عبد الكبير الركاكنة: الانتقال إلى الإخراج ضرورة فنية وليس مجرد موضة

حجم الخط
0

أخرج أول فيلم سينمائي له.. وأنتج شريطا تلفزيونيا توّج في مهرجان القاهرة للإعلامالرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: بعد تجربة طويلة في التمثيل والإخراج المسرحي، انتقل الفنان المغربي عبد الكبير الركاكنة إلى مجال الإخراج والإنتاج السينمائيين، من خلال فيلم ‘بلاستيك’، الذي عُرض مؤخرا في قاعة الفن السابع بالرباط، في عرض خاص للفنانين والنقاد والإعلاميين.

ففي قالب يجمع بين الجد والهزل، يصور الفيلم (حوالي نصف ساعة) حالة إنسانية لأسرة صغيرة تصارع قسوة العيش اليومي، وتتحول حياتها إلى مأساة بعد تعرض طفلتها الرضيعة إلى اختناق بواسطة غطاء بلاستيكي. فربة البيت تعيش حالات من القهر والتمزق بسبب عملها خارج المنزل، وتواجه صرامة صاحب المعمل ومكائد زميلاتها، وداخل البيت تكون مطالبة بتربية طفلتيها، وأيضا، بتلبية رغبات زوج مقهور هو الآخر.

شارك في بطولة فيلم ‘بلاستيك’ رشيد الوالي ولطيفة أحرار والحسين الشعبي وسهام حراكة وخديجة الزهواني، والطفلان رانيا حاتمي وأكرم البركة. وكتب سيناريو العمل الأديب عبد الإله بنهدار.

في حديث لـ’القدس العربي’، أكد مخرج ومنتج الفيلم الفنان عبد الكبير الركاكنة أن هذه التجربة كانت تراوده من عدة سنوات. وقال بهذا الخصوص: ‘رغم أن التمثيل يبقى الهدف الأول بالنسبة لي، ولكنني أريد التعبير من زاوية الإخراج عن مجموعة من المواضيع والقضايا الإنسانية التي اعتبرها من الأولويات وأريد إيصالها للجمهور وأتقاسمها معه إبداعيا. فأنا كممثل أبدع داخل الشخصية وأتفاعل مع نفسيتها وتركيبتها، ولكن موضوع العمل يبقى مطروحاً عليّ من طرف الكاتب والمخرج. في هذه المرة، أردت أن أكون أنا من يطرح مواضيع تشغل بالي وذات أبعاد إنسانية. لهذا، راودتني فكرة الإخراج السينمائي’. وتابع الركاكنة قوله: ‘صحيح أنني مارست الإخراج على مستوى المسرح، ولكن السينما تتطلب إمكانيات مادية وتقنية كبيرة. فبدون غلاف مالي مهم لا يمكن أن ننتج عملا سينمائيا. أما في المسرح فيمكن أن نكيّف العرض بحسب الإمكانيات المالية مهما كانت قليلة’. وأوضح أن تجربة الإخراج والإنتاج هاته كانت ستنطلق قبل نحو خمس سنوات، ولكنه عدل عنها بسبب الظروف المادية، مشيرا إلى أنه رفض إنجاز عمل سينمائي انطلاقا من غلاف مالي ضئيل. ‘فأنا ـ كما قال ـ هدفي الأساس هو الجمهور وثقته فيّ، لأنه يطالبني دائما بأن أقدم له عملا في المستوى المطلوب’. وسألت ‘القدس العربي’ عبد الكبير الركاكنة عما إذا كان لجوء عدد من الممثلين المغاربة، وهو من بينهم، إلى الإخراج السينمائي مجرد موضة، فأجاب بالقول: ‘أرفض رفضا باتا عبارة موضة. أنا أنطلق من نفسي أولا ولا أود الحديث عن باقي زملائي، فلكل واحد منهم طريقته الخاصة في الاشتغال في الميدان الفني. فتجربتي الفنية التي تفوق ربع قرن لم تأت عبثا، وإنما قامت على أساس التكوين والممارسة والاستفادة من مدارس مختلفة للعديد من المخرجين من مختلف التجارب والأساليب والاتجاهات في مجال المسرح، إذ اشتغلت مع أكثر من 24 مخرجا، كما عملت بجانب مجموعة من المخرجين السينمائيين المغاربة والأجانب، وكذلك الأمر في مجال الدراما التلفزيونية. إذن، الممثل أولى وأحق بخوض تجربة الإخراج، بشرط توفره على تجربة طويلة وتراكم فني متنوع، ولا يمكن أن نحكم عليه إلا حين يقدم إنتاجه وليس قبل ذلك. يمكن أن نتحدث عن موضة عابرة، حين يقوم الممثل بإخراج عمل ما ويكون مصيره الفشل. ولكن، حين يقدم عملا في المستوى ويحقق إقبالا لدى الجمهور المختص قبل الجمهور العريض، فمن الواجب أن نهنئه ونشجعه ونتمنى له الاستمرارية في المسار نفسه. فلماذا يود البعض أن يحرم ممثلين من إنجاز أعمال في المستوى؟ يجب أن لا ننسى أن ممثلين عالميين برعوا في الإخراج بقدر براعتهم في التمثيل، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: جون مالكوفيتش وكيفن كوستنر وغيرهما. وبالتالي، فأنا أعتبر أن الانتقال من التمثيل إلى الإخراج ضرورة حتمية تعكس تطور شخصية الفنان ونضجه وقدرته على التعبير عن مجموعة من المواضيع المجتمعية والإنسانية وإيصالها إلى الجمهور عبر الإخراج’. وجوابا على سؤال حول طريقة اشتغاله كمخرج مع ممثلين معروفين كرشيد الوالي ولطيفة أحرار، قال الركاكنة: ‘أولا، أريد أن أحيي هذين الفنانين اللذين يعتبران نجمين من العيار الثقيل، ليس فقط على الصعيد الوطني، وإنما أيضا على الصعيد العربي والعالمي. ولم اشتغل معهما فقط لأنهما صديقاي، ولكن لأنهما يصلحان للدورين اللذين اقترحت عليهما. وحينما وضعت بين يديهما السيناريو وقرآه استجابا للطلب تلقائيا، وبدون أيّ مقابل مادي. وأبدى كل منهما استعداده لتغطية نفقات تنقله وإقامته على حسابه الخاص. وهذا ما أثلج صدري كثيرا، وأنا ممتن كثيرا للفنانين الوالي وأحرار، وأشكرهما شكرا جزيلا، كما أشكر جميع أصدقائي الفنانين والتقنيين الذين قدموا لي كامل الدعم والمساندة. أضيف إلى ذلك أنني لم أجد أي عائق أو مشكل خلال جميع مراحل العملية الإبداعية مع زملائي الممثلين. لأنهم كانوا يستجيبون لإشاراتي كمخرج بشكل انسيابي وسريع وتلقائي. وهنا يحس المرء بالفرق حين يشتغل مع ممثلين محترفين من طراز عال، علما بأننا درسنا جميعا السيناريو والشخصيات قبل الشروع في عملية التصوير. فأنا كممثل اشتغلت على إدارة الممثل مع مخرجين آخرين، وهي مهمة ليست سهلة ولاسيما في السينما. فمن يوجد داخل إطار الصورة؟ إنه الممثل، الذي يعود له الفضل في النهاية ـ بنفسيته وملامحه وأدائه ـ في إنجاح العمل والعملية الإبداعية ككل بنسبة تفوق 60 في المئة، إذ إن كل العناصر الأخرى من نص وديكور وملابس وإنارة وصوت، مجرد عوامل مساعدة ومكملة لعمله… وكل هذه العناصر مجتمعة ستضيع إذا لم يتوفق الممثل في تجسيد الحالة الدرامية المطلوبة’. من جهة أخرى، حصل عبد الكبير الركاكنة على تتويج جديد عن تجربته الأولى في مجال الإنتاج التلفزيوني. فخلال الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة للإعلام العربي، حصل الفيلم التلفزيوني المغربي ‘طفل القمامة’ على أربع جوائز هي: جائزة الإخراج وجائزة السيناريو وجائزة أحسن أداء ذكور وجائزة أحسن أداء إناث. وأكد عبد الكبير الركاكنة لـ’القدس العربي’، أن هذا العمل هو ثمرة ثقة بين الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة ‘آدم’ للإنتاج الفني التي يديرها شخصيا. كما أنه ثمرة عمل جماعي متكامل بين المخرج حكيم البيضاوي والسينارست محمد سعيد المريني والممثلين وكل طاقم الفيلم. وقال: ‘الحمد لله أننا أنتجنا هذا العمل في ظروف جيدة. فقد اشتغلنا كطاقم فني وتقني بكل حب وصدق وتفان. ليس هينا أن تحصل على هذا الكم من الجوائز في تظاهرة كبرى كهاته. كان الأمر مفاجئا لي. ولكن ذلك كان بفضل الله أولا وبفضل جميع العاملين في هذا العمل. وفي الحقيقة، لم نتوج نحن، الذي توج هو التلفزيون المغربي والدراما المغربية وصورة المغرب والمغرب ككل. ليس سهلا أن نحتل نحن المرتبة الثانية على المستوى العربي في مجال الإعلام، ولذا، أود أن أحيي جميع فنانينا وتقنيينا الذين كانوا في المستوى المطلوب ليس فقط في مهرجان القاهرة للإعلام العربي، وإنما أيضا في العديد من المهرجانات الأخرى. تحية لهم لأننا نريد لصورتنا الثقافية والفنية أن تنتشر، وأن تجد إنتاجاتنا الفنية وطاقاتنا الفكرية والثقافية مكانا ملائما لها في الفضائيات العربية’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية