عبد الفتاح كيليطو: العرب وفن الحكي… ألفة غريبة!

جان نيكولاس كلامانج | ترجمة: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
0

يسعى الكاتب والأكاديمي الفرنسي جان نيكولاس كلامانج في هذه الدراسة إلى الاستقراء النقدي للمضامين والإشكالات المعرفية لكتاب «العرب وفن الحكي» للأكاديمي والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو. يمثل هذا الكتاب المثير محطة رئيسية في سيرورة تطور المشروع العلمي للأكاديمي المغربي في سياق قراءته للتراث الحكائي العربي، وأنماط تأثره وتأثيره بالتقاليد السردية الهندية والفارسية والأوروبية. يعمل الكاتب أستاذا للآداب في جامعة السوربون الباريسية.

النص

هو ذَا كتاب قل أن نعثر على نظير له. ولن يحظى فقط بإعجاب عشاق ألف ليلة وليلة، أو أولئك الذين يبحثون عن سبيل يقودهم إلى الأدب العربي القديم، وإنما كل من يرغب في أن يكون الأدب سرا مضاعفا. يتعلق الأمر ببحث يتسم بالكثافة والشفافية، وحيث يتم تقديم إشكاليات الثقافة الأدبية العربية الكلاسيكية، في ضوء السياق الراهن في غمرة فصول قصيرة مكتوبة بلغة راقية.
عبد الفتاح كيليطو أستاذ في جامعة محمد الخامس في الرباط ومبدع العشرات من المؤلفات نذكر من بينها على وجه التخصيص: الأدب والتناسخ والمقامات الذي اهتم بنوع أدبي رئيس في التراث العربي القديم، العين والأبرة الذي أعتبره أحد أجمل الأبحاث التي أتيح لي أن أقرأها عن ألف ليلة وليلة، أنبئوني بالرؤيا. وهو أيضا مبدع عمل روائي بعنوان «خصام الصور» ومجموعة قصصية صدرا في المغرب. يتابع كتاب «العرب وفن الحكي» تفكيره في بعض الأعمال الرائدة في الأدب العربي القديم، التي تم تمثلها في سياق حمولتها وفِي ارتباط بثقافتها الخاصة وفِي سياق علاقتها المعقدة بالعالم الهندي الفارسي وبالغرب. يتعلق الأمر بكتاب «كليلة ودمنة» وكتاب «البخلاء» للجاحظ و»طوق الحمامة في الإلفة والآلاف» لابن حزم الأندلسي واللامبالاة المطردة للقدامى من المتأدبين تجاه ألف ليلة وليلة وعن العلاقات بين فن الكتابة وفن السر، أو أيضا عن مظاهر التواطؤ المحتمل بين أساليب الحريري مبدع المقامات وجورج بيريك. سوف يكون الخط الذي يصل هذا التأمل كامنا في ما تفصح عنه تجربة الغرابة في الثقافة الأدبية العربية القديمة، وهو خيط مجدول وموصول بحدس لطيف، يتمثل في ما تشتمل عليه التجربة الأدبية من مفارقة، وتتحدد في نوع من الموهبة المثمرة في الجهل وسوء الفهم.

ألف ليلة وليلة والملل:

يبدأ الفصل الموسوم بطريقة مستفزة «ـلف ليلة وليلة: كتاب ممل» بتفكير حول نصيب إعادة بناء الماضي، الذي يشتمل عليه استدعاء الكتب الموصولة بمرحلة الطفولة، خصوصا عند القارئ المتميز الذي تتحدد مهنته من حيث المبدأ في البحث والتدريس في حقل الأدب. وإذا كانت ألف ليلة وليلة مقروءة باللغة العربية منذ طور الطفولة وفِي طبعة كانت عرضة للحظر، فإن عبد الفتاح كيليطو لم يكن على يقين من أنه أحبها، في الوقت الذي ما يفتأ يتذكر فيه افتتانه بسيرة عنترة. والحال أن كتاب ألف ليلة وليلة هو الذي يعيد الشخص البالغ قراءته بسبب اضطلاع الكتب الفرنسية في لحظة ما بدور الوسيط، شأنها في ذلك شان حكايات فولتير وصوفا ومارسيل بروست، أو التأثير الذي مارسه التحليل البنيوي على تقنية الحكي. يجهل كيليطو إذن إن كان قد أحب فعلا ألف ليلة وليلة في طفولته، ويتساءل وفق أي حدود كانت ميوله الراهنة حيالها بتأثير معتقد يحظر رؤية الكتاب الممل، الذي احتفظ لفترة طويلة بهذه الصفة، إلى حدود بداية القرن العشرين. ويواصل من ثم تأمله القلق والمتشبع رغم ذلك بالدعابة، في ما يشكل ثراء أو فقر الأعمال الأدبية واندماجها من ثم في القاعدة بوصفها كلاسيكيات أدب وطني أو كوني.
نحيط علما هنا بماهية عمل كلاسيكي في التراث الأدبي العربي، وتتمثل في ارتباطه باسم المؤلف، واسم تحدده بيوغرافيا دقيقة في حدود الممكن. وهو يتأطر في شكل ملحوظ، كما أن أسلوبه يتسم بالرقي والرفعة. وإذا اتسم بأسلوب أقل سموا فإن على الكاتب أن يبرر ذلك. ويفرز هذا التمييز الشكلي غموضا دلاليا يستدعي بالضرورة الشرح والتأويل. وترتبط هذه الهرمسية بوظيفة تربوية للنص الكبير الذي لا يكون في مقدوره أن ينشر دروسه وعبره إلا من خلال الشروح والتعليقات الواضحة.

وهي المهمة التي يضطلع بها المؤلف ذاته مثل صنيع دانتي. يصبح هذا النص والحالة هذه عصيا على الترجمة ويستوي في ذلك أن يكون شعرا أو نثرا. لأنه يفقد نظمه وتركيبه. والحال أن العمل الأكثر ترجمة في كل الأدب العربي وهو ألف ليلة وليلة لا يستجيب لأي من هذه المعايير؛ فهو لا يتوفر على مؤلف ويفصح عن حضوره، وفق نسخ متعددة ومختلفة، كما أن أسلوبه سوقي وإن كان لا يعدم ركونا إلى النثر المقفى. وهو لا يتوفر على أي شروح أو تفاسير ولا يشكل موضوعا لدروس أو عبر. ومن ثم يستنتج عبد الفتاح كيليطو بنبرة جدية، أن الأدب العربي لن يكون مختلفا، إذا لم يكن ثمة وجود لكتاب ألف ليلة وليلة، باعتبار الحقيقة التي مؤداها افتقار هذا الأخير لأي تأثير. ليس للأمر تعلق في هذا المعرض بأن شرط التأدب في هذه الثقافة تستلزم إقصاء الكتابات المسلية، بل العكس هو الصحيح ذلك أنه من المفروض أن ينوع المرء قراءاته، لكن لأن كتاب الليالي ببساطة لا يثير أدنى اهتمام، وهو ما تجليه إحدى الشهادات النادرة التي تهم قراءتها في تاريخ لاحق، واقصد ابن النديم، الذي كان وراقا بغداديا عاش إبان القرن العاشر: سنحت لي الفرصة مرارا كي أرى هذا النص في كليته. ويعتبر الكتاب في الحقيقة فقيرا جدا ويروى ببرودة.
يطرح هنا سؤال يتعلق بنسبية الأحكام الصادرة في حق الأعمال الأدبية عبر تعاقب العصور، وهذه المساءلة الساخرة للحكم الشهير الذي من شأنه أن يحدد مصير العمل في الأزمنة اللاحقة. يتعارض الاهتمام الاستثنائي والمثير للأوروبيين وباقي أنحاء المعمورة تجاه ألف ليلة وليلة، منذ ترجمة غالان إلى أيامنا هذه جذريا، مع قرون طويلة من الاحتقار والازدراء، مصدره متأدبون من داخل الثقافة العربية. والحال أن كيليطو يتساءل: كيف يكون في مستطاعنا أن نتموقع ضد حكم صادر عن كل هذه القرون؟ وماذا لو كنّا نحن ضحايا عماء يدفعنا إلى أن نعطيها أكثر مما تستحق. وإذا كنّا قد علمنا بموازاة ذلك أن النشر وانتشار العمل والشروح والتعليقات قد لقيت رواجا كبيرا في العالم العربي الحديث، فقد كان علينا، رغم ذلك أن ننتظر إلى حدود عام 1984 كي تظهر إلى الوجود طبعة نقدية، وأن يرى الأدب الحي في شخصية شهريار شكلا تمثيليا لعدد لا حصر له من الطواغيت السياسية أو العائلية، أو أن نقترح إعادة كتابة معاصرة تتميز بقطيعتها، وأسوق على سبيل التمثيل نماذج نجيب محفوظ وآسيا جبار وليلى صبار وآخرين. ولن نعثر حسبه في هذه الكتابات على أَي تواطؤ شبيه بما نعثر عليه عند بروست أو بورخيس.

اعتبرت كتابتها المتأسسة على الزخرفة البلاغية إرثا عقيما وفائضا عن الحاجة. وهكذا أصبحت المقامات عصية على القراءة. لكن السؤال الذي يطرح والحالة هذه: هل هذا الافتراض مؤكد؟ ما الذي يشكله هذا الشكل التعبيري المسمى مقامة؟ تتحدد المقامة في إسناد المؤلف مهمة الحكي إلى شخص، أو عدة أشخاص بطريقة تخييلية.

عن لقاء غير متوقع في أرض الاستقبال

تشدد مقدمة الكتاب على أنه إذا كانت زهرة الثقافة بالنسبة للعرب ومنذ القديم تتمثل في الشعر، وإن كان هذا الأخير لم يحظ إلا نادرا بالأهمية، ولَم يتم اعتباره في قيمته الحقيقية في فارس، أو أوروبا، في الوقت الذي كان فيه إجماع في الغرب على أن العرب سبقوا غيرهم من الشعوب ولزمن طويل في فن الحكي. وهو ما كتبه أنطوان غالان في القرن الثامن عشر، في المقدمة التي خَص بها ترجمته لكتاب الليالي. والأمر صحيح للأسف الشديد في ما يتعلق بالشعر العربي القديم، الذي لولاه ما كان ثمة وجود لمجنون إلزا للويس أراغون، على سبيل التمثيل لا الحصر بالنسبة للقرن العشرين. والأمر يبدو أقل وأهون بالنسبة لبعض المحدثين الكبار من قبيل جبران خليل جيران ونزار قباني وأدونيس ومحمود درويش. ثم نترجم أيضا لأصوات جديدة. أنظر في هذا السياق ا. ك الجنابي وبرنار نويل: أنطولوجيا الشعر العربي الحديث. منشورات ميزون نوف ولاروز 1999، أو أيضا مجلة «أكسيون بويتيك» العدد 178 عام 2004 الذي خصص لفلسطين وشعرائها الراهنين. ومهما يكن وعلى الرغم من إرادته وبذله قصارى جهده في أن يترجم هذه الثقافة التي يمحضها الإعجاب، فقد اعتبر أنه من المستحيل نقل قصائد مخطوطته السريانية إلى لغة راسين. وقد تغيرت الأمور في وقتنا الراهن؛ فمن طبعة أردروس إلى طبعة لا بلياد الحديثة المتوفرة عند دار غاليمار، فإن جل القصائد مترجمة ويتعلق الأمر بداهة بروائع أدبية.

إذا كان الإبداع يستلزم ذاكرة تنسى أو تمحو، فإن الأدب العربي القديم يشتغل بشكل سري على الأدب الأوروبي منذ العصر الوسيط. شكّل النجاح الساحق لألف ليلة وليلة إبان القرن الثامن عشر نقطة الانبعاث علىً صعيد المقروئية النسبية لهذا الشكل الأدبي الذي ظل إلى حدود هذه اللحظة مطروحا وغير ذي أهمية، لكن في المقابل، وحسب كيليطو فإذا كان الأدب العربي الحديث قد تعلم توظيف بعض الأجناس الأدبية من قبيل الرواية والقصة القصيرة والمسرح، التي كانت في مجملها غريبة على تقاليده في الكتابة، فإن شعره والكثير من ذخائره الكلاسيكية الكبرى تبقى مجهولة بشكل باذخ في الغرب، اللهم إلا مع بعض الاستثناءات. «كليلة ودمنة» بفضل لافونتين ومقامات الهمذاني والحريري من خلال الرواية الشطارية و»رسالة الغفران» للمعري بواسطة الكوميديا الإلهية. يتمثل رقي العمل على وجه الدقة والتحديد في انطلاقه من هنا كي يؤسس للبداية. وتبقى الأمور مختلفة في ما يهم ذوي الولع المشبوب. نحيط علما بهذا الصنيع ونحن نقرأ الفصل الخاص ببيريك، وإن كانت الفرصة لم تتح للأول لقراءة الثاني، رغم ذكره له، فإن إرنست رينان قام بقراءته دون ريب في سياق الشرح الذي خصه به المستشرق الكبير سيلفستر دو ساسي في كتابه «الأنطولوجيا النحوية العربية» 1829. يرغب عبد الفتاح كيليطو في إفادتنا بأن العلماء في القرن التاسع عشر كانوا على معرفة بهذا الأثر البارز في الأدب العربي: ندرة من الكتب مارست تأثيرا بهذا الثقل من الفولغا إلى النيجر ومن نهر الغانج إلى مضيق جبل طارق وقد مثلت نموذجا لهذه الروح الرائعة والأسلوب الجميل بالنسبة للشعوب التي تبنت بالإضافة إلى الإسلام لغة محمد. على الرغم من ذلك شاءت سخرية ومكر التاريخ في زمن الحريري أن يشك معاصروه بشكل مطرد في أن يكون المؤلف الفعلي لكتاب المقامات الرفيع وأن تكون قيمتها راهنا نسبية مقارنة مع كتاب ألف ليلة وليلة:

اعتبرت كتابتها المتأسسة على الزخرفة البلاغية إرثا عقيما وفائضا عن الحاجة. وهكذا أصبحت المقامات عصية على القراءة. لكن السؤال الذي يطرح والحالة هذه: هل هذا الافتراض مؤكد؟ ما الذي يشكله هذا الشكل التعبيري المسمى مقامة؟ تتحدد المقامة في إسناد المؤلف مهمة الحكي إلى شخص، أو عدة أشخاص بطريقة تخييلية. تعين هذه الكلمة في آن واحد نوعا أدبيا، أي حكيا يتعلق بشخصيات في طور الخضوع والامتثال، استنادا إلى موضوع التسول، وخطابا لا يتحمل فيه المؤلف بطريقة مباشرة مسؤولية الكلام، وإنما يسندها إلى شخصيات متخيلة تحتفظ بقرابة مع أشكال تعبيرية من قبيل أدب المآدب والخرافة والمعارضات. وقد عرفت المقامة منذ البداية تحولا بوساطة الكتابة. يعمد المؤلف إلى إعادة نسخ مخطوطته وتذييلها بتوقيعه بعد إخضاعها للاختبار والفحص. وتتمثل الاثار الكبرى لفن المقامة في ما كتبه بديع الزمان الهمداني والحريري إبان القرنين الرابع والخامس الميلادي. والحال أن المثير بالنسية لعصرنا ما بعد الحداثي المتسم بتبسيطيته وإعادة استخدامه، في ما يبرزه هذا المقال المخصص لبيريك والحريري، يتمثل في أن هذا الأثر الكلاسيكي البارز لا يعدو كونه نوعا من تركيب سرقات أدبية. وإذا صدقنا ما ذهب إليه العالم النحوي ابن الخشاب فإن مكونات مقامات الحريري تتمثل في غالبيتها من اقتباسات من أعمال أخرى. ويضيف عبد الفتاح كيليطو إلى ذلك، على أي حال، إنه بمعزل عنوان يخصه بأي لوم أو عتاب، فإنه يرى على العكس من ذلك فيه قرينة على اقتدار وجدارة كبيرين. وهكذا يتابع قائلا:
يعتبر احد أبرز المصنفات في الأدب العربي، إن لم يكن اكبرها على الإطلاق. ويضيف العالم النحوي نفسه قائلا، إن المؤلف الحريري، أفنى زهرة عمره في تأليف كتابه، أو إتقان سرقته الأدبية. يبدو بكل تأكيد أن إنجاز كتاب مسروق أصعب من تحرير كتاب أصلي.
ويبدو جليا أن والتر بنجامين لم يكن يحلم بنموذج أبلغ من هذا، كي يحتج لتصوره في خصوص الكتاب المثالي. ونستشرف بهذا الصنيع مبدأ الأدب بوصفه سرقة أدبية معممة، سوف تلهم بعد روبير مينار بعض الأوروبيين المحدثين (ميشيل بوتور قبل بيريك) وحيث تبدو المقولة المأثورة المنسوبة لدوكاس: السرقة الأدبية ضرورية ويفرضها التقدم في النهاية بوصفها فكرة رئيسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية