الكتابة بذاكرة حاضرة في التسعين!
الدكتور علي القاسميأدب المذكرات: افتتح الموسمَ الثقافي المغربي هذا العام شيخُ الأدباء المفكِّر عبد الكريم غلاب بكتاب عنوانه ‘عبد الكريم غلاب في مذكِّرات سياسية وصحافية’ صدر عن مكتبة المعارف في الرباط، ويقع في 728 صفحة من القطع الكبير، بطباعة جيدة أنيقة.
في مقدِّمة الكتاب، يعُدّ المؤلِّفُ المذكرات جنساً أدبياً، لأنها ليست بحثاً في التاريخ تدعمه المراجع والوثائق، ولأنها ليست تأملاتٍ فلسفيةً قابلة للمناقشة، وإنما هي اجترار الماضي واستبطان أحداث ماضية أسهم فيها الكاتب، وبتدوينها يمنحها دفء الحياة، وتألُّق الحركة والنشاط. ويثير المؤلِّف قيمة المذكرات، خاصة أنها تعتمد على الذاكرة، وتتطلب النزاهة، بحيث لا تكون مسرحاً لتلميع شخصية كاتبها، ولا مجالاً لاستعراض الأحقاد وتصفية الحسابات.
ومع ذلك، فإن بعض الباحثين يعدّون المذكِّرات من مصادر التاريخ الأولية، شأنها شأن السيرة والسيرة الذاتية، خاصّةً إذا كان كاتبها من الشخصيات العامة التي أثَّرت في سير الأحداث المؤثِّرة في حياة البلاد ومسيرة التاريخ؛ ويعدّونها من مصادر تاريخ الأدب، إذا كانت تتناول حياة أديبٍ مرموق.
ومذكرات عبد الكريم غلاب تجمع بين التاريخ والأدب. فهي تاريخ لأنها تغطي الأحداث السياسية الرئيسية في تاريخ المغرب خلال القرن الميلادي العشرين، ولأن صاحبها من المناضلين الفاعلين والقادة المؤثِّرين، إضافةً إلى تمرُّسه في التأليف التاريخي، فله ما ينيف على خمسة عشر كتاباً في الدراسات التاريخية والسياسية، كان آخرها كتابه ‘قراءة جديدة في تاريخ المغرب العربي’ الذي صدر في ثلاثة مجلَّدات في بيروت سنة 2005؛ وهي أدب رفيع في الوقت نفسه، لأنها كُتِبت بلغةٍ جميلةٍ مشرقةٍ سلسة، وبأسلوب أدبي ممتع استخدم كثيراً من التقنيات السردية والصور الشعرية الأخاذة، فلكاتبها خبرة أدبية تجلَّت في رواياته التي تزيد عن اثنتي عشرة رواية، وفي مجموعاته القصصية التي تزيد على سبع عشرة مجموعة.
أدب المذكرات ذو صلة وثيقة بالسيرة الذاتية، وهو جنس أبدع فيه عبد الكريم غلاب أربعة أعمال روائية هي: ‘سفر التكوين’ ( في الطفولة والصبا في فاس)، ‘سبعة أبواب’ ( في الشباب والنضال)، ‘القاهرة تبوح بأسرارها’ ( في أيام الدراسة الجامعية في مصر)، و’ الشيخوخة الظالمة’ ( في العمر الثالث). ونعدُّ مذكراته السياسية والصحافية تتويجاً لأعماله الأدبية التي تناولت سيرته الذاتية.
أهمّية المذكّرات:
تمتح هذه المذكرات التي دوّنها المؤلِّف وهو في التسعين من عمره، أهميتها من أهمية الأدوار التي اضطلع بها، فهو من صفوة المناضلين في سبيل استقلال المغرب إذ كان عضواً في اللجنة التنفيذية المؤقتة لحزب الاستقلال التي أطلقت المقاومة الوطنية سنة 1952 ، تلك المقاومة التي انتزعت استقلال المغرب. وبعد الاستقلال، تقلَّد مناصب دبلوماسية وبرلمانية وسياسية سامية، فقد كان نائباً في البرلمان، ووزيراً في الحكومة، وعضواً في اللجنة المركزية وفي مجلس الرئاسة لحزب الاستقلال؛ إضافة إلى اضطلاعه بإدارة جريدة ‘العلم’ الناطقة بلسان حزب الاستقلال، أعرق الصحف المغربية، مدّة نصف قرن. وكان لافتتاحياته وعموده اليومي ‘مع الشعب’ في هذه الجريدة، تأثيرٌ في التوجّهات السياسية.
تستقي هذه المذكِّرات إمتاعها وإثارتها لا من الوقائع التي تسردها والشخصيات التي تعرضها فحسب، وإنما كذلك من ثقافة صاحبها الواسعة، فهو واحد متعدد: روائي، قصاص، ناقد، مؤرّخ، فقيه، رحّالة، صحافي، مشرِّع، فاقت مؤلّفاته في هذه المجالات المعرفية أكثر من سبعين كتاباً؛ إضافة إلى أن هذه المذكرات لا تقتصر على المغرب فقط، وإنما تتناول أيضاً عدداً من البلدان التي زارها إبان أحداث كبرى، فقد زار جميع البلدان العربية، وبعض الدول الأفريقية والآسيوية، وأمريكا ( كتابه: صحفي في أمريكا)، والصين والاتحاد السوفييتي ( كتابه: من مكة إلى موسكو) . إذا كانت الموضوعية تعني فصل الذات عن الموضوع، فإن هذه المذكِّرات ليست موضوعية بهذا المعنى، لأن كاتبها ليس مجرّد مؤرِّخ أو باحث يدوّن مذكراته عن أحداث يشاهدها عن بُعد، وإنما هو جزء من الأحداث ومشارك في صنعها ويقدّم تحليلاً شخصياً لكثير منها؛ إضافة إلى أنه يتحدّث فيها عن نفسه وأهله ومشاعره الذاتية، فقد خصَّص فصلاً لوالده الذي لم يغضب لسجن ولده لأسباب وطنية، بل شعر بالفخر، وخصَّص فصلاً لأمّه التي تحمَّلت بشجاعة سجن ثلاثة من أولادها في وقت واحد، وخصَّص فصلاً آخر لزوجته المناضلة السيدة أم كلثوم بوعياد التي كانت ‘خير سند’ له في مسيرته النضالية. ولكن وصف هذه المذكرات بالموضوعية يعني أن المؤلِّف قصد سرد الأحداث بأمانة وصدق، وبتواضعه المعهود عندما يقول: ‘الأحداث التي عايشتها لم تكن مما لا يحفل به التاريخ.’تقف قاطرة هذه المذكرات في ثلاث محطاتٍ رئيسية هي: فاس، والقاهرة، والرباط؛ مع العلم بأن المؤلّف لا يسرد مذكراته سرداً زمنياً عمودياً، وإنما يعتمد التقسيم الموضوعي.
فاس، مدينة العِلم والسياسة:
ولِد المؤلِّف حوالي سنة 1919 ونشأ في مدينة فاس التي كانت عاصمة المغرب، قبل أن تقرر سلطات الحماية الفرنسية التي فُرضت على البلاد سنة 1912، نقل العاصمة إلى الرباط، للابتعاد عن مركز المقاومة الوطنية. تبلور وعيه السياسي وهو في الحادية عشرة من عمره عندما شارك في المظاهرات التي اندلعت في المدينة مدة أسبوع احتجاجاً على الظهير البربري سنة 1930، وهو مرسوم يرمي إلى تقسيم المغرب إلى عرب وبربر ( أمازيغ)، طبقاً لسياسة ‘فرّق تَسُد’ الاستعمارية.
وتطوَّر وعي المؤلِّف السياسي بانخراطه في ‘كتلة العمل الوطني’ التي طرحت مطالبها بالإصلاح بوثيقة ‘مطالب الشعب المغربي’. وقد ضيّقت السلطات الاستعمارية على هذه الكتلة، حتى إنَّ المقيم العام الفرنسي، رفض طلبها بإصدار صحف باللغة العربية قائلاً لوفد الكتلة: ‘المغرب لا يستحق حرّية التعبير.’في سنة 1936، تنظِّم الكتلة مهرجاناً خطابياً في الدار البيضاء، وتعتقل السلطات الفرنسية زعماء المهرجان، علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني ومحمد اليزيدي؛ فتندلع المظاهرات في المدن المغربية، ويشارك المؤلّف في مظاهرة فاس، فيُسجَن مع عدد من زملائه ويردِّدون: يا ظلامَ السجنِ خيّمْ إننا نهوى الظلاما( وهو نشيد كان يردّده إخوانهم الذين كانوا يناضلون ضد الانتداب البريطاني في المشرق.) وفي اليوم التالي للمظاهرة، يُقاد سجناء فاس المئتان إلى باشا المدينة، فلا تدوم محاكمتهم أكثر من ساعة واحدة، ليتم الحُكم عليهم بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين، طبقاً لمشاركة السجين في إلقاء خطاب في المظاهرة أم لا. ثم يرتأي المقيم العام الفرنسي ـ دهاءً ـ إطلاق سراحهم بعد شهر واحد من السجن. ويلخِّص المؤلّف أثر فاس في حياته بقوله: ‘أدين لفاس، بكل تكويني الفكري والاجتماعي’. مصر، ‘مدرسة فكري السياسي’: يغادر المؤلِّف فاس إلى القاهرة سنة 1937 للدراسة، وربما للتخلُّص من مضايقات السلطات الاستعمارية ومتابعاتها، وينغمس في حياتها العلمية والسياسية والصحافية، فيتابع الصراع بين حزب الوفد بقيادة النحاس والملك فاروق: ‘كنتُ أتتبع باهتمام خطب وتصريحات الزعماء عندما كانوا في الحكومة أو ينتظرون الحكم. وكنتُ ألاحظ أن الاهتمام بالقضايا الوطنية لا يتناول غير إتمام الاستقلال بالجلاء، ولكني لم أكن أجد الكثير مما يهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية كالتعليم والصحة والتشغيل والتصنيع والسياحة’. وينشئ المؤلِّف مع زملائه الطلاب المغاربة في القاهرة ‘رابطة الدفاع عن مراكش’. وعندما يصل الحبيب بورقيبة إلى القاهرة سنة 1946، يجد دعماً من هذه الرابطة تأكيداً للنضال المشترك من أجل المغرب العربي، مما أدّى إلى عقد ( مؤتمر المغرب العربي) في القاهرة سنة 1947 الذي ترأسه عبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، وشاركت فيه وفود مغربية وتونسية وجزائرية، وانتُخب عبد الكريم غلاب أميناً عاماً للمؤتمر. وطالب المؤتمرُ جامعةَ الدول العربية بإعلان بطلان معاهدتي الحماية المفروضتين على تونس والمغرب، وإعلان عدم شرعية الاحتلال الفرنسي للجزائر. وقد انبثق عن المؤتمر ( مكتب المغرب العربي) الذي اضطلع إعلامياً بإبراز نضال الأقطار الثلاثة على مسرح السياسة العربية. وازدادت أهمية هذا المكتب بتواجد زعماء وطنيين فيه مثل بورقيبة وعلال الفاسي وعبد الخالق الطريس، وانبثقت منه فكرة اتحاد المغرب العربي.
ويروي المؤلِّف في مذكراته كيف تمكّن ( مكتب المغرب العربي) من تحرير الزعيم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاد ثورة الريف في شمال المغرب على المستعمرين الإسبان وحلفائهم الفرنسيين، والذي أمسى أسيراً بعد أن تغلبوا عليه سنة 1927 باستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرمة، ونفوه إلى جزيرة رينيون. واستجابة لجهود جامعة الدول العربية، قررت فرنسا نقل الأسير الخطابي إلى قرية قريبة من مدينة نيس الفرنسية، وأرسلته على ظهر باخرة يونانية تمرّ في طريقها بقناة السويس. وعندما علم مكتب المغرب العربي بالأمر، تمكّن ـ بموافقة من الملك فاروق ـ من إنزال الزعيم الخطابي وأسرته في بورسعيد حيث لجأ إلى مصر وشمله الملك فاروق برعاية خاصة وقام بزيارته في المستشفى.
كان المؤلِّف قد عزم على العودة إلى المغرب بعد وفاة والده سنة 1940، ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت من إبحار الباخرة التي استقلها في ميناء الإسكندرية، وهكذا اضطر إلى البقاء في القاهرة ثماني سنوات أخرى أمضاها في الدراسة والعمل في مكتب المغرب العربي والتدريس في مدرسة ثانوية سنتيْن دراسيتيْن.
وأحسب أنَّ المؤلِّف لم يتحدَّث عن دراسته في جامعة القاهرة وتتلمذه على كبار أساتذتها مثل الدكتور طه حسين، لأنَّ هذه المذكرات سياسية صحافية من ناحية، ولأنه تحدّث عن دراسته في كتابه ‘القاهرة تبوح بأسرارها’ من ناحية أُخرى.
الرباط، في قلب العاصفة السياسية والصحافية:
في كانون الاول ( ديسمبر) 1948، يعود المؤلّف من القاهرة إلى طنجة عبر مدريد، رفقة علال الفاسي وعبد الكريم ثابت، وكانت طنجة تحت الحكم الدولي ولم تكن سلطة المقيم العام الفرنسي تمتد إليها. وفي طنجة كان علال الفاسي يكتب مقالاته في جريدة ‘رسالة المغرب’، ويؤلِّف كتابه ‘النقد الذاتي’. ومن طنجة يعود المؤلِّف إلى الرباط. وتركِّز المذكرات على موضوعات رئيسية ثلاث: الأولى، نشاط المؤلّف في حزب الاستقلال وإدارته لصحيفته ‘العلم’، الثانية، التنسيق بين السلطان محمد بن يوسف والحركة الوطنية في النضال من أجل الاستقلال، الثالثة، الشخصيات التي أساءت إلى المغرب وأهم الأحداث السياسية أثناء حكم الملك الحسن الثاني.
عند عودة المؤلِّف للمغرب كلَّفته الحركة الوطنية أن يعمل مديراً لمدرسة ابتدائية أنشأها الوطنيون في الدار البيضاء، لمواجهة النقص الخطير في التعليم الرسمي لأبناء المغاربة. ولكن الأمين العام لحزب الاستقلال سرعان ما ينقله إلى الرباط للعمل في جريدة ‘العلم’ ورئاسة تحرير مجلة الحزب الشهرية ‘رسالة المغرب’. وسرعان ما يصبح المؤلِّف من مساعدي اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ثم عضواً في اللجنة ومديراً لجريدة ‘العلم’. كان للحرب العالمية الثانية انعكاساتها على المغرب، الذي احتلّه الحلفاء ( أمريكا) سنة 1942. وأخذ الشعب المغربي يتطلَّع إلى الاستقلال بعد الحرب. وراح السلطان ينسِّق مع قيادة الحركة الوطنية لهذه الغاية. وظهر حزب الاستقلال إلى الوجود من سلهام الكتلة الوطنية سنة 1946، وبعد شهر واحد من تأسيسه ( في 11/1/1944) قدّم عريضة المطالبة بالاستقلال إلى السلطان محمد بن يوسف الذي يصفه المؤلِّف بأنه ‘المؤيّد الأول للمطالبة بالاستقلال والمتحمِّس لها، وأكبر مشجع للقيادة الاستقلالية دون تردد’، بل كان السلطان يوجّه ويشجّع ويلتقي قادة الحركة الوطنية بصورة سرية في غرفة علوية في قصره، ويعيدهم أحياناً بسيارته الخاصة وهو يقودها إلى بيوتهم بعد الاجتماع. يتابع المؤلّف في مذكراته الأحداث التي أدت إلى إقدام السلطات الفرنسية على جريمة نفي السلطان وأهله من المغرب. فيذكر أن الخلاف بين المقيم العام الفرنسي وبين السلطان الذي كان يؤكّد دائماً استقلال قراره عن القرار الفرنسي، مرّ عبر محطّات عديدة أهمها:1ـ عندما طلب المقيم العام نوكيس التابع لحكومة فيشي، من السلطان أن ينتقل من عاصمته الرباط إلى فاس احتجاجاً على نزول القوات الأمريكية في الدار البيضاء وأسفي والقنيطرة سنة 1942، رفض السلطان ذلك رغم إلحاح المقيم العام.2ـ وعندما طلب هذا المقيم العام من السلطان اتخاذ إجراءات لاضطهاد اليهود المغاربة الذين يبلغ عددهم 400 ألف نسمة ( 8 % من سكان المغرب آنذاك)، على غرار ما كان يفعله المارشال بيتان في فرنسا ضد اليهود، امتنع السلطان مؤكّداً أن اليهود مواطنون مغاربة لهم نفس الحقوق التي للمسلمين وعليهم نفس الواجبات.3ـ رفض السلطان جميع الإجراءات الداخلية لصالح المستوطنين الفرنسيين ضداً على مصالح المواطنين المغاربة. 4 ـ أظهر السلطان تعلّقه بالشعب من خلال الزيارات التي كان يقوم بها إلى مختلف المدن المغربية، وأظهر الشعب تعلّقه بالسلطان من خلال الاحتفال بعيد العرش، وكان السلطان يلقي خطاباً في تلك المناسبة يؤكّد رغبة المغرب في الاستقلال، دون ذكر كلمة ‘الاستقلال’ ذاتها.5ـ كتب السلطان مذكرة في تشرين الثاني ( نوفمبر) 1950 جاء فيها ‘إن إصلاحاً جوهرياً للأوضاع بإنهاء نظام الحماية يمكنه وحده أن يعطي العلاقات المغربية ـ الفرنسية قاعدة أمن واضح. وهو الذي يمكنه وحده أن يفسح المجال أمام إقامة حكومة حرة في المغرب تتمتع بثقة الشعب المغربي، وتكون قادرة على تحقيق آماله المشروعة.’16 ـ أخذت فرنسا تعدّ العدّة لعزل السلطان، فأخذت تجنّد الباشوات المتعاونين معها، مثل الكلاوي باشا مراكش، لمواجهة السلطان بالعداء، ثم وجّه المقيم العام الفرنسي المارشال جوان إنذاراً إلى السلطان ‘بأن يتبرأ من حزب الاستقلال ويوقع الظهائر ( المراسيم) التي امتنع عن توقيعها، فإن لم يفعل فليس أمامه إلا أن يستقيل أو يضطر إلى عزله عنوة’. وبعد مدة قصيرة حاصر الجيش الفرنسي القصر الملكي، واعتقل السلطان محمد بن يوسف وولديه الأمير الحسن والأمير عبد الله، وتمَّ نفيهم إلى جزيرة مدغشقر في آب ( أغسطس) 1953. قبيل نفي السلطان، اعتقلت السلطات الفرنسية جميع أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، فتشكّلت لجنة تنفيذية مؤقتة من ستة أعضاء أحدهم عبد الكريم غلاب. وهذه اللجنة هي التي قرَّرت إطلاق المقاومة الشعبية من وجدة رداً على نفي السلطان، واستشهد في ساحة القصر يوم 11 ايلول ( سبتمبر) 1953، علال بن عبد الله الذي حاول اغتيال ابن عرفة ( السلطان غير الشرعي الذي نصّبته فرنسا)، وقد أجَّج استشهاده المقاومة.
يتحدّث المؤلّف عن ‘شجاعة محمد الخامس’ وتحدّيه السلطات الفرنسية مع علمه بأنها لم تتردد بعزل روساء الدول المستعمَرة الذين يعارضونها، فقد عزل الجنرال ليوطي السلطان المغربي عبد الحفيظ، وعزل الجنرال جوان المنصف باي تونس، وعزل كاترو بأمر من الجنرال ديغول رئيسي جمهوريتي سورية ولبنان ورئيسي الحكومتين واعتقلهما. ورغم ذلك كله، كان السلطان محمد بن يوسف ثابتاً على المبادئ الوطنية، حتى وهو في المنفى: ‘من شجاعة محمد الخامس أنه لم يقبل العودة دون الاستقلال، ومن شجاعة شعبه أنه لم يقبل الاستقلال دون العودة فكان 16 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1955 يوم النصر بالاستقلال والعودة.’بعد الاستقلال، تتناول المذكرات شخصيات ملوك المغرب الذين عاصرهم المؤلّف: محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس، كما تتناول شخصيات سياسية يرى المؤلِّف أنها أضرّت بالعرش والشعب مثل أحمد رضا، والجنرال أوفقير وإدريس البصري. وتطرَّقت المذكرات إلى بعض الحوادث الخطيرة مثل قيام الجنرال أوفقير بمحاولتين انقلابيتين فاشلتين: الأولى في إقامة الملك بالصخيرات سنة 1971 والثانية ضد طائرة الملك 1972. ولم يُكتَشف دور أوفقير في الانقلاب الأول. وفي سرد المؤلّف لهذه النقطة، يتغلّب أسلوب الروائي على أسلوب المؤرِّخ:’حضر عبد الهادي الصبيحي، أحد الوزراء المقربين من حزب الاستقلال، إلى منزل علال الفاسي. وقد كانت اجتماعات اللجنة التنفيذية ( لحزب الاستقلال) متواصلة، وحكى لنا بتأثُّرٍ حادث المهزلة الساخرة التي لعبها أوفقير في المجلس الحكومي، ودموعه المتهاطلة وصياحه المرعب: ( أنا لم أقم بواجبي للدفاع عن ملكي…) وأمر الملك بأن يجرِّدوه من سلاحه خشية أن تدفعه هيستيريا التأثُّر إلى أن ينتحر.. حكى الوزير لنا القصة وهو منفعل متأثِّر للرجل الذي كان يمكن أن ينتحر من شدّة الانفعال.
ـ ( آسي عبد الهادي لا تكن ساذجاً. أوفقير كان يضحك على الحكومة ويذرف دموع التماسيح. هو أبو عذرها..)أجابني الوزير متأثراً: ( لا.. لا.. لقد كان صادقاً، لم يكن له دور في المأساة. لو رأيتَه يبكي لصدَّقتَ.)قلتُ في سري: هذا الجنرال خدع الحسن الثاني لمدة خمس عشرة سنة.. وسيستمر في خداعه.’يتناول المؤلِّف قضايا كثيرة بعد الاستقلال مثل انشقاق حزب الاستقلال، وظهور حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقضية المسيرة التي أطلقها الملك الحسن الثاني بخطابه يوم 6 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1975 لتحرير الصحراء من الحكم الإسباني، وقضايا أخرى كثيرة، منها ما هو شخصي مثل عمله على تأسيس ‘النقابة الوطنية للصحافة’ وانتخابه عدّة مرات كاتباً عاماً لها، وللمحاكمات والاعتقالات التي خضع لها بسبب عمله الصحافي، ثم استقالته الشهيرة من إدارة جريدة ‘العلم’ ومن حزب الاستقلال، وهي الاستقالة التي كان لها صدى واسع في الأوساط السياسية والصحافية المغربية، والتي جعلت من الأمين العام للحزب وجميع أعضاء اللجنة المركزية يتوجهون إلى منزل المؤلِّف ليرجوه بإلحاح للعدول عن الاستقالة، وبعد الإلحاح الشديد عدل عن استقالته عن الحزب فقط.
خاتمة:
بعيد هذه الاستقالة المدوية، كنتُ ( كاتب هذه السطور) أشارك في ندوةٍ حول ‘العلامة المختار السوسي’ عُقِدت في مدينة تزنيت جنوبي المغرب، وكان عبد الكريم غلاب أبرز المحاضرين فيها. ونُظِّمت للمشاركين في الندوة رحلة لزيارة بلدة تاريخية نائية في جبال الأطلس الكبير تسمى ( أولاد أحمدو موسى)، وما إن علم أهل البلدة بوجود عبد الكريم غلاب بيننا، حتى تجمهروا جميعهم في المسجد الجامع في مهرجان خطابي، أُلقيت فيه الخطب والقصائد تكريماً لعبد الكريم غلاب، وإشادةً بنضاله الصلب من أجل استقلال المغرب، وثناءً على ما يتحلّى به من نزاهة وأمانة وصدق، وتعبيراً عن دعمهم المطلق له وثقتهم بحكمته ووطنيته. نظرتُ بإعجاب إلى عبد الكريم غلاب، فلمحتُ الدموع تترقرق في عينيه محبةً وامتناناً.