عبد العزيز الدوري في ذمة الله

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع تكاد وفاة شيخ المؤرخين العرب، وأول المؤرخين العراقيين المحدثين، عبد العزيز الدوري، تؤشر إلى وفاة العراق كما عرفناه. توفي المؤرخ التسعيني (1919- 2010) في العاصمة الأردنية عمان، لا في مسقط رأسه بقضاء الدور من محافظة صلاح الدين، الذي أعطاه اسم عائلته على الطريقة العربية الإسلامية التقليدية؛ ولا في بغداد، التي كتب تاريخها كما لم يكتبه مؤرخ آخر، والذي ترك بصماته على معاهدها التعليمية الكبرى كما لم يضع أكاديمي آخر. وسيكون مدهشاً أن تثير وفاته انتباه الكثير من العرب، الذين عملت أنظمة حكم متتالية على إفقادهم الذاكرة وتجهيلهم بتاريخهم، أو فضول كثير من العراقيين، الذين تكاثرت عليهم مصائب الزمن، من غزو واحتلال وطبقة حاكمة قصيرة النظر وضيقة النوايا والطموح. ولد عبد العزيز الدوري والعراق يودع حقبته العثمانية، وعاش شاهداً على ولادة الهوية الوطنية للعراق الحديث، وعلى تقلباته السياسية المتلاحقة، وتوفاه الله والوطن يتحول إلى كيان طائفي، منقسم على ذاته، لا يشبه نفسه بأي حال من الأحوال.

في مقدمة كتابه ‘الجذور التاريخية للشعوبية’، الذي نشر في مطلع الستينات، كتب الدوري: ‘إن تاريخ الأمة متصل، مترابط، يكون سلسلة متتابعة، أو مجرى متصلاً، يؤدي بعضه إلى بعض. وحاضر الأمة نتاج سيرها التاريخي وبداية طريقها إلى المستقبل. ولذا، فلا انقطاع في التاريخ، ولا ظاهرة تبدو فيه دون جذور وتمهيد.’ ويكاد هذا النص يصف حياة الدوري، ويؤسس لمنهج دراسته للتاريخ، ورؤيته لتاريخ العراق والعرب. نشأ الدوري في العراق الملكي، وفيه تلقى تعليمه الأولي، وتشكلت أسس وعيه. ولكن الدوري المؤرخ هو نتاج التعليم البريطاني الجامعي في أربعينات القرن الماضي، الذي تخرج فيه بالدرجة الجامعية الأولى، ثم بالدكتوراة، التي حصل عليها عن رسالته حول ‘تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري’. كان العراق الحديث عروبياً منذ ولادته، سواء بخلفية قادته أو بالمتطلبات الجيوبوليتيكية لموقعه. جاء قادة العراق الملكي من تحالف الضباط العثمانيين السابقين، الذين جمعتهم بفيصل الأول سنوات ما عرف بـ ‘الثورة العربية’، التي أعلنها اشراف مكة ضد الحكم العثماني المتأخر في منتصف سنوات الحرب العالمية الأولى؛ ومن بين الإداريين العثمانيين السابقين من أبناء العراق، الذين وفر لهم التعليم العثماني الحديث وبنية الدولة المتأخرة فرصة التدرب في مرافق ولايات السلطنة المختلفة؛ ومن بين الوجهاء المحليين، الذين برزوا بفعل نشاطاتهم في الجمعيات ذات التوجه العروبي أو بدورهم في ثورة العشرين. كان أغلب هؤلاء عروبياً بثقافته وتوجهاته، ولكنهم أدركوا أيضاً أن بنية العراق وموقعه، كدولة حديثة، لا يدعوان إلى الاطمئنان. فمن ناحية، كان الشعب العراقي خليطاً من العرب والأكراد وأقلية إيرانية الأصل، من مسلمين ومسيحيين، ومن سنة وشيعة، في وقت لم يكن لدى المراجع الشيعة من رغبة في تشجيع مقلديهم على الانخراط في جسم الدولة الجديدة. وقد حد العراق دولتان كبيرتان، إيران وتركيا، تفوقانه قوة وترتبطان به بعلاقة بالغة التعقيد، تجمع بين التهديد والخوف، والأطماع والحاجة. وكان طبيعياً أن تصبح العروبة أيديولوجية الدولة الجديدة وإطارها المرجعي، سياسة وتعليماً وثقافة. تحول العراق، سيما بعد حصوله على الاستقلال في 1930، إلى مصدر لمشاريع الوحدة العربية جميعها تقريباً (إلى أن احتل عبد الناصر مركز الساحة العربية القومية)، وأصبح العراق موضع آمال تيار عريض من العروبيين الوحدويين، وعمل قادة الدولة الجديدة على أن تكون الفكرة العربية الإطار التوحيدي للشعب وجدار تحصينه من الانقسامات الداخلية وأطماع الخارج.

كان العراق العروبي هو مصدر التأثير الأول على عبد العزيز الدوري؛ أما المصدر الثاني فولد من دراسة التاريخ في بريطانيا في خضم سنوات الحرب العالمية الثانية. بعد زهاء القرن على مساهمات المؤرخين الألمان منذ ليوبولد فون رانكه في منتصف القرن التاسع عشر، كان التاريخ قد أصبح علماً منهجياً، يخضع لقواعد الاستنباط والاستقراء، والمقارنة والتحليل. وبالرغم من أن بروز مدرسة الحوليات الفرنسية كان قريب العهد، إلا أن صداها تردد سريعاً في كافة زوايا المعاهد الغربية. وقد أفاد الدوري، الذي أصبح التاريخ الإسلامي ميدان بحثه الرئيس، إضافة إلى ذلك، من النضج الملموس الذي حققته مناهج المستشرقين الأوروبيين وتناولهم لمصادر التاريخ الإسلامي. كما اللبناني أسد رستم، والمصري محمد شفيق غربال، من الجيل الأسبق قليلاً من المؤرخين العرب المحدثين، وكما أحمد عزت عبد الكريم وجواد علي وصالح العلي، من أبناء جيله، عرف الدوري التاريخ علماً ذا شروط وقواعد، والتزاماً مهنياً يتطلب تدريباً صارماً وتكريساً لا يقبل المساومة للجهد والعمر. متأثراً بطرق الاستشراق، أدرك الدوري أن لا دراسة تاريخية جادة بدون مصادر أولية وبدون رؤية نقدية للمصادر، وعلى خطى مارك بلوش ولوسيان فيفر، رواد مدرسة الحوليات، أخذ في رؤية التاريخ باعتباره سياقاً متصلاً، تحركه قوى أعمق وأقل عرضة للتغيير والانقطاع من الظواهر السياسية: ان التاريخ أبعد إدراكاً من وعي وإرادة الفاعلين في مجرياته. وربما كانت بداياته في التاريخ الاقتصادي عوناً كبيراً في تعزيز رؤيته الأوسع والأعمق للتاريخ، التي ستصبغ أعماله المنشورة كافة بعد ذلك.

لم يكترث الدوري، كما المؤرخين الأنجلو ساكسون عموماً، بالنظريات الجامعة الكبرى، ولم ير في الأيديولوجيا جدوى ما لقراءة التاريخ. عاش الدوري عصر صعود الأيديولوجيات في أوروبا وفي الثقافة العربية، ولكن كتابته التاريخية أفلتت من قيد الأيديولوجيا، حتى وهو يحاول استكشافها. ولكن هذا لا يعني أنه كان مؤرخاً بلا هوية. ففي عراق ما بين الحربين، كان طبيعياً أن يكون الدوري عروبياً؛ وقد ظل وفياً لهويته وإيمانه العروبي طوال حياته المديدة بعد ذلك. ولكن عروبته، كما العديد من أبناء جيله من المؤرخين العرب المحدثين، كانت أقرب إلى عروبة الإصلاحيين العرب الإسلاميين، الذين رأوا العروبة نتاج الميراث الإسلامي، والإطار الطبيعي للعرب بعد انهيار الجامعة العثمانية الإسلامية. ولعل عروبته هذه، واعتداله الليبرالي، ما جعل تعايشه مع نظام البعث بعد انقلاب 1968، القومي العربي هو الآخر، أمراً عسيراً. ما بين عودته إلى العراق في منتصف الأربعينات، وتسلمه مهام عمله الأول محاضراً في دار المعلمين العليا، مروراً بتأسيسه وعمادته لكلية العلوم والآداب، إلى رئاسته لجامعة بغداد في الستينات، أصبح الدوري قوة رئيسة في نشوء وتطور المؤسسة التعليمية في العراق الحديث، وأحد الرواد الأوائل لمدرسة التاريخ العراقية. وإن لم يقلل انتقاله أستاذاً في الجامعة الأردنية منذ نهاية الستينات من تأثيره على الأجيال التالية من المؤرخين العراقيين، فقد ساعد على انتشار هذا الأثر في المجال العربي.

ليس ثمة من مؤرخ عربي رفد معرفة العرب بتاريخهم الإسلامي المبكر والوسيط كما فعل الدوري. فمنذ نشر عمله حول التاريخ السياسي والإداري والمالي للعصر العباسي الأول في منتصف الأربعينات، ليتلوه كتابه في تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، الذي استند إلى رسالته للدكتوراة، وهو منشغل بقراءة النظم الاقتصادية والإدارية للتاريخ الإسلامي. وقد انعكست مسيرته العلمية في عدد من الكتب والمقالات الأكاديمية، التي سرعان ما تحولت إلى مقدمات ضرورية للعمل في حقل التاريخ الإسلامي في المعاهد العربية العليا؛ إضافة إلى نشره وتحقيقه لمخطوطتي ‘أخبار الدولة العباسية’، والجزء الخاص ببني العباس من ‘أنساب الأشراف’. وبالرغم من أنه قدم أكثر من مساهمة للطبعة الثانية من الموسوعة الإسلامية، تظل كتابته لمادة ‘بغداد’ في الموسوعة، التي تصل إلى عشرات الصفحات المطبوعة، شاهداً على معرفته الحميمة بتاريخ المدينة العربية الإسلامية، وعلى معرفته بمصادر هذا التاريخ. كنت عرفت أعمال الدوري للمرة الأولى عندما طالعت نصه الشهير حول التكوين التاريخي للأمة العربية وأنا أدرس للدكتوراة، قبل أن أعرفه مؤرخاً للإسلام. وبالرغم من تجاهله لنظريات دراسة القومية في العقود الأخيرة، فإن النص الذي نشر أكثر من مرة بين بيروت والقاهرة، يحمل إلى حد كبير معالم نهج الدوري في دراسة التاريخ العربي والإسلامي، باعتباره سياقاً متصلاً، وباعتبار حاضره حصيلة تراكماته التاريخية. ولكن ما أدهشني بعد ذلك كان إدراكي المتزايد لمعرفته الواسعة بمصادر التاريخ العربي الحديث، وهو الذي كرس مسيرته المهنية لدراسة التاريخ الإسلامي المبكر والوسيط. وهذا ربما ما يجب أن يذكر دائماً بحقيقة دوافع الدوري في دراسته التاريخية، حيث الباعث الرئيس ليس التعرف على الماضي وحسب، بل إدراك كنه الحاضر على وجه الخصوص. وربما كان من الجدير أن يسأل المؤرخ الكبير قبل وفاته عما إن كان للتاريخ أن يقول كلمته في الانقلاب الكارثي الذي يئن تحت وطأته العراق اليوم. شيء ما جعل العرب أقل معرفة بمؤرخيهم الكبار والاحتفاء بهم كما يجب على الأمم الاحتفاء بمؤرخيها؛ وحظ عبد العزيز الدوري في هذا المجال ربما كان أكثر قليلاً من حظوظ آخرين من مؤرخينا الكبار، مثل الراحل إحسان عباس، ومثل عبد الله العروي وهشام جعيط. على أن الأرجح أنه لولا البرنامج اليتيم الذي قدمته قناة ‘الجزيرة’ حول حياة ومسيرة الدوري قبل سنوات، ما كان هناك من شريط مصور لشيخ المؤرخين العرب الراحل. ويقدر لمركز دراسات الوحدة العربية تعهده مؤخراً بإعادة نشر مجموعة أعمال عبد العزيز الدوري وتوفيرها للباحثين والدارسين العرب في طبعة جديدة؛ لعل في هذه الخطوة اليوم بعض التعويض عن غيابه الكبير.’ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية