عبد القادر الجنابي عند اللغة يتوهج الجسد كثيرا

حجم الخط
0

يملك عبد القادر الجنابي عدّة الشاعر المغامر، وغواية الباحث عن اللذة، وهذه النزعة تجعله الاكثر استعدادا للذهاب بعيدا باتجاه الجسد واللغة، باتجاه ان تكون الكتابة لعبة في الكشف او التعرية او المواجهة الفادحة..
قراءة الشاعر عبد القادر الجنابي تضعنا امام مساحة مفتوحة للتلمس، اذ تتلبس الاشياء بسحر ما يتساقط من الجسد واللغة، حيث تتكتشف الطاقة الخبيئة لوسيط اللغوي، والسحر الايروسي والسيميائي للجسد، تلك التي تمنح هذا الشاعر قدرة استثنائية للاحتيال على العالم، واصطناع مايشبه الكتابة المضادة والرؤيا المتلصصة التي تبحث عن ثقوب بالجدار او الجسد، وربما تبحث عن لذّات سرية مسكونة بالتوحش والغلو والغواية، حتى يبدو الشاعر وكأنه صانع الغواية الوحيد الذي يراود ذلك العالم وينثر قبائحه على سطوحه الساكنة والمداهنة والخائنة..الشاعر بهذه اللعبة الشائكة يعيد قراءة الجسد بوصفه نصا، ويعيد ايضا قراءة الوجه الاخر للجمال بوصفه كشفا لسرائر الجسد الذي يتحول او يشيخ او يهزم، اذ هو جسد المرآة وليس الكينونة، تصنعه استيهامات الانساق اللذوية، وربما يصنع نزقه وشبقه الاب الفرويدي الملتاث بزهو الجسد والقوة والاغتصاب، باتجاه اجتراح مساحات فارغة، تخص الشاعر وحده، الشاعر الذي يمكنه ان يرى فيها ما يتشكل من مرائي المرآة والاغتصاب والسفر، تلك التي توحي بغواية ما يتساقط من اقنعة اللغة الماكرة.
هذه التوصيفات قد تصلح عتبة لقراءة الجنابي الذي يترك الاشياء امامه او خلفه دونما توصيف، لان لعبة تلك التوصيفات لاتخصه، وربما هو غير معني بكل ما تستدعيه قراءتها – خارج الشعر- من ضرورات توضيحية او اخلاقية، اذ يمارس هذا الشاعر لعبة مضادة لما هو مباشر وواضح، ربما لقناعة الشاعر بان ذلك يفضي عادة الى المساكنة، والى التخاذل امام استكناه اللغة بوصفها الفة، او هذيانا، مقابل ما ينبغي ان يحضر في اللغة، بوصفها توليدا او صراخا، او تعالقا، او رغبة حميمة في الكشف عن الخبايا والسرائر، تلك التي تبدو اكثر غورا، واكثر تدفقها، باعتبارها طاقة للاشهار والتصادم الاشتباك، واثارة الشكوك المتبادلة، او بوصفها اركولوجيا خالصة للتعرية، لاعطاء الكائن كينونته الشعرية، وشفراته السرية، شفرة اللذة، والتعزيم والطلسم، تلك التي تدفعه للغواية، او تصيبه بلعنة الايروس اللغوي، ايروس الجسد والخطيئة، ايروس الخصب النقيض، حيث الجسد المجاهر بحريته، الفاضح عن اعترافاته/بوحه، يسعى الى التماس الآخر/صوته/ خلّه الساكن فيه، الاخر الخنثوي، النرسيسي الذي يخرجه من بؤره عريه الى مرايا اللغة ليصطنعا معا النص الخالص.

في كتابه الشعري (انحتني في الضوء، كي لاتصاب لغتي بالدوار) الصادر عن دار الغاوون/ بيروت يضعنا الشاعر امام لعبته الماكرة التي يعرف حدوسها ومساحاتها المفتوحة، والتي يضعها قرينة بالاشارة الى عتبة العنوان الثانوي/ قصائد جديدة بشكل قاطع/ وكأنه يفترض قراءة مغايرة، اذ يقترح عبر هذه القراءة موجها للتعريف، وللتماهي مع محمولات تلك العتبة التي يستشرف افقها المفتوح باتجاه استحضار كائنه/ الخلّ للكشف عن وعي اكثر رثاء لذاته وللعالم الذي يفقد اطمئنانه، ويصيب الشاعر ايضا بدوار اللاطمئنان.
واحسب ان القصيدة الاولى في الكتاب الشعري (من الان فصاعدا، خوذ وهضبة من الاحلام، ليل مصاب بضربة شمس) تحمل ارهاصه بهذا الوعي المفارق، الوعي الظاهراتي المجبول على ادراك ما يكشفه الشاعر في وعيه ازاء نرسيسه الخبيء، نرسيسه اللذوي، وما يناور به بقصدية تتجه عبر هذه المواجهة الى ما يشبه كتابة مراثي ذاته عبر هذا النرسيس، اذ يوهبه عطايا الرؤيا، وسحرية الكشف عبر جمل فعلية أمرية تحرضه على البحث الاضطراري عن الكينونة وسط نقائض العزلة، حتى تبدو هذه الجمل الاقرب الى توسيم الكتاب الشعري بمحمولاتها الرمزية والنفسية الدافعة الى المزيد الكشف والتعرية..
كل من عشب الكلمات. هيولى الرؤيا..
واشرب من مجرى الاصوات
فكل مصابيح العالم،
لا يمكنها تنوير مكان
تسكنه العزلة.
عبد القادر الجنابي لم يكن يوما شاعر مراث، بقدر ماهو شاعر كشوفات، تسحره اللغة التي تنزع قمصانها، وتكشف عريها للخطيئة، خطيئة التمرد على السياق، وعلى السكون، لكنه في هذه القصائد يكتب مرثاته، اذ تتلبسه هذه المرثاة الشخصية بنوع من الهوس، اونوع من الانكفاء الى ما يشبه الاستغراق بكشوفاتها وشغفها التي تبدو وكأنها كتابة الاعتراف والبوح. مثلما يقصد في هذه القصائد الاقتراب فنيا من استعادة توصيف عتبة الكتاب بـ (قصائد جديدة) بوصفها قصائد نثر مغايرة، واكثر انسنة وحميمية، اذ تنمو فيها الفكرة، وتذهب بالرؤيا بعيدا باتجاه (شعرنة) كائنه الذي يشبهه، كائنه الذي يشاطره عواء الروح، والذي يخرج الى فداحة عريه الانساني منطلقا، متسائلا، عبر ما يباغته من ذلك التساؤل المباغت والفاجع، والباعث على الاستغراق الموغل في نقائض اللغة/عشبة وجوده، لكي يتقصى ما يتعرى من يوميات خذلانه وشحوبه ومرائر ايامه..
جدّة هذه القصائد تخضع الى توصيف نفسي بقدر ماتمور به من شحنات لغوية صادمة، اذ يشحنها الشاعر بشفرات، تشبه الاستيهامات الغامضة، والتي يتمرأى عبرها الشاعر ككائن يغترب ازاء مرآة نرسيسه، اذ تصيبه لعنة الكشف، وعري الزمن، وقسوة اللغة وهي تفضح عبر استعاراتها عن صورة الشاعر ذاته، الكائن الخالد الذي ينحلّ في المرآة الى كائن متشظ، توهمه اسماء الاشارة في اكثر من قصيدة الى الدلالات الغائمة تعبيريا عن نقائض ذاته القديمة، حيث الموت والاشباح والابدية والحجر.
هذه هي ابديتك
لسان مقطوع
في رسالة الصحراء الشفوية
وهذا هوتاريخك
يرميك في مزبلته
وينتحر..
قصائد هذا الكتاب الشعري اكثر ذاتوية في التعبير عن لحظته الشعرية الفارقة، واكثر أناة في التعبير عن اشتغالات نثريته العميقة، اذ يحضر الشاعر بوصفه الرائي والمعترف امام عالمه الذي يتكوم في الشواهد والاستعارات، والذي تنثال امامه الصور وكأنها سفره المثيولوجي الى اقاصي الوجود او اقاصي اللغة، يفضح فيها الشاعر عن نوع من الانسنة غير المخاتلة، عن كل ما يتعالق بالاشياء/ التفاصيل، والذات/ الاخر. هذه الانسنة تكشف ايضا عن صوت اخر في شعرية عبد القادر الجنابي حامل الفؤوس القديم، اذ يخلو هذا الصوت من قسوة الاب، كاشفا عن عذوبة مفرطة، واحساس دافق بلذة الكائن وهو يرى وحدته، ويتلمس وجهه الشاحب، غبار لذته الفائح، نتوءات جلده وهي تصبح كماء المعاني الذي لا شكل لها الاّ باصطدام الاخر/ الصانع النرسيسي، او صانع الموت..
(الرملُ يُهيلُ سطوعَه / انطفىءْ لكي تشتعلَ غداً / كلُّ شيء دبّ فيه النوم / ماذا يحملُ الغدُ سوى ندبة بلا أهداب / المعاني كالماء لا شكلَ لها الا عندما يُقلقُها حجرٌ عابر).
رحلة قراءة قصائد هذا الكتاب الشعري اخذتني الى سحر كشوفاتها، الى شغف لذتها الفاجع والمريب، الى انسنتها الموحشة، حيث ينحلّ الشاعر عن لعبة خلوده القديم الى لعبة اكثر استيهاما، واكثر رعبا، فالشاعر يرى في مرآة نرسيسه (عش الموت) امام عشبة سحره العاطلة، وكأنهما يتبادلان الامكنة، مثلما يرى وجهه السائل وقد اضنكه العبور الى وهم الخلود. هذه الرؤية تكشف عن مهارة الشاعر الجنابي في بناء صوره الشعرية الباذخة والرشيقة، وتكثيف محمولها التعبيري بدلالات وعي الشاعر لثنائية الوجود والموت، فاللغة تنحلّ هنا في مستوى من الايحاءات النفسية والدلالية، لتسكنه فكرة مواجهة الشاعر لوحشة الموت، الموت الذي يعني موت النرسيس/ الذات، اوموت العالم الذي بدأ يفقد الكثير من كليته وسحره، والذي يقوده الى ما يشبه الاستذكار، اوالاستعادة التي تجعله ينصت برعب تعويضي الى صوت الداخل الغريب، الصوت الواهن، المسكون بالتمتمات. هذه الاستعادة هي لعبة وعيه او احتجاجه على الموت، والتي يحولها الشاعر الى مكاشفة حادة يتعرى فيها الانسان والوجود، والى لعبة اعتراف تفصح عن الراسب اللاشعوري الكاشف عن تاريخ طويل من الانتهاكات الفاضحة، والتذكرات المدوخة، حيث التاريخ والبلد والحرب والمحو والعزلة، كلها تنثال مرة واحدة وكأنها وجوه شبحية اوكابوسية، لتمارس شغبها الدامي ازاء وجود الشاعر ووحدته، اذ تبادله القسوة وشحوب المرآة التي يغيب نرسيسها، ليحضر المحو/ محو الشاعر الذي ينثر كل الوصايا مع الغبار..
(رأسُك عشٌّ نائم أيّها الموتُ / يستنشقُ بثور سُرّتها / كم هو غريبٌ غناءُ الداخل / نشربُ الألفاظ / تعلّمْ كيف تتكلّم بدون كلمات / السماءُ تبصقُ صورتها / الحربُ ما أحلاها عندما تجعل تأريخك أطلالاً / بلدٌ جالسٌ على مصطبة / تشربُك المياهُ في شقوق الليل / ماذا أفعلُ بماض يخشى الولادات / العُزلة، هذا الوقارُ القاسي / أيّها الماضي إنّك لم تمتْ / أجدك واقفاً أمام الباب / اترك، الوقتَ يولدُ دوماً / وأخيراً/ للرياح هبوبٌ له قصدٌ / محو أثر كلّ وصية على الأرض).

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية