عبد القادر أبو نبعة: لم أبع كتابا فـي حياتي واحاول أن أروي سيرة الفلسطيني الذي ذهب إلى أقاصي الأرض… وظل يتنفس فلسطين

حجم الخط
1

عمان ـ من سميرة عوض: تماما كما يحدث في الأفلام، يجلس ‘البطل’ وسط الجمهور ليتابع ما ‘يحكى عنه’، وهذا ما حدث بالضبط في حفل توقيع الرواية الأولى لمؤلفها السينمائي والكاتب عائد نبعة ‘أغنية للبرد والرمال’.
إذ لو لم يعلن في نهاية الأمسية عن وجود بطل روايته المهندس عبد القادر مصطفى أبو نبعة، في ‘المركز الثقافي العربي’ في جبل اللويبدة في العاصمة الأردنية بين الجمهور، لما عرف ذلك أحد من الجمهور الذي ذهبت عيونه باتجاه ‘الأبيض صاحب الشعر الأبيض’ بوقاره الذي ظل مستمعا منصتا طيلة الأمسية التي حضرها برفقة شريكة دربه. كان ذلك قبل أكثر من عام، لم تكن هذه المفاجأة الوحيدة، إذ كانت المفأجاة الثانية أنه جاري، فأنا اسكن في عمارة سكنية، بجوار قصره العبدوني، وكثيرا ما لمحته في حديقة فيلته، يجلس برفقة شريكة حياته يحتسيان قهوتهما صباحا، أو مساء، منتصران لجذورهما ‘الفلاحية’، ومن يومها اتفقنا أن يتم الحوار، الذي ظل مؤجلا…
عبدالقادر أبو نبعة: إضاءة شخصية
حين يتقاعد الإنسان بعد رحلة عمل طويلة ما الذي يبقى لديه، عدا إنجازاته المهنية، والتي تتوقف غالبا، بمجرد التقاعد، حوارنا اليوم مع شخصية مختلفة، أصدر ستة مؤلفات، أحدثها كتاب ‘مبادئ الوقاية من الحرائق وطرق مكافحتها في المؤسسات العامة والخاصة’، ويذكر انه الكتاب السادس في مجالات مشابهة، جلها حصيلة خبرته وعمله في السلامة والتدريب في عدد من المنشآت الصناعية العالمية والعربية والأردنية، ويقوم بتوزيعها مجانا على المؤسسات، وفي الندوات التي يعقدها. كما أن لديه سيرة حياة حافلة، نشرت في رواية عنوانها ‘أغنية للبرد والرمال’ للمخرج والكاتب عائد نبعة صدرت عن دار أزمنة في العاصمة الأردنية عمّان العام 2012، تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط، قدم لها الشاعر الفلسطيني زكريا محمد متحدثاً عن تجربة الكاتب: ‘ تعرض الرواية لعام ما بعد نكبة 1948 مباشرة. بل تطلع من الكفاح الضاري لأناس هذ العالم، الذين حطمتهم هذه النكبة، كي يتوازنوا، وكي يستمروا. أما رحلة بطلها إلى الغرب، إلى أمريكا، فلم تكن في الأساس رحلة استكشاف، أو رحلة عراك بين شرق وغرب، بل رحلة للحفاظ على الوجود في اللحظة القاتلة لما بعد النكبة. أي أن البطل يرحل كي يبقى، وكي يبقى عالمه ولا يندثر’ تجري أحداث الرواية ما بين عامي 1936 و2011 وتتكئ في غالبيتها على شخوص حقيقية، وتتخذ من فلسطين والأردن والولايات المتحدة وقطر أمكنة لأحداثها.

لحظة الإنجاز الحقيقي
لنبدأ من لحظة محاصرة عيون جمهور أمسية حفل توقيع الرواية، التي تقص سيرتك.. عبر شهادتين قدمهما الشاعر غازي الذيبة، والقاص هشام بستاني، بحضور ناشرها الياس فركوح بماذا شعرت وقتها؟
*في تلك اللحظة شعرت بالإنجاز الحقيقي، وكنت سأشعر بالرضا أيضا، حتى لو لم يُعلن عن وجودي، فهذا نوع خاص من أدب المقاومة، وحكاية لسيرة الفلسطيني الذي يذهب إلى أقاصي الأرض من أجل العلم، ومن أجل التغيير نحو الأفضل، والعودة إلى بلاده العربية ليساعد ويطور، ليزرع سنديانة في قريته الأولى، ويظل يتنفس فلسطين.
كنت أشعر بالفرح في عيوني، والشكر من قلبي لحضور الجمهور والدهشة في عيونه.

للنجاح مذاق خاص في الوطن
*ما الفلسفة التي استخلصتها في تجربتك في بلاد الغربة؟
*ربما كان الإنجاز كبيرا على أكثر من صعيد، لكن برد الاغتراب، وبرد المهجر، وبرد الرمال، رمال الصحراء القاحلة التي تأخذالإنسان رويداً رويداً إلى أعماقها، لا بد من العودة إلى الوطن، فمهما نجحنا خارج أوطاننا، إلا أن نكهة النجاح ذات مذاق خاص في الوطن.

‘أغنية للبرد والرمال’
*حدثني عن ولادة رواية ‘أغنية للبرد والرمال’، كيف جاءت الفكرة، وكيف تبلورت؟
*بصراحة كنت مترددا في البداية عن توثيق سيرة حياتي في كتاب، ولكن كثيرون ممن يعرفونني أصروا على كتابتي لهذه السيرة، لعل فيها فائدة للأجيال الشابة، ولا سيما أحفادي، أما الدافع الحماسي الذي دفعني للبدء في الكتابة، فكان حصيلة زيارة من المبدع الفلسطيني زكريا محمد، وهو ابن بلدتي الزاوية، وتربطنا صلة قرابة، وبعدها بدأت بالكتابة، إذ أنجزت صفحات كثيرة، كان عنوانها ‘أيام من حياتي.. من الزاوية إلى عبدون’، طبعا كتابتي كانت بلغة واقعية معقولة، وعندما أطلع عليها المبدع زكريا محمد، وقريبي السينمائي عائد نبعة، اقترحا أن يتم صياغتها بطريقة أدبية، وهو ما قام به
عائد نبعة، وهو جهد استغرق ثلاث سنوات، عائد اختزل الرواية في مشاهد وفصول مكثفة، تاركا للقارئ المشاركة في رسم بقية الصورة/ الحدث، وأُختير لها عنوان جديد
‘أغنية للبرد والرمال’، وهي العمل الروائي الأول للكاتب الذي أخرجَ عدداً من الأفلام التسجيلية والوثائقية منها: فيلم ‘المكان ليس هنا’، وفيلم ‘يوم ماطر’.

‘من الزاوية إلى عبدون’
*من يقرأ الرواية يشعر أنها غنية بالمعلومات الوثائقية، ما المنهج الذي استخدمته في كتابتها؟
*كما قلت سابقا أنا أسميتها ‘أيام من حياتي/ من الزاوية إلى عبدون’، اعتمدت فيها الأسلوب الواقعي المباشر، لهذا لجأت للترتيب الزمني التصاعدي، ابتدأت بتمهيد أبين فيه لماذا أكتب سيرتي، وأهديتها لزوجتي وأبنائي وأحفادي، وأصدقائي. ثم تعريف بقريتي الزواية، بوصفها بلدة صاحب المذكرات، وهي تبعد 15 كم عن سلفيت/ فلسطين، ثم استذكرت ظروف مراحل الدراسة والطفولة (1932-1952)، نشاطات العائلة، الدراسة الجامعية (1952-1958)، خلاصة فترة الجامعة (أواخر 1952 مطلع 1958)، قصة زواج بديعة، وبديعة هي شقيقتي، الحياة العملية في الأردن، العمل في شركة شل لقطر المحدودة والمؤسسة العامة القطرية للبترول 15/7/1963 1992، الحياة العائلية 1962 2008، الزواج وحرب 1967، الأسفار والحروب، حوادث تعرض لها أفراد العائلة، مشاكل الإرث، ملاحظات شخصية، الأعمال الخيرية (1992-2008) فترة ما بعد الستين وإنهاء الخدمة، أفراد أثروا في حياتي، ديوان الزاوية، المساعدات وإساءة استغلالها، أهازيج من الذاكرة، وملحقات تضم مجموعة من الصور التوثيقية والعائلية والشخصية والشهادات الدراسية، والتكريمية.

أوزع كتبي مجانا…
*كيف تم توزيع الرواية؟
*بصراحة أنا لم أقم ببيع أي كتاب في حياتي، وأفضل أن أوزعها على الأصدقاء والمعارف، وفي الندوات التوعوية التثقيفية التطوعية التي أقدمها بخصوص طرق الوقاية من الحرائق وطرق إخمادها في المصنع والمعمل والبيت، ولدي لغاية اليوم 6 مؤلفات في هذا المجال، أطبعها على نفقتي الخاصة، وأقوم بتوزيعها مجانا على المؤسسات، وفي الندوات التي أعقدها.
من الكتب التي ألفتها: السلامة في المصنع، الشارع والبيت عام 1997، وإرشادات السلامة للقوى العاملة 2004، وأوراق مبعثرة، مقالات مختارة في السلامة، التدريب والتطوير والسياسة 2005، ومبادئ السلامة والمؤسسات الصناعية والبترولية 2005، والتدريب والتطوير في المنشآت الصناعية والبترولية 2008.

عندما وقعت نكبة فلسطين
*ما الذي بقي في الذاكرة من نكبة فلسطين 1948؟
*بحسب سجلات القرية وُلدتُ في 28/2/1932 في قرية الزاوية، وأذكر أنّنا سكنّا في حوش مشترك، جاورنا فيه الحاج محمود القاسم وعبودة والحاج مطر، كانت البوابة ما تزال في ذهني، وكان تقسيم الدور ما يزال حاضراً لديّ اليوم، ولكن كان لابدّ أن نستجيب للظروف لننتقل من هذه الغرف الصغيرة إلى سكنٍ جديد، كان لابدّ أن نقترب من مصدر رزقنا ‘الدّكانة’، فنستريح من عناء التنقل وقطع المسافات بين منزلنا القديم والدكان، وفعلاً انتقلنا في فترة كانت فيها بوادر ثورة عام 1936 تبدو للعيان، لكن هذه الثورة انتهت عام 1938م.
كان عمري عندما وقعت نكبة فلسطين في العام 1948، ستة عشر عاما، وكنت أتسلل ببطء، وأدنو من نافدة عمي ‘يوسف أبو نبعة’ لأسترق السمع إلى الراديو الوحيد في القرية، وأرخي أذني إلى أحاديث الرجال عن الحرب والاحتلال الإنجليزي والثورة.
أبناء ‘الزاوية’ يلتحقون بالثورة
*ما الذي يحضر من قرية ‘الزاوية’ من أعمال فلسطين ببالك؟
أذكر أنه في إحدى المرات تقدم الثوار نحو البلدة من جهة الغرب، ولم يكونوا على علم بوجود الجيش الإنجليزي في البلدة، فقتل أحد أبناء البلدة ولم يتعرف عليه أحد، وكان أن دُفن بهدوء، كنا نناديه ‘أبو جاسر’ يرحمه الله. وأذكر في مرةٍ أخرى أنّ جاسوساً أُدخل أو زُجّ به في بيت خالي حسين الدقلي، وكان الشباب يمرون أمام الباب وكان الجاسوس عندما يشك بشخص ما يدق الباب ويلقي القبض عليه!
كانت الحالات المشابهة تتكرر، وكان هماً اجتماعياً من دخول هؤلاء الجنود إلى البيوت ليلاً نهاراً دونما استئذان. ولكن في خضم ذلك كان ما يخفف عن هذا الشعور أنّ كثيراً من أبناء البلدة كانوا يلتحقون بالثورة، وأذكر من أقاربي العم يوسف أبو نبعة، والحاج مطر أبو نبعة، وعبودة، وقاسم، وطلب الراجح، وغيرهم، وهؤلاء سُجنوا وكان والدي رحمه الله مصطفى عبد القادر أبو نبعة يزورهم ولا يقطع عنهم أخبار الناس.
ومن طريف رحلاته إلى السجن أنني رافقته في إحدى المرات، وكنا نــركب البغلة التي تركت أثراً محزناً بعد أن ماتت، كانت البغلــة قــد خدمتنا كثيراً، فكانت جزءاً من المكان … أذكر حجم المعاناة التي كان يشعر بها والدي في رحلته إلى هؤلاء في السجن.

احتفال لمدة ثلاثة أيام لنجاحي
*كيف درست؟!… أقصد ما الذي جعلك تتوجه للدراسة في مجتمع فلاحي.. وهناك حرب على وشك أن تحدث.. وثورات قائمة؟
*في الواقع طلب مني والدي أن ألتحق بالدراسة عند الشيخ صالح، وكان الشيخ يدرسنا في مكان قريب من غرف الضيافة في القرية، كان الشيخ صالح من دير بلوط، يعلّمنا العربية والحساب والقرآن، وكان كل يوم خميس في الربيع ينتقل بنا إلى بركة القرية الواقعة في جنوبها.
وانتقلنا مجموعةً من الطلبة إلى بدّيا فالتحقت بالصف الثالث الابتدائي، وواصلت حتى الرابع والخامس، كنا نسير على أقدامنا جيئةً وذهاباً، صيفاً وشتاءً، وكانت المسافة حوالي خمسة كيلومترات، وكانت المعاناة على أشدّها، أذكر من زملائنا آنذاك عبد القادر علي، ومصطفى أبو ليلى وأخاه، ويوسف أبو ليلى، وكان في تلك الفترة تنافس واضح بين العائلات، كانت تلك الأيام قد جعلتني أتأثر بمدير المدرسة المرحوم حسن من عشيرة الشمالية، وقد استمرت صداقتي معه فيما بعد حتى ألفين وخمسة حينما توفاه الله، وكان من حسن حظي أنني حينما تخرجت من الثانوية عُينت عنده في قرية طلوزة، حيث درست مواد العلوم والحساب لجميع الصفوف الابتدائية لمدة سنتين (1950 1952)، ومازلت في الواقع أذكر آخر جملةٍ قالها لي في نهاية السنّة الخامسة، قال: حثّ والدك على أن يستمر في تعليمك!! … واعتبر ذلك أمانة يجب أن تبلغه إياه.
ونقلت هذه الجملة إلى والدي الذي بذل كل جهده ليعلمني في المراحل اللاحقة … أذكر أنني لم أغبْ عن المدرسة إلا يوماً واحداً كان والدي فيه يجرى له عملية ‘فتاق’ عام 1944 في مستشفى الدجاني بيافا. كنت أسافر مسافة 12 كيلومتراً على الأقدام.
ولحسن حظي فإن المرحوم عفيف الحسن كان قد انتقل إلى إدارة التربية والتعليم في نابلس، فما كان منه إلا أن أكمل جميلَهُ فنقلني إلى طولكرم حيث التحقت هناك بالمدرسة الفاضلية، وكان من رفقائي في المنزل الداخلي هناك راسم كمال والد الدكتور مروان كمال، وموسى كمال.
بعد ثلاث سنوات كانت هجرة 1948، وكان قد ترك الأساتذة أثراً طيباً في حياتي، وأذكر من هؤلاء الأساتذة معلم اللغة العربية الدكتور عبد القادر يوسف، وهو الذي رثى عبد القادر الحسيني حين استشهد في معركة القسطل في 9/4/1948 … وكنت قد حفرت هذا التاريخ على مقعدي في الصف: ‘أبا موسى عليك مدى الزمان سلامُ شعبٍ بفقدك شفّه الألم المذابُ’.
كنت أيضا، قد تأثرت بالمربي الدكتور محمود السمرة معلم اللغة الإنجليزية، والدكتور شفيق يونس معلم الرياضيات والعلوم.
وتواصل المشوار حتى تخصصت بالهندسة الميكانيكية عندما التحقت أواخر عام 1952 بكلية نيومكسيكو A&m المختصة بالزراعة والمهن الهندسية. وعند تخرجي فرح الأهل والأصدقاء والمعارف، وأقيم احتفال كبير في البلدة لمدة ثلاثة أيام وكنت أنا وابن عمي عبد الرحمن أول الخريجين.

‘كنت’ سأصبح معلماً!!..
*هل كنت تحلم/ أو تتخيل ما صرت عليه لاحقا؟
*بالتأكيد المشوار يحتاج لإرادة وتصميم، وأذكر حينما كنتُ صغيراً كنت مغرماً بلعب (الطابة) في ساحة البيت، وكانت والدتي رحمها الله تقول لي: لن تكون أكبر من فوزي!! فقلت لها بأنني سأصبح معلماً، وهذا غاية ما كان يتمناه الإنسان في ذلك الوقت لأن المعلم كان يُشار إليه بالبنان وليس كما هو اليوم في أيامنا هذه! كان المعلم تلك الأيام معلماً حقيقياً، ومصلحاً اجتماعياً يتنافس أهل القرية على كسب ودّه والحديث معه ودعوته لتناول الطعام. لكن عندما كنت أدرس في رام الله حيث أنهيت دراستي الثانوية في الكلية الهاشمية، وقد أُوكلت إليّ مهمة جمع الرسائل التي كان يرسلها أحمد الهندي الذي كان يدرس في جامعة سيراكوز في نيويورك حيث كنت أسلمها من أحمد إلى العائلات المسيحية من آل الدقاق. وكان نقل هذه الرسائل دافعاً قوياً لي لمتابعة دراستي في أمريكيا، خصوصاً وقد علمت أنني يمكنني أن أعمل وأتعلّم كما قام بذلك صديق دراستي المرحوم حسن الرمحي، فكاتبت الجامعات في أمريكا للحصول على القبول، ولم أوفق في المحاولة الأولى حين زرت مدرسة (Friends)، وانسحبت قبل الامتحان لعدم مقدرتي على الاستفسار عن ذلك.
وبعد سنتين من العمل راسلت جامعة نيومكسيكو الحكومية حالياً، وحصلت على القبول بعد أن قابلت معلمة أمريكية في مؤسسة الدراسات الشرقية حيث تبيّن أن ما ينقصني في الإنجليزية يمكن أن أحصل عليه خلال شهرين!.

مغامرة السفر إلى امريكا
*بالتأكيد السفر عبر الطائرة منتصف الخمسينات من القرن الماضي حدث بذاته؟ كيف تتذكره الان؟
*حين حجزت للسفر ودعني أهل القرية والحزن بادٍ على وجوههم، فقد كنت أول شابٍ في مطلع العشرين يغادر قريته رغم الوضع الجيد لوالدي مادياً، خصوصاً وقد عاتبوه بأنه يطمع في المال ويضحي بابنه الأكبر في سبيل ذلك. يومها أذكر أن أهل القرية المودعين لي كان حشدهم يمتد مائة متر من مكان حلاقة أبو عادل حتى مفترق الطرق عند أراضي دار حسين العلي ويوسف إبراهيم وبالطبع فقد رافقنا بعض المقربين بالباص إلى مطار قلندية، ومن هناك ركبت طائرة ذات سعة 12 راكباً إلى عمان/مطار ماركا، ومنه إلى بيروت على طائرة أخرى، وكل ما كنت أملكه 60 دولاراً وحقيبة خفيفة نصفها ملابس شخصية ‘بدلتان وبعض البلاطين وعدة قمصان’، وتحف مزخرفة ‘صدف’ والمسابح ذات الصلبان وصور لكنيسة القيامة والمهد في بيت لحم، وكنت سكنت في رام الله سابقا وأعرف اهتمام العالم الأجنبي بذلك.
والتحقت من بيروت بعد ثلاثة أيام بالباخرة التي ستقلني إلى الإسكندرية، وكانت تسمى الباخرة ‘كوزشيا’، ومن اليونان إلى جنوه في إيطاليا ومرسيليا في فرنسا، وفيها استقليت القطار مع مجموعة من اللبنانيين ذوي الخبرة في السفر حيث توجهنا إلى باريس، وبعد ثلاثة أيام في باريس التحقت بالطائرة ذات المراوح التي أقلتني إلى لندن حيث انتظرت دوري ساعتين من الزمن، ثم أقلتني طائرة أخرى إلى غلاسكو ‘اسكتلندا’ ومنها إلى جرينلاند فمطار كندا في نيويورك، فوصلت ومعي 12 دولاراً لا غير!
في هذه الرحلة البحرية والجوية استفدت كثيراً فكنت أتعرف على هذه الأماكن فقد زرت قصر الملك فاروق الذي لم يمض على إقصائه عن الحكم سوى عدة أسابيع، كما زرت حديقة الأزبكية حيث غنت أم كلثوم، كما زرت ميدان محمد علي وميدان الإسكندرية، وفي ميناء بيراديس ركبت القطار فزرت أثينا لعدة ساعات وهناك شاهدت الأكروبوليس والمدرج اليوناني المشهور وعدت بأسرع وقت إلى الباخرة حيث وصلت قبل مغادرتها بعشرين دقيقة ولم أعلم ماذا لو تأخرت سيكون مصيري !؟! … الله أعلم.
وفي جنوة زرت إحدى مقابرها المشهورة، وسوق الفواكه في مرسيليا والكنائس ومحطة القطارات، وفي باريس لم أبتعد عن شارع الشانشيليزيه، وأذكر أنني كنت أطفئ النور مساءً لأوهم أصحابي بأني خارجٌ للترفيه، فإذا ما خرجوا أشعلت النور مرة أخرى لقلة ما في يدي من نقود، وكانت المرة الأولى التي أركب فيها الطائرة أو الباخرة ولم أكن أعرف مشاكل السفر في البحر أو الجو.
(12) دولاراً فقط كانت في حوزتي عندما وصلت نيويورك، نقص منها 5 دولارات أجرة تاكسي لأقرب فندق فتبقى 7 دولارات، لينخفض المبلغ إلى 2 دولار بعد أجرة الفندق، وكان في ذهني أن أذهب في اليوم التالي إلى البنك لأني كنت قد حولت مبلغ 500 دولار خوفاً من ضياعها.
كان الفندق يزيد عن 20 طابقاً مع أنني لم أعتد أن أرى أكثر من عدة طوابق في نابلس والقدس ورام الله وعمان. ولما تناولت الفطور حمدت الله أن الفندق لا يطلب الدفع مسبقاً، بعدها ذهبت إلى مكتب الاستعلامات لأسأل عن مكان البنك، فقيل لي أن هذا يوم عطلة، فلم أفهم ذلك، فقيل إنه عيد الاستقلال، فلم أفهم … ولما تكررت الإجابة فهمت أن عطلةً لمدة أربعة أيام! يا للعجب! أربعة أيام وأنا أصلاً ليس لدي المبلغ الكافي لدفع أجرة الفندق طيلة هذه المدة، فما العمل؟! في الحقيقة كان موقفاً صعباً لكن بالسليقة خطر ببالي أن أتصرّف بالتحف التي كنت قد أحضرتها في ‘شنتتي’ المتواضعة فأعرضها للبيع، وبكل حزم وجرأة أحضرت مجموعة من صور كنيسة القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم مع إدراكي لقدسيتها لدى المسيحيين وكذلك أحضرت بعض المسابح والصلبان المصدّفة كبيرة الحجم، ولحسن الحظ فقد كانت في الفندق مجموعات في إحدى المؤتمرات، وقد أقبلت عليّ فعرضت عليهم ما عندي قائلاً: جروسليم، بيت لحكم!… كم؟!! (1) دولار للصورة، (2) دولار للمسبحة، (3) دولار للصليب، ففوجئت بإقبالهم، فبعت ما قيمته (30) دولاراً! ساعتها تنفست الصعداء، فذهبت لأقرب مطعم وتناولت غداءاً لذيذاً من الدجاج والبطاطا، بعدها قادتني خطاي إلى أقرب دكان اشتريت منها بعض الفواكه وما لذ وطاب من الأجبان والتطلي لأتناول طعام العشاء في غرفتي حتى يفتح البنك أبوابه بعد العطلة.
بعد هذا النجاح قلت في نفسي: ‘إذا كان هذا حال الفندق، فكيف أمام إحدى الكنائس؟! غير أن الحال كانت عكس ما تصورته، فقد فوجئت بشرطي يسألني أين رخصتك، ولا أذكر في الواقع كيف تخلصت منه وأخبرته أنني طالب ولست بائعاً!…

وعدت بشهادة الهندسة الميكانيكية
لكنك حصدت النجاح.. رغم متاعب الغربة..؟
حصولي على شهادة B.S في الهندسة الميكانيكية بدرجة جيد جداً بمرتبة الشرف كان عاملاً مساعداً لي، فقد مُنحت من الجامعة منحةً تعليمية، حيث كنت أدرس مادتي الرسم الميكانيكي والهندسة الوصفية لطلبة الصف الأول في الجامعة، وقد حصلت على شهادة M.S في الهندسة الميكانيكية عام 1958، وبعد ذلك قررت الرجوع إلى الأردن، وأذكر أن عميد الهندسة الميكانيكية كتب توصية يومها يقول: ‘لو كان أمريكياً لما سمحنا له أن يتركنا!’.
في العودة رجعت بالقطار إلى نيويورك، وكنت أحمل ثلاث حقائب حديدية تحتوي مجموعة كتبي القيّمة والتي مازلت أحتفظ بها حتى الآن، وقد ركبت الباخرة من نيويورك عبر الأطلسي، ولحسن حظي، كانت الأيام عليلاً نسميها والمحيط هادئاً ووصلنا نابولي بعد خمسة أيام، ومن هناك توجهنا إلى بيروت حيث كان والدي رحمه الله مع عمي المرحوم يوسف أبو نبعة، وعبد الحميد عبد الفتاح ومن ميناء بيروت توجهنا عبر سوريا إلى الأردن حيث كان بانتظارنا بعض الأقرباء، فنزلنا في فندق يافا المتواضع، ولازلت أذكر وضع المغسلة في ذلك الصباح.
وتابعنا سفرنا إلى قرية الزاوية، كان الوالد رحمه الله يشرف على بابور الطحين ويقوم بتشغيله بين الحين والآخر، وأول سؤال سألني إياه: ماذا درست؟! قلت: الهندسة الميكانيكية. قال: هل تعرف كيف تشغل بابور الطحين،؟! قلت: لا؟! فأصيب رحمه الله بالدهشة. وفي 23/3/1958 تركت القرية وتوجهت إلى عمان لأبحث عن عمل.

خارطة الطريق للنجاح
*ما الحكمة التي تود أن تنقلها لمن يقرأ حوارك هذا؟ وهل من مصادفات مؤثرة في حياتك؟
*قرأت في الآونة الأخيرة كتاب ‘خارطة الطريق للنجاح’، وليس خارطة الطريق لحل القضية الفلسطينية، والحقيقة أن عبارة ‘إن كنت ناجحاً في عملك ولستَ ناجحاً في تنشئة عائلتك فلست بالناجح’ كانت عبارة أقف عندها كثيراً.
والحمد لله أنني حققت الأهداف المرسومة في العمل والعائلة وتحولت أحلامي إلى حقائق، فقد وُفقت في المهام التي أُسندت إليّ، وتركت بصماتي في جميع المشاريع التي أشرفت عليها، وقد رزقني الله بالأولاد والبنات حيث أحسنت وزوجتي تربيتهم ونالوا الشهادات العلمية ووفقهم الله في أعمالهم، وهم يقبلون على فعل الخير ومساعدة المحتاجين.
ثم إن الشهادات العلمية التي حصلت عليها مقارنة بغيري في ذلك الزمان كانت ذات قيمة كبيرة. بعد أن استقلت من شركة مناجم الفوسفات الأردنية أواخر عام 1959. وعندما عينت مدرساً في مدرسة عمان الصناعية والتي استمرت تسعة أشهر حتى منتصف 1960 ونسبت لبعثة لمدة سنة 1960/1961 لدراسة التعليم الصناعي واكتساب الخبرة تمهيداً لتعييني مديراً لصناعة نابلس، أجلت البحث عن زوجة لعدم الاستقرار الوظيفي.
وعندما أنهيت البعثة عدت إلى الأردن وعُينت مديراً لصناعة نابلس الثانوية فركزت على نجاحي المهني في السنة الأولى، وفي سنة 1962 شاء القدر أن يقدم أهل الزاوية عريضة لمدير التربية في نابلس المرحوم عبد اللطيف عابدين مطالبين بنقل المعلمة فايزة من مدرسة الزاوية بسبب تعاونها مع والدي مختار الزاوية؛ فحضرت هي وأختها إلى مسكن والد حكمة لبادة (غرفتا نوم) وطلبت العون لأن ذلك سيؤثر على طريق معيشتهما وهما وحيدتا أمهما. وأنا استمع للمشكلة أخذت أستمع إليها من رأسها إلى أخمص قدمها وكانت تلبس كنزة ضيقة تظهر مفاتنها، فعرضت عليها عرضاً بالسليقة: ‘إن كان أهل الزاوية يريدون إبعادك عنها فأقترح تثبيتك بها أبدياً’، ولست أدري إن فهمت هذا الاقتراح وأخذته على محمل الجد أم لا، خصوصاً وأنني في ذلك الوقت كنت أبحث عن جامعية من المدن وليس الريف، ولكن لأنهي إشكاليةً مع وزير التربية والتعليم حسن الكايد عندما لم أنفذ أوامره بتشغيل بعض الأذنة في المدرسة بالرغم من أن الرفض لم يكن لعدم إتباع التعليمات، بل لأنه لم يكن هناك متسع لأربعة أذنة لخدمة غرفتين إذ أن المدرسة لم تكن جاهزة، وقد اشتكى الأذنة فاتهمني بالعنصرية والتفرقة بين فلسطيني وأردني، فأُرسل إلي مفتشون على مستويات مختلفة للتحقيق معي، وبينما كنت ذاهباً في صبيحة يوم السبت إلى عمان عن طريق وادي الباذان قلت في نفسي: لو سُجنت يوماً، من تقبل أن تسكن مع أهلي وتعيش عيشة الفلاحين عندها صممت أن أتزوج من الريف، وأكتفي بالشهادة الثانوية ‘من طين بلادك سخّم أخدادك’، دلالة على التكيف مع المحيط والقناعة بما يريده الله.
وفعلاً تركت المدرسة وكانت الموافقة النهائية 600 دينار المهر ولوازم البيت، فقد حظيت بتاريخ 27/4/1962 وتزوجت من فايزة فريد محمد في 28/6/1962. وأذكر أن الجاهة كانت مكونة من الشيخ يوسف أبو زر والأهل شيخ عرب الجرامنة الذين سكنوا في القرية بعد هجرتهم 1948.
وفعلاً دفع المهر 500 دينار، وتنازل أقرباؤها عن 100 دينار رأفة، في حين كان المتأخر 300 دينار، ثم أمضينا جمعة عسل في فندق الحمرا وفي فندق قطان بسوريا، وفي بلودان.

اغتنموا الأسفار
*هل أنت من عشاق السفر؟
*سافرت وحدي لعدة أقطار، ومرات كثيرة بمعية العائلة، وقد استمتعنا بالتعرف على كثير من أطراف المعمورة مما ساعد أبنائي في غربتهم أثناء الدراسة، فقد سافرت إلى أمريكا ذهاباً وإياباً عام 1952، 1958، 1960، وتعرفت على أكثر من 24 ولاية، كما زرت أثينا وجنوا ونابولي، ومرسيليا وباريس وهولندا وبريطانيا من جنوبها إلى شمالها وألمانيا لاسيما هانوفر وكاسل وبريمن وفرانكفورت وفينا، كما زرت لبنان والعراق ومصر وسوريا وتونس والجزيرة العربية والسعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات ومسقط. أضف إلى ذلك سنغافورة وماليزيا (منتجع راس سيان) وبنغلادش وكلكتا وبومبي.
وقد رافقني الأولاد إلى لبنان صيف كل عام بعد النكبة، حيث كنا نقضي أغلب الإجازة في الشقق المفروشة على الروشة وسوق الغرب (فندق الحجاز)، وقد رافقتني زوجتي عام 1967 قبل النكبة إلى روما، وفينا وباريس وهولندا (امستردام لمدة 26 يوماً عادت بعدها لقريتنا الزاوية، وقريتها دير سبتا). كما ذهبنا في رحلة مع العائلة عام 1978 إلى سنغافورة وماليزيا وتايلند ورحلة أخرى إلى ألمانيا 1981 حيث زرنا برلين وهانوفر وبريمن وكسل، وزرنا المتنزهات والمحلات الأثرية وقد ترك كل ذلك أثراً طيباً في نفوسنا، كما زارت زوجتي أمريكا وبريطانيا وباريس والدومنيكان عدة مرات في زيارة للأولاد وابنتنا بثينة التي تسكن في ولاية ارازونا، وكذلك أتلنتا وفلوريدا أثناء الدراسة. وبهذا تعرف الأولاد على الكثير من البلدان قبل تخرجهم مما أكسبهم المرونة وحب السفر وحسن التعامل مع الآخرين خاصة الأجانب، كما أكسبتهم هذه الزيارات الثقة بالنفس، وقد أتاح لهم عملهم أيضاً زيارة الكثير من البلدان الأخرى غير التي ذكرت وهذه كله بتوفيق الله عز وجل.
وأنا دائماً لا أقلل من أهمية السفر بالرغم من تكاليفه، ولكني أنصح الآخرين بأن يغتنموا الفرص أثناء الدراسة في الخارج أو بالعمل مع الشركات ذات النشاط الدولي، لأن في السفر استفادة لاكتساب أفراد العائلة الخبرة التي اكتسبناها في المطارات والسكن في الفنادق والتعرف على عادات وتقاليد البلاد التي تُزار.

مركز عبدالقادر أبو نبعه الثقافي
لا بد وانك على تواصل مع بلدتك الزاوية، وانت اسست فيها مدرسة، و (مركز عبدالقادر أبو نبعه الثقافي)؟
بعد أن استقر بي الحال في عمان عام 2003 بدأت أتعرف على نشاطات أهل قريتي، وأسهمت بمشاريع لأبناء القرية بهدف عمل مستمر ودخل ثابت ولاسيما في مراحل الكساد أي فترة المقاومة.
وفعلا تم تأسيس مدرسة كبيرة، وأصر أهالي بلدتي أن يحمل المركز الثقافي اسمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية