محسن الزكريتكاد تجمع الدراسات على أن مقاربة عبد الفتاح كيليطو النقدية تتسم بالأصالة والتميز. فالرجل له طريقته الخاصة والفريدة في دراسة النصوص الأدبية جعلت ناقدا ومفكرا كبيرا كعبد الكبير الخطيبي يعدها – في تقديمه كتاب ‘الأدب والغرابة’- بمثابة ‘مدخل لنقد أدبي جديد’ (دار توبقال، 2006، ص7).لكن الإجماع المذكور سرعان ما تتفرق به السبل كلما حاول الدارس أن يولي المقاربة الكيليطية صوب اتجاه معين من المناهج المعروفة فى مجال النقد والدراسة الأدبيين. لنتذكر أن الكتاب المرموقين عبر التاريخ هم الذين استطاعوا أن يحيطوا أنفسهم بهذه الثنائية؛ ثنائية الائتلاف والاختلاف، وأن يجعلوا قراءهم يتيهون في شعاب تأويلاتهم المتصارعة. في تيه تصنيف المقاربة الكيليطية ذهبت التأويلات مذاهب شتى؛ فهناك قائل بالبنيوية وآخر بالتفكيكية وآخر بالتأويلية وآخر بالموضوعاتية وآخر بالنقد الثقافي. ولا أحسب أن أحدا يضاهي عبد الفتاح كيليطو سعادة وهو يتأمل هذه الحيرة التي تلف الأقلام وقد استوت تدبج المقالات محاولة الإتيان بالقول الفصل في هذه المعضلة. في هذا السياق ربما ترد جملة طريفة للناقد حسن إغلان متحدثا عن عبد الفتاح كيليطو: ‘قد يقول أحد قرائه: إن عبد الفتاح كيليطو يضحك علينا’ (الجريدة الأولى، عدد 503). بل إنه اعتبر عبد الفتاح كيليطو يدفعنا ‘إلى الخصام مع نصه عبر توتر يولده لدى القراءة’. لهذا التوتر ما يبرره، الرغبة في التصنيف لها إلحاحها الذي يدفعك دائما إلى السؤال عن الجنس الأدبي والمقاربة النقدية، ودراسات عبد الفتاح كيليطو عصية على ذلك، يمتزج فيها الحس النقدي بالنفس الإبداعي، فتجدك تقرأ نصوصا نقدية هي أشبه ما تكون بالمدونات الإبداعية الأصيلة. ولعل عبد الكبير الخطيبي كان من الأوائل الذين تنبهوا إلى هذه الخاصية، خاصية المزاوجة بين النفسين النقدي والإبداعي في المقاربة الكيليطية؛ يقول في المقدمة المذكورة والتي كتبها سنة 1982: ‘إن نية الكاتب عبد الفتاح كيليطو ترمي إلى تدقيق بعض المصطلحات: الأدب، النوع، النص، تاريخ الأدب، السرد… وفعلا إنه يعرف كل موضوعة من هذه الموضوعات بانتباه محترز، بطريقة تدريجية. إلا أنه انتباه مصحوب بنوع من المكر النادر في مجال النقد الأدبي. فلكي يوجد هذا الأخير، يتحتم عليه أن يكون ‘نقديا’ أي أن يتمثل نظريات ومناهج التحليل، ومن جهة ثانية، يتحتم عليه أن يكون ‘أدبيا’، وذلك باستبطان الأشكال الإستطيقية لتحليله حتى يتمكن ليس فقط، من الحديث عنها بدقة، بل من أن يصبح فنا وفنا متناصا، أي كتابة نقدية بالمعنى العميق’. المقاربة الكيليطية ‘كتابة نقدية بالمعنى العميق’، توصيف جميل ولا شك؛ بقدر ما تستبطن أدواتها المستلهمة من نظرات ومناهج النقد، تستبطن أيضا نزوعا جماليا خاصا يتجلى في جعل النقد يتسم بالإبداع، ليس الإبداع فقط على مستوى طبيعة اللغة التي يوظفها كيليطو، والتي تتحلى بطابع استعاري يخالف مألوف اللغة النقدية الأقرب إلى العلمية أو ما يسمى الكتابة في درجة الصفر، ليس هذا فقط؛ الطابع الإبداعي في المقاربة الكيليطية يتجلى في أشكال التأليف والترابط التي ينسجها بين مكونات قد تبدو في الظاهر بعيدة عن بعضها بعض وما يفرقها أكثر مما يجمعها، لكنه يخلق نوعا من الألفة بينها. هي مقاربة مشبعة بنور الاستعارة، على مستوى أسلوب الكتابة وعلى مستوى فلسفة المقاربة وروحها، فما الاستعارة سوى تأليف بين عناصر متنافرة من العالم كما يقول بول ريكور. ‘نعم، لأن دراساته تقرأ كأنها حكايات بما يندمج فيها من تواريخ، وما تترصع به من مرجعيات وألغاز ظلت دون حل’ مقولة للناقد الفرنسي روث غروسريشارد (القدس العربي، ع 6228، ترجمة إسماعيل أزيات) تسعفنا في تأكيد ما ذهبنا إليه. ليس ذلك مستبعدا على كيليطو، فهو نفسه قال بمثل هذا الكلام في كتابه ‘الحكاية والتأويل’ وهو يقرأ الجرجاني ‘فمن جهة نلاحظ أنه عندما يتطرق للتشبيه والتمثيل والاستعارة، يستعمل بدوره التشبيه والتمثيل والاستعارة’ (دار توبقال 1988 ص 8)، ثم لاحظ أن الجرجاني في أسرار البلاغة لم يكن فقط يكتبا مؤلفا في البلاغة بل كان يؤلف قصة، ‘بيد أنني عند قراءة أسرار الجرجاني ألمح فيه عناصر قصة أصلية، عناصر مشتتة سأحاول جمعها ولمها’ (نفسه ص8). وأنا عندما أقرأ كيليطو أحس أن نقده هو الآخر- تماما كما فعل الجرجاني في أسراره- يحاول نسج قصة، لنقل نسج حكاية لكي أستعير من عبد السلام بنعبد العالي ملاحظته الجميلة أيضا والتي أبداها وهو يقرأ كتاب ‘الأدب والغرابة’ في كتابه ‘الأدب والميتافيزيقا’: ‘تقويض الميتافيزيقا إذن معناه أن يصبح العالم حكاية. غير أن الشرط الأساسي للحكاية كما نقرأ في الأدب والغرابة هو الانتقال، أي اجتياز العتبة الفاصلة بين فضاءين: الفضاء المألوف والفضاء الغريب، الشرط الأساسي لتقويض الميتافيزيقا وللسرد هو الانتقال من الألفة إلى الغرابة’ (دار توبقال، 2009، ص13). الانتقال من الكتابة النقدية في درجة الصفر والكتابة النقدية تحت وهج الاستعارات هو ولا شك انتقال بين عالم الألفة وعالم الغرابة، لم يكن كيليطو معنيا بكشف الغرابة في التراث العربي فقط بل إنه كان يمارسها أيضا من خلال السمات التي كان حريصا أن تتلون بها مقاربته النقدية. لم يكن إذن عبد الفتاح كيليطو قارئا للتراث فقط بل إنه كان يستلهمه في أثناء قراءته للنصوص، إن الأمر يتعلق بقراءة التراث بالتراث أو على الأقل بأدوات تستلهم منه. هو ذلك مفهوم الوحدة الذي ما فتئ يشدد عليه في أكثر من مناسبة، ذلك أن كيليطو ينطلق في مقاربته من فرض أساس وهو وجود ‘وحدة في الثقافة العربية الكلاسيكية كيفما كانت الأنواع، نثرية أو شعرية، رفيعة الشأن أو ساقطة، واقعية أو أسطورية’ (الحكاية والتأويل ص 8). ولا أرى أن مفهوم الوحدة كما يمارسه كيليطو بقي محصورا في قراءة التراث بالتراث، بل انفتح ليصير قراءة إنسانية، أي افتراض وحدة في التراث الإنساني ككل. لقد تحول النقد عند كيليطو إلى مجال لتصادي المعرفة، حيث ينتقل من نص إلى نص ومن مجال معرفي إلى مجال معرفي آخر. وهذا يعني أن النص يصبح عنده فضاء تصب فيه مختلف روافد الإنتاج الإنساني ومجالا للحوار بين الثقافات المختلفة. ولا أبالغ عندما أقول إن جميع كتبه شاهدة على هذا الحوار. يكفي أن نتذكر كتابه ‘من شرفة ابن رشد’ (دار توبقال،2009) وبخاصة النص الذي يحمل الاسم نفسه لكي نقف على خاصية التصادي تلك، ومدى اتساع الحوار الذي يقيمه كيليطو بين مختلف النصوص الإنسانية. وحسبنا أن نسرد الأسماء الواردة في النص لنحس بالدهشة أو لنستشعر الغرابة الأثيرة عند كيليطو: نجد ابن رشد و مالارمي وجورج بيريك ورومان ياكبسون وميلان كونديرا والثعلبي وآدم عليه السلام والجاحظ ودون كيخوطي وسيدي أحمد بن إنجيلي وابن خلدون وأرسطو وإرنست رينان وابن سيرين وجاك دريدا وبورخيس والخليل بن أحمد ويعقوب المنصور ونوح عليه السلام والرسام الواسطي والحريري. رحلة حقيقية بين أصقاع شتى وأزمنة شتى وثقافات شتى وألسنة شتى وأقوام شتى؛ ألم نقل إن الاستعارة تأليف بين عناصر متنافرة من العالم؟ كيف اجتمع هؤلاء في نص واحد؟ وما الذي جمع بينهم؟ إنه الحوار الذي يصر كيليطو بموسوعيته المبهرة أن يقيمه بين مختلف أشكال المعرفة الإنسانية، عزم على جعل النصوص بمشاربها المتباينة مرايا متقابلة يعكس بعضها بعضا. هو النقد الإنساني بالمعنى العميق. إن نص ‘من شرفة ابن رشد’ المذكور ليس مقالا بالمعنى المألوف للكلمة، إنه في الحقيقة قصة يلتبس فيها الحلم بالواقع. إن شئنا أن نجنسه يمكن القول إنه مقال قصصي أو قصة نقدية، يحلو لي في هذا المقام أن أتذكر المعري في ‘رسالة الغفران’ وابن شهيد في ‘التوابع والزوابع’ وابن طفيل في ‘رسالة حي بن يقظان’، هؤلاء كتبوا جنسا أدبيا جديدا يصح أن يسمى القصص الفلسفي أو القصص النقدي. كيليطو هنا يعود إلى حيلته الأثيرة وهي استلهام التراث لابتداع أشكال جديدة في الكتابة النقدية تحقق دائما تلك الوحدة المنشودة والتي صيغت بخيوط استعارية. تصادي المعرفة هو نفسه استلهام لذلك التراث، فهو شكل من أشكال الكتابة الموسوعية التي ألفناها عند الجاحظ وأبي حيان التوحيدي. كيليطو قرأ التراث بتأن وعمق وخبر جيدا كثيرا من أسراره واستلهم من معينه جملة من آلياته في صياغة مقاربته النقدية. الإبداع والتصادي والحوار والوحدة جملة من المفاهيم والآليات التي تستند إليها المقاربة الكيليطية في دراسة النصوص، هناك ولا شك مفاهيم وآليات أخرى تصنع تَميز وعمق هذه المقاربة، لكن اللافت أن كيليطو كتوم في هذا الشأن. فالمتتبع لمؤلفاته وحواراته وندواته قلما يظفر بما يفيده في هذا الموضوع، فهو بعد ‘الأدب والغرابة’ لم يعد يضع مقدمات نظرية لكتبه، وحتى مقدمة ‘الأدب والغرابة’ تبقى مجرد دراسات يختلط فيها النظري بالتطبيقي، وقد نفى عنها صاحبها سمة التنظير (الأدب والغرابة ص 11)، لتبقى حقيقة المقاربة الكيليطية سرا يلفه الاحتمال، وما يدبج بخصوصها هو تأويل يدور في فلك الممكن. باحث من المغرب[email protected]