدية مؤثرة اختارها المخرج ليثير بها تعاطفنا تجاه القاتل والسارق وهاتك الأعراض أو ربما اختارها لتكون درساً مباشرا لمن تسول لهم أنفسهم ارتكاب نفس الأفعال، المهم أنها نهاية وعظية خرجت من حيز الفن الى لغة الخطابة!!qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية