الرباط ـ «القدس العربي»: عبد الخالق بلفقيه فنان يجمع بين المسرح والتشكيل، ينهل من الثقافة المغربية التي تشكل منبع جذوره وانتمائه، كما ينفتح على الثقافة الغربية، بحكم استقراره في فرنسا. جعل من الحجر الصحي طاقة إيجابية، للبحث والإبداع والتواصل مع جمهوره، بصيغ مختلفة.
سألته «القدس العربي» عن جذور الإبداع لديه، فأجاب: «ذلك الطفل الذي كنت، يقظًا، هادئًا، قليل الكلام. بدأت القراءة والكتابة عند فقيه الكتاب التابع للمسجد الجامع. تعلمتُ بواسطة قلم القصب والصمغ واللوحة الخشبية المطلية بالصلصال. عوض اللعب مع أقراني، كنت أمضي الساعات في الرسم والتلوين على الرصيف، وصنع أجسام ومجسمات بالتراب والطين. ثم أركب سيارتي الحمراء في اتجاه بيت جارتنا «أمي العبدية» لأجمع أصحابي في حلقة حول شاشة «كارتونتي» التي وضعت عليها ورق الزبدة ليصبح شاشة، وشمعة تضيء شخوص «بونيكس» التي أحركها وأعطي صوتا مغايرا لكل واحدة منها.»
وأضاف قائلا: «ذلك الطفل الذي كنت، أقطع المسافات عبر حقول الزرع ومزارع الليمون والبرتقال، ألاحظ كل شيء من حولي وأتأمل عن قرب كل تفاصيل النباتات والحشرات. أستمتع بكل الأصوات المنبعثة من حولي».
ويكشف أنه كان مُغرمًا بسماع التمثيليات الإذاعية، ويحاول تقليد أصوات الممثلين: عبد الرزاق حكم، العربي الدغمي، محمد حماد الأزرق، محمد حسن الجندي… كما كان يذهب لـ«دار الخيرية» من أجل تشغيل آلة الأسطوانات والاستماع لأغاني: أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، إديث بياف، جاك بريل، جورج موستاكي.
ويستحضر علاقته بأب الفنون قائلا: «احتضنني المسرح منذ بداية سبعينيات القرن العشرين، انطلاقًا من مسرح الهواة. توجهت للتدريب في المركز المغربي للأبحاث المسرحية في المعمورة، التحقت بقسم المسرح بوزارة الشباب والرياضة، حيث أصبحت مؤطرا لفرق مسرح الهواة في إقليمي أغادير وسيدي قاسم. شاركت في عدة تداريب وطنية ودولية، داخل وخارج المغرب في فرنسا وألمانيا. أخرجت عدة نصوص لكتاب مغاربة: عبد الكريم برشيد، المسكيني الصغير، عبد المجيد سعد الله. هاجرت لمتابعة دراساتي الجامعية في تخصص المسرح في فرنسا».
أما عن كيفية استثمار ظروف وباء «كوفيد 19» الذي شهده العالم ابتداء من أوائل العام الماضي، فقال الفنان المغربي: «واصلتُ الاشتغال في زمن جائحة كورونا الغريب بكل مكوناته وتناقضاته وكل أحداثه التي فاجأت العالم كله، حيث توقف الزمان ولم تعد الأشياء كما كانت على وجهها المعتاد. وفي ظل الحجر والقهر، وفي الوقت الذي انحنى الناس جميعا احتراما وتقديرا لرجال السلطة والأطقم الطبية وهيئة التعليم، وحيث تعالت بعض الأصوات النشاز التي تنادي بعدم جدوى وجود الفن والفنانين، أردت أن أؤكد ما سبق أن شهد به التاريخ، بأن الفنان هو الشاهد على عصره والمنبه والمؤثر في الحاضر والمستقبل.» وأشار إلى أنه اختار العزلة في مرسم بيته المغربي، من أجل التركيز والاشتغال في هذه الظروف التي تضمن الهدوء والسكوت، رغم ما يعم العامة من خوف وهلع من هول اجتياح الجائحة.كيف يواجه هذا الواقع المذهل؟ يقول بلفقيه لـ«القدس العربي»: «أنبش في الذاكرة الجماعية المغربية، حيث أجد الجواب المقنع: القلب الأبيض، هو الذي يحتوي على قدر هائل من الصفاء والحب والصبر. في الحضارة الإنسانية، نجد عدة رموز لمفهوم السلام: الحمامة البيضاء، غصن الزيتون… لكن العبقرية المغربية اختارت «القلب الأبيض»؛ فاخترته عنوانا لمعرض لوحاتي التي عرضتها في رواق «ضفاف» في حي أكدال بعاصمة الأنوار الرباط. جاء النداء من السيدة فتيحة أملوك، رئيسة مديرية الثقافة والفن لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين في الخارج، التي يرجع لها الفضل في تنظيم المعرض وإعطائه أهمية خاصة جعلت كل وسائل الإعلام تخصص تغطية واسعة.»
وكان معرض «قلب أبيض» ثمرة خمسين سنة من العمل الفني والبحث، وفي تصريح لوكالة الأنباء المغربية، على هامش هذا المعرض، قال الفنان بلفقيه، إن «السلام يعد جزءا من حياتنا اليومية ومن جذورنا الثقافية «، مشيرا إلى أن رسالة السلام، بالنسبة له، هي أعظم رسالة يمكن أن يوجهها إلى الإنسانية. وتابع «أحاول أن أبرز إنسانيتي، لذا يجب أن أتصرف وفقا لذلك وأن أعيش في سلام مع نفسي ومع الإنسانية كذلك».
وبخصوص الأسلوب الفني الذي وظفه في ذلك المعرض، أوضح بلفقيه أنه يعتمد مقاربة الرسم الخطي الذي يعد مزيجا بين فن الخط العربي والرسم. ولدى سؤاله عن اللوحة المفضلة لديه من بين أعماله المعروضة، كشف الفنان التشكيلي أن أبرز عمل له يحمل عنوان «المسيرة الخضراء». وقال في هذا الصدد «على هذه اللوحة، أرى نفسي عندما كنت شابا، حين شاركت في تأطير المسيرة الخضراء في عام 1975» وأضاف «من خلال هذه اللوحة، أعود إلى كل تلك اللحظات القوية، التي سار فيها حوالي 350 ألف مغربي لتحرير الأقاليم الصحراوية.
من جهتها، أبرزت فتيحة أملوك، أنها المرة الثانية التي تستضيف فيها المؤسسة هذا المعرض، بعد أن جرى عرضه بشكل افتراضي على موقع «ثقافة» خلال أشهر الحجر الصحي.
عبد الخالق بلفقيه من مواليد مدينة سيدي قاسم عام 1956، تعلم في سن مبكرة، تقنيات المسرح والموسيقى والرسم. وفي عام 1979، أقام أول معرض له في مدينة أغادير، قبل أن يثري مسيرته الفنية بالتدريب والسفر. وفي عام 2000، أطلق الفنان المسرحي والتشكيلي سلسلة من المعارض، تبعتها معارض أخرى بلانكدوك روسیون في جنوب شرق فرنسا، ومواقع أخرى.