شاء الشاعر والروائي والسينمائي والناقد العُماني عبد الله حبيب أن يطلق ثلاث صفات على إصداره الجديد «كثيرة جداً هذه اليابسة»؛ فهي، عنده، شذرات، تأملات، نصوص؛ متفادياً، من دون مفاجأة هنا، أن يحصر محتويات الكتاب في أيّ تصنيف أنواعي مألوف، تقليدي أو شائع أو قارّ مستقرّ؛ حريصاً، في الآن ذاته، على فتح أبواب التأويل على مصاريعها من خلال نصّ طويل بعنوان «اليابسة».
أعمال حبيب عديدة، بينها «صور معلقة على الليل: محاولات في السينما والشعر والسرد»، «قشة البحر: في سرد بعض ما يتشبث»، «ليلميات»، «فراق بعد حتوف»، «تشظيات أشكال ومضامين»، «رحيل»، «مساءلات سينمائية». وفي الإخراج السينمائي العديد من الأفلام القصيرة، بينها «حلم»، «شاعر»، «رؤيا»، «تمثال»، و«هذا ليس غليوناً».
عمارة «كثيرة جداً هذه اليابسة» تصنعها 485 فقرة مرقمة، تتراوح أحجامها بين 7 و300 كلمة عموماً، وتنبسط موضوعاتها على موشور عريض تعددي يضمّ السينما إلى الشعر، والسرد إلى التشكيل، والسياسة إلى الاقتصاد؛ من دون أيّ حرص على تفضيل حقل معرفي أو إبراز نشاط إبداعي، مع إطلاق التأمّل على عواهنه في فضاء فسيح تسبح فيه القضايا والوقائع والمصطلحات، غير بعيدة عن إشكالية حضورها المعقد تارة أو بداهة اختزالها البسيط تارة أخرى. النبرة، من جانبها، تتنوّع أيضاً إلى درجة أنّ حبيب يقترح مواءمات بارعة بين شخصياته: الجادّ منها والساخر، المهذّب وسليط اللسان، العميق عن سابق علم والمستخف عن سابق قصد، الرصين هنا أو اللاذع هناك… مطحنة أمزجة عاتية الاشتغال، شيّقة الوصول، بارعة التسلل من النافذة، صاخبة القرع على الباب، فصيحة حيث ينبغي ومحكية حيث يستدرج السياق…
هنا الفقرة رقم 285:
«في هذه الموضة الاستشرائية العجيبة، «الصوابية السياسية»، الـ Political Correctness، التي في الأساس هي من أخلاقيات البورجوازية الأمريكية الصغيرة، ومن صادراتها البغيضة إلى الثقافة الكونية بسبب العولمة الشاملة الخانقة، طلعت علينا تعاليم (إنجيلية تقريباً) تطلب منك التهذيب واللباقة (وهي لباقة مصطنعة، في الحقيقة)، بحيث يتعين عليك أن تقول، مثلاً: «أنا أفهمك، وأقدّر رأيك، لكن اسمح لي أن أختلف في جزئية منه»، وبحيث لم يعد في مقدورك قول إنّ فلاناً شخص غبي، بل صار عليك ليّ ذراع تلك الحقيقة في قولك: «فلان يواجه تحديات عقلية». وكأنّ الغباء ينتمي إلى صنف تحديات عقلية وجيهة كأمراض الفصام، والتوحد، والاكتئاب.
شخصياً، أفضّل أن أقول للغبي: «أنت حمار، ومعتوه، وثور، وأبله، وكبش، وأنا لا أقدّر ولا أحترم أية جزئية من رأيك الأحمق، فاغرب عن وجهي فوراً أيها الغبي».
روايات/ كلمات، الشارقة 2024