عبد الرحيم الشاهد عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالمغرب صدرت الطبعة العربية لكتاب كوربيس : طريقي نحو الحقيقة والصفح ،لمؤلفه امحمد لشقر وقد قام بترجمته من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية الناقد والمترجم عبد اللطيف البازي ،وكوربيس هو إسم لمركز اعتقال سري بالدار البيضاء زج فيه بالعديد من المعتقلين السياسيين في سبعينيات القرن الماضي حيث نكل بهم وانتهكت كرامتهم ،ومؤلف هذا الكتاب واحد من اللذين مروا بهذا المعتقل ،والكتاب استنطاق ومساءلة لتجربة اعتقال عاشها الكاتب في بعض المعتقلات السرية كدرب مولاي الشريف والكوربيس أيام كان طالبا بكلية الطب بالرباط ،والكتاب هو استعادة لعذابات تلك المرحلة وتصوير جذاب لتوتراتها وزخمها السياسي . يمكن تقسيم هذا الكتاب الشهادة إلى ثلاثة أقسام أساسية وهي :مرحلة ما قبل الاعتقال ،ومرحلة الاعتقال ،ثم مرحلة ما بعد الاعتقال، والكتاب يسير وفق وتيرة توازن ثم اختلال( على المستوى النفسي والجسدي وليس النصي) ثم توازن .ينفتح النص على رصد الكاتب للأجواء السياسية لتلك المرحلة التي تزامنت مع ظهور نتائج الامتحانات الجامعية واستعداد صاحب هذه الشهادة العودة إلى مسقط رأسه بالحسيمة لقضاء عطلة الصيف بعد أجواء حب عاصفية عاشها مع رفيقة ظلت وفية له ،ويبدأ التحول العميق في حياة صاحب هذه الشهادة لحظة وصوله إلى قرية كرملول قرب تارغيست لزيارة أخته حيث سيتم اعتقاله هناك أو بالأحرى تسليم نفسه لأنه كان مبحوثا عنه وهو لا يعلم بذلك لأن قرار اعتقاله صدر يوم مغادرته الرباط ،كم هو صعب أن تجد نفسك معتقلا قسريا لا لشيء سوى لقناعاتك السياسية والفكرية ومتهما باتهامات كبيرة بينما لم يكن صاحب هذه الشهادة سوى مناضلا في صفوف الحركة الطلابية منتميا إلى فصيل طلابي يساري ينادي بالحرية والكرامة والتغيير ويناضل من أجل كرامة شعبه بطرق سلمية . هكذا تبدأ رحلة المعاناة والعذاب عبر مخافر الشرطة ثم إلى معتقل درب مولاي الشريف ثم الكوربيس، والشهادة التي بين أيدينا تتميز بصدق التجربة والغنى بالدلالات والإيحاءات حيث تنحو اللغة منحى شاعريا يعبر من خلالها الكاتب عن مواقف مؤلمة ومؤثرة كما تعكسه أجواء الاستنطاقات والتعذيب النفسي والجسدي ،يقول الكاتب ‘أصبح الجو مكهربا بشكل كبير ،أحسست بنفسي وحيدا ومتعبا قبالة عصابة من الذئاب ،استنفرت جميع قواي حتى لا أنهار’ص105 ،وللتغلب على هذا الواقع المرير كان الكاتب يطلق لعنانه الخيال ويسرح بعيدا نحو عوالم طفولية حالمة مستحضرا ذكريات تعيده إلى أجواء جميلة تمده بالقوة اللازمة لمواجهة القهر والظلم . لقد أفلح الكاتب في إعادة تركيب العديد من الوقائع المؤلمة داخل المعتقل له ولرفاقه عبر إبراز صور غاية في البشاعة الإنسانية سواء تعلق الأمر بالأكل أو برودة المكان ونتانته أو النوم أو المرض ،حيث أضحوا أشخاصا مجردين من الكرامة الإنسانية تنبعث من بعضهم روائح كريهة والبعض الآخر طالت لحاهم ،وهو ما جعل صاحب هذه الشهادة يبدي مقاومة نفسية كبيرة للتغلب على هذا الواقع المرير. ومن الصورالتي صدمته في الكوربيس يقول الكاتب ‘ رأيت عشرات الأجسام النحيفة جدا ملفوفة في أغطية ‘ ص163 ، فتولد لديه إحساس بأنه يمر أمام مقبرة محنظة في العراء ،تلك الأجسام كانت لأشخاص مرضى بداء السل وكل من يراهم يتخيل مصيره فيهم ،إنها مشاهد تدخل الرعب في النفوس ،وهي الأجواء التي انعكست على نفسيته وقد عبر عنها بقوله ‘دخلت للتو في ظلمة تحبس الأنفاس ،التصقت بي لمدة طويلة ،تملكني إحساس بخوف رهيب صفحة من حياتي تم طيها بشكل اعتباطي وصفحة أخرى قاتمة أعلنت عن نفسها ‘ ص114 ، إلى جانب هذا شكلت قساوة الحراس وشتائمهم وسبابهم جزءا آخر من معاناة المعتقلين فالصفعات والركلات تنهال عليهم لأتفه الأسباب ، فحياتك كما يقول الكاتب ‘ لم تعد ملكك وحركاتك لم تعد تؤتمر بأوامرك ‘ ص119 إلى درجة أن البعض كان يتمنى الموت على تلقي مثل هذه الإهانات .وللتكيف مع هذا الوضع عمد الكاتب إلى نسج صداقات جديدة مع رفاق آخرين لاستمداد روح التضامن والتماسك والقوة . تشكل مرحلة ما بعد الإفراج مرحلة لاستعادة التوازن خاصة وأن اعتقاله كان قد سبب لعائلته حزنا وألما عميقين وهو ما عبر عنه بقوله ‘ عجزت عن تحمل نظراتهم المحملة بالحزن الذي يليق بحداد ،شعرت بالانزعاج ‘ ص219 ،وهكذا كان الانغماس في الدراسة ونسيان الماضي ومساندة العائلة له ووفاء سمية التي ستصبح فيما بعد شريكة حياته عوامل ساعدته على استعادة توازنه النفسي والجسدي .إن الفضاءات المؤثثة للنص متعددة ومتنوعة ، هناك فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة وقد ساهمت جميعها في إغناء شخصية صاحب هذا النص ، فالفضاءات المغلقة ساهمت في تشكيل جزء من وعيه الشقي وتركت ندوبا سرعان ما اندملت مع مرور الزمن ، ثم الفضاءات المفتوحة كالجامعة مثلا حيث ساهمت في تشكيل جزء من وعيه السياسي وتوجت مساره بحصوله على درجة علمية رفيعة مكنته من الاندماج في الحياة . ينفتح النص على فضاءات مفتوحة مرورا بفضاءات مغلقة رهيبة وينغلق على فضاءات مفتوحة كناية عن استمرار الحياة والتشبث بالأمل . لقد جاءت هذه الشهادة ثمرة لتقاطع ثلاث رغبات :رغبة ذاتية رغبة وعائلية وأخرى مجتمعية ،وهذه الشهادة بوح ذاتي طرح فيها الكاتب أسئلة جوهرية تتعلق بالحرية والكرامة والعدالة ، ويبدوأن سؤال الحقيقة كان سؤالا أساسا في هذا الكتاب الشهادة وقد تجلت في العديد من المواقف وفي تلازم وثيق مع مسألة الصفح ،يقول الكاتب عن ذلك ‘ لقد سمحت لي كتابة هذا المحكي بأن أعرض ألمي وأسمي عذاباتي وأن أقوم بالحداد تجاه وساوسي ،اليوم أشعر بأني قد تحررت ،وبأني ارتحت ومستعد لأن أتوجه نحو الصفح ‘ ص30 . لقد كانت الكتابة عن هذه التجربة بالنسبة لامحمد لشقراختبارا لمدى تحقق ذلك التوازن المفقود وفي نفس الوقت هي تحد استطاع التغلب عليه وذلك عبر سرد تجربة حياتية ذات بعد إنساني مؤثر وصياغتها صياغة فنية وجمالية رائعة. وبهذه الترجمة الأدبية الأمينة يكون عبد اللطيف البازي قد أمتع قراء العربية وأطلعهم على تجربة حياتية فذة. ‘ كاتب من المغرب