منشورات المفكر والأكاديمي المغربي عبد السلام بنعبد العالي كثيرة ومتعددة، تشمل الكتابة المنفردة والتأليف المشترك والترجمة، وتتناول الميتافيزيقا والسيميولوجيا والإبستمولوجيا، وتعيد قراءة فكر الفارابي مثل هيغل وهايدغر، وتدرس ثقافة الأذن والعين، والاتصال والانفصال، وميثولوجيا الواقع والعقلانية الساخرة… ومجموعة المقالات التي يضمها هذا الكتاب تبدأ من اقتباس مواطنه الناقد والأكاديمي عبد الفتاح كيليطو، الذي كان بدوره قد اقتبس الفرنسي مونتايني (القرن 16)، حول الكتابة بالقفز والوثب، والتنقّل بين الموضوعات والأجناس.
عناوين أخرى لهذه المقالات تشمل مهمة القارئ، والفلسفة ليست وصفات طبية، ومستقبل الفلسفة في العالم العربي، والترجمة جسراً لبناء الكونية، وحول مفهوم جديد عن المثقف، والصين هل تفكر، وحياة الكتابة وموت المؤلف، وعندما تعدو الترجمة جسراً، وذاكرة المستقبل، والعيش بصحبة الشك، وهل بإمكاننا أن نخلد إلى الوحدة. وكعادته، تحفل المقالات هذه باقتباسات من عشرات الفلاسفة والمفكرين والكتّاب، ويتساوى في هذا أمثال طه حسين ومحمود درويش وعبد الله العروي، مع أمثال بورخيس وحنة أرندت ورولان بارت…
هنا فقرات من مقال «العيش بصحبة الشك»:
«خصم الفلسفة اليوم هو البلاهات والترهات التي يصنعها (مجتمع الفرجة)، ويحاول الإعلام بما يمتلكه من قوة جبارة أن يرسخها وينشرها. مأساة عصرنا، ومأساة البلاهة، لا تكمن، إذن، في كونها لافكراً، وإنما في كونها لا فكراً يفكر، فهي لم تعد ذلك الجهل الذي قد يُتدارك عن طريق التربية والتكوين، ولا فراغ الفكر الذي قد يملؤه الانفتاح على السؤال، وإنما غدت تقدم نفسها على أنها فكر، بل كلّ الفكر، ومن هنا اكتفاؤها بذاتها وصلابتها وتجذرها، خصوصاً عندما ستزداد الأفكار الجاهزة ذيوعاً مع انتشار وسائط الإعلام، وعندما تعمل الصورة في (مجتمع الفرجة) على مخاطبة ملكاتنا جميعها، واستثمارها في غرس (البلاهات) (…) فقدان هذه القدرة، أو ما يطلق عليه البعض ّالدوخة الأيديولوجية، أليس هو ما أصبح يولّد هذا الهروب إلى الأمام الذي يطبع النزعات الأصولية، والذي يجعل جيلاً كاملاً يشعر أن العقل لم يعد يقوى على شيء، وأن لا حيلة له أمام العوائق مهما كانت: قديمها وجديدها؟».
المتوسط، ميلانو 2020