عبد الله غيث والتمثيل المسرحي: المتعة الفكرية ومهابة الحضور الكلاسيكي

بمثل عبد الله غيث يقام المسرح في أي دولة، فقد كان الفنان الراحل يمتلك كل ما يجب أن يتوفر لدى ممثل المسرح الكلاسيكي، بداية من المهابة اللازمة التي تخلق في نفس المتلقي الشعور برهبة وجلال المسرح ومكانته شبه المقدسة، والصوت العريض الذي يتسم بالوضوح وسلامة الحروف ومخارجها، وقوة اللفظ والتعبير، وإحكام الإيقاع، حين يكون الصوت حزينا باكيا، غاضبا مزمجرا، أو حنونا عاشقا، وكذلك في آهاته العميقة من شدة الألم، وصرخاته المدوية في وجه الأقدار القاسية المروعة، وهمهمات الحسرة الرهيبة بعد الوقوع في الخطأ التراجيدي، وعندما يتهدج صوته ويخفت في لحظات الموت قبل الصمت الأخير، بالإضافة إلى التمكن من قواعد الإلقاء المسرحي والخطابية المفخمة، والقدرة على أن يتحول بجسده ووجدانه إلى فكرة مجسمة على خشبة المسرح، وأن يظهر الصراع الداخلي على الأداء الحركي وكافة الإشارات، في الوقوف والقعود والمشي والسكون، إلى درجة أن يصير لوقع خطواته الأثر الدرامي المطلوب.
كل هذا في إطار المهمة الأولى وهي عمق تفسير أفكار النص المسرحي، ونقل مشاعر الشخصية الدرامية إلى المتفرج مع الالتزام بكل ما يتطلبه ذلك من مبالغة وتضخيم، والتمكن من الانتقال بسهولة بين الشخصيات، التي تختلف وتتباين كليا من مسرحية إلى أخرى، وهو ما كان يجيده الفنان عبد الله غيث ويحكمه إلى أقصى درجة، ويحقق من خلاله الإقناع التام في كافة أحواله، سواء كان فلاحا ضعيفا مقهورا، في نص مصري مكتوب باللهجة العامية، أو مثقفا أجنبيا، وإن كان يتحدث العربية الفصيحة في نصوص المسرح العالمي، أو بطلا تراجيديا يكون صراعه مع الآلهة لا البشر في المآسي الإغريقية.


وكوريث شرعي لمجد مسرحي عريق يمتد إلى بدايات القرن العشرين، بعد عودة البعثة التي أوفدها الخديوي عباس إلى فرنسا من أجل دراسة التمثيل، وتحصيل العلم الذي يزيح الجهل، ويهزم النظرة المتخلفة التي توجه إلى الفنان، ويغلّب ما في نفوس بعض البشر من احتقار للفن وكراهية للجمال وصد عن الخيال، بدأ الفنان عبد الله غيث رحلته الفنية منذ الخمسينيات حين كان طالبا في معهد التمثيل، الذي تم تأسيسه في مصر عام 1930 وصار في ما بعد معهد الفنون المسرحية، ولم يتخل عن مسؤوليته تجاه المسرح في مصر، رغم إغراءات السينما التي جذبته أحيانا ليؤدي أدواره المهمة الخالدة في أفلام مثل «أدهم الشرقاوي» و»الحرام» و»الرسالة» والتلفزيون في ما بعد، والإذاعة التي أمدها بثروة من المسرحيات المصرية والعالمية والشعرية، مثّلها بصوته الفخم الرائع، وكان أغلبها لمحطة «البرنامج الثاني» أو الإذاعة الثقافية، ومنح المستمع متعة الإصغاء إلى إلقائه لهذه النصوص والإفادة منها.
ويضاف اسمه إلى قائمة عظماء المسرح التي تضم جورج أبيض وعزيز عيد وعبد العزيز خليل وأحمد علام وزكي طليمات ويوسف وهبي، لا كمقلد أو تابع، بل كمحدث لفن التمثيل المسرحي، قام بتطويره داخل قواعده الراسخة، وانتقل به إلى ما يلائم زمنه، ويمكنه من مخاطبة جمهوره وأبناء وقته، وقدّم عبد الله غيث مسرحيات لكتاب مصريين، مثل توفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي وسعد الدين وهبة وألفريد فرج وفاروق جويدة، والكثير من نصوص المسرح العالمي المترجمة والمآسي الإغريقية، وكم تألق في المسرح الشعري وقربه إلى الجمهور بصورة غير مسبوقة من خلال مسرحية الوزير العاشق.
وعلى الرغم من أن صوت عبد الله غيث جاذب جدا وله الحضور الأكبر الطاغي، إلا أنه لم يكن مجرد صوت يقرأ علينا نصوص المؤلفين، وكممثل لم يكن يعتمد على هذا الصوت فقط، فالصمت على سبيل المثال لا يقل خطورة لديه عن الكلام، كما أنه كان بارعا إلى أقصى درجة في استخدام جسده وتطويعه حركيا على المسرح بشكل طبيعي، يبدو كلغة الجسد الحقيقية للشخصية الدرامية مع مسرحتها بالطبع، وكان يستطيع أن يتلون جسديا وحركيا، كما نرى في لعبه لدور عبد الحميد غزال في مسرحية «المحروسة» الفلاح المظلوم الواقع تحت سطوة السلطة الكريهة، حيث جعل جسده القوي يوحي بالهزال والتعب، وقامته الطويلة توحي بالانحناء والانكماش خوفا وقهرا، وفي مسرحية «الفخ» التي لعب فيها دور «جودة» الخفير الصعيدي الذي يتمرد على عمدة قريته ويقتله، نشعر بأنه اعتمد في الحركة على محاكاة الثعلب إلى حد ما، فكان الجسد خفيفا والخطوات سريعة توحي بالمكر، والتعبير عن الشر والتربص في الجلوس والانحناء، ونراه في شكل مختلف وأداء حركي مغاير تماما في مسرحية «الخال فانيا» لأنطون تشيكوف، حيث يجسد شخصية فانيا وهو رجل أجنبي، لكن مع تأمل مضمون النص وما يحتوي عليه من معاني وأفكار، نجد أن مشكلته إنسانية عامة، وهذا الدور يتطلب الصبر من الممثل والمشاهد معا، لأنه يعبر عن نفسه تدريجيا ببطء شديد، ولا ينفجر ولا تظهر انفعالاته العارمة إلا في النهاية.

في مسرحية «فيدرا» كان الفنان عبد الله غيث عظيما ومخيفا في الوقت نفسه، بصرخاته الرهيبة ونظراته إلى السماء، وارتعاش يديه ووضعهما على عينيه أكثر من مرة، لأنه لا يريد رؤية ما تصنعه به الأقدار.

وما أجمل عبد الله غيث عندما يعلن عن غضبه وكرهه لكاتبه المحبوب سابقا «سربرياكوف» وكلماته الحارقة التي تعبر عن هول مرارة الحقيقة التي اكتشفها متأخرا بعد سنوات من الخداع حين يقول له: «خمس وعشرون سنة ظللت حبيسا بين هذه الجدران الأربعة، مدفونا كالحيوان، كل مشاعرنا وكل أفكارنا كانت لك وحدك، بالنهار لم نكن نتكلم إلا عن مؤلفاتك، كنا ننطق اسمك بكل تقديس وإجلال، كنا نقضي الليالي الطوال في قراءة الكتب والمجلات، التي أحتقرها الآن كل الاحتقار، كنا نعتبرك أسمى من البشر، نحفظ مقالاتك عن ظهر قلب، ونتحمس لها، أما الآن فقد تفتحت عيناي تماما، إني أرى كل شيء، أنت تكتب في الفن بدون أن تعرف حرفا واحدا عن الفن، كل مؤلفاتك التي كنت أحبها لا تساوي الآن شيئا، لقد خدعتنا جميعا، لقد تحطمت حياتي، تحطمت حياتي، أنا لم أعش، لم أعش بسببك أنت، دمّرت أغلى شيء في حياتي، أنت ألد أعدائي، تحطمت حياتي، تحطمت حياتي، أنا، أنا الموهوب الذكي الشجاع».
وفي مسرحية «فيدرا» كان الفنان عبد الله غيث عظيما ومخيفا في الوقت نفسه، بصرخاته الرهيبة ونظراته إلى السماء، وارتعاش يديه ووضعهما على عينيه أكثر من مرة، لأنه لا يريد رؤية ما تصنعه به الأقدار، وصراعه الداخلي المضطرم بسبب شكه في وجود علاقة آثمة بين زوجته فيدرا وابنه هيبوليت، وفي النهاية يعلم بموت الابن البريء من هذا الذنب الفظيع، فيقول بأداء مذهل: «ولدي، ولدي، يا أملا عزيزا أضعته، أيتها الآلهة الجفاة، أي حسرة قاتلة أعدتها لي الأيام» ولعبت دور فيدرا في هذه المسرحية السيدة سميحة أيوب، التي كانت شريكا فنيا لعبد الله غيث منذ بداياته تقريبا، وندا عبقريا ومنافسا قويا محفزا ومحرضا على الإبداع، وكم تألقا معا في مسرحية الوزير العاشق، في مشاهد الحب والشك والألم، وكم أجاد عبد الله غيث في التعبير عن هذا الشاعر الذي لم يؤمن بالكلمة وحدها، وذهب وراء السيف، وكان هذا هو الخطأ التراجيدي الذي وقع فيه البطل، وبعيدا عن الإلقاء الشعري البديع الممتع، عبّر الفنان عبد الله غيث بجسده أيضا عن حركة الشاعر الحالمة ورشاقة وحيوية المحارب وانهيار الأسير، وكل مشاهده في هذه المسرحية جميلة ورائعة وعلى درجة واحدة من القوة، منذ بدايتها وحتى المشهد الأخير الذي يؤديه، وهو يموت على صدر حبيبته «ولاّدة» وينطق بكلماته الأخيرة التي تقول: «الحلم تصنعه الشعوب، فلتصنعوا الأيدي التي تحمي السيوف، ولتصنعوا الإنسان قبل السيف، ولتصنعوا زمنا نقيا تغرس الكلمات فيه بدون خوف، مأساتنا ليست سيوفا خادعتنا وانحنت، مأساتنا ليست زمانا بيعت الكلمات فيه، مأساتنا الإنسان، مأساتنا الإنسان، مأساتنا الإنسان».

٭ كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية