في قصته القصيرة «ليلة كؤوس وذكريات» المنشورة 1937 يحاول القاص عبد المجيد لطفي اصطياد اللحظة الراهنة والغوص في تفاصيلها المكانية مستثمرا سيرورة الزمن ويبدأها بـ(أجرب، لن أجرب، جربت كثيرا فلم أفلح) التي تعكس ما ستعانيه الشخصية من احتدام نفسي.
ويشتق الكاتب اسم الشخصية (لميع) من لمعان الكؤوس البارقة، وهو الوصف الذي يتكرر في القصة أكثر من مرة، وله صلة بالتأزم النفسي الذي سببه الإدمان على الخمر. وقد تقصد السارد الموضوعي أن يجعل الشخصية تتكلم عن نفسها بشكل غير مباشر، من خلال توظيف أسلوب أنا الراوي الغائب ما أضفى على القصة مزيدا من التأزم النفسي، لكن تكرار الأسلوب الحواري باستعمال (قال وقلت وحدّث) قلل من حدة الدرامية في القصة.
ويسهم اقتراب القاص عبد المجيد لطفي من توظيف تقانة القرين، في توطيد الاصطياد للحظة الراهنة، جاعلا للميع صديقا يرافقه وقد عرف سبب أزمته فيحاول مواساته، وكاد هذا الاقتراب أن يكون ناجحا لولا تخلخل الحبكة بتشتت الزمان السردي، ما بين اللحظة الراهنة المتمثلة في الإدمان على الخمر واللحظة المستعادة بالحذف (مرت سنة) ويحددها بعام 1929 ثم يترك ذلك الاسترجاع ليعود إلى الراهن السردي.
والمفارقة التي تتولد من هذا التشتت الزماني أن الإدمان ليس هو السبب في التأزم، وإنما هي حادثة بزغت في لا وعي (لميع) فتذكر حبه لماري. وكان يمكن لهذا التضمين لحادثة فرعية داخل الحدث الأصل أن يكون منطقيا لولا أن السارد راح يسترجع السنوات السبع التي ظلت فيها ماري محتفظة بجمالها ورشاقتها ليفاجئنا بأن مرضها أماتها، ليس هذا وحسب، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يخبرنا أنها أثناء مرضها كانت تسر له بحضور زوجها مشاعر الشوق التي عانتها بعد فراقه لها، قائلة: «إن روحها ستخلد لتلتقي به في السماء» فهل القاص يتكلم عن مجتمع آخر غير مجتمعنا؟ وإذ يعود السارد إلى اللحظة الراهنة فيجعل لميعا يخاطب قرينه «أعرفت الآن لماذا أشرب بالنهم الوحشي» فإنه يمضي أكثر في تفصيل الحادثة الضمنية التي ستلتهم الحدث الإطاري ويستمر في استرجاع صورة الحبيبة التي صار لها ابنة تشبهها تذهب إلى المدرسة فيقتنص لميع الفرصة لكي يقبلها.
من يقرأ قصص لطفي يرى بعض صور الحياة الغريبة عن مجتمعنا فأجواؤها شتوية برومانسية، والعلاقات العاطفية متاحة كما أن موضوعات قصصه لا تتعدى السكر والحب والخيانة والفقر.
ولا خفاء أن هذا الامتداد الاسترجاعي للحادثة الفرعية، كان قد أحدث خللا أو شرخا في الحبكة. ويبدو أن عبد المجيد لطفي في الوقت الذي يجرب تقانة ويهم بتوظيفها، يأتي بما يعكر تطبيق تلك التقانة بطريقة صحيحة، ونحن هنا لا نؤاخذ القاص، والسبب أن هذا التجريب كان في مرحلة مبكرة من مراحل السرد القصصي في العراق، ونتاج مرحلة طويلة من الحكي الشفاهي الذي لا يعتد بالتعليل أو المعلولية قدر اعتداده بالحدوتة السردية. ولعل السبب أيضا يعود إلى الإخفاق في طريقة ترتيب السيرورة الزمنية ما يجعل المفاجآت السردية مخلخلة للحبك ومؤثرة في حركية السرد. وتكون نهاية القصة معتادة ومتوقعة، لا تخيب أفق توقع القارئ «جرع نصف الكأس الباقية بلا كلام» ولم يسهم الانشداد للتتابع الزمني على طريقة الحكي الشفهي في جعل القارئ قادرا على لململة زمن القصة الذي تقلص حينا، واتسع حينا آخر متأرجحا بين حدث إطاري اختزل وحدث ضمني توسع.
ولا ننسى أن تشتت الحكي أثّر أيضا في تذبذب وجهة النظر بين مستوى حواري ومستوى حكائي. وهذا ما نلمسه أيضا في المجموعة القصصية «في قطار الشحن» التي ضمت اثنتي عشرة قصة. ويبدو الجو العام للقصص رومانسيا حالما، والبطل مأزوم بالوحدة والانعزال، وقد حاول عبد المجيد لطفي منح القصة القصيرة ملمحا دراميا، لكنه وقع في خطأ الاختزال للحدث الذي ينبغي أن يكون في خدمة الحبكة. وهذا ما تسبب باختلال توزيع أجزاء الحدث السردي وطريقة التعامل مع الزمن وبناء الشخصية. ومن تبعات ذلك الاختلال شعور القارئ بالملل بسبب سعي القاص الى تحشيد السرد القصير بالأحداث المتداخلة والشخصيات العديدة غير متوخ للاختزال فضلا عن هفوات فنية أخرى منها طغيان النزعة العاطفية والتمادي في الاسترجاع وتعدد الشخوص.
وقد يلحظ من يقرأ قصص لطفي القصيرة الأخرى أن بعض صور الحياة غريبة عن مجتمعنا فأجواؤها شتوية برومانسية، والعلاقات العاطفية متاحة كما أن موضوعات قصصه لا تتعدى السكر والحب والخيانة والفقر. وصحيح أن السارد في القصة القصيرة يمكنه أن يدخل إلى الحياة الداخلية للشخصية أو الشخصيتين على الأكثر، لكن ليس بالشكل الذي يجعله يشتغل بحبك قصة أخرى، فتتعدد الشخصيات وتتشت مراكز القص، والقصة القصيرة كما يصفها اكونور «تمثل صراعا مع الزمن.. أنها محاولة للوصول إلى نقطة ما من الإشراق يتضح فيها الماضي والمستقبل على نحو متساو». ولا يخلص عبد المجيد لطفي لشخصية واحدة في القصة القصيرة، بل يشرك معها شخصية أو أكثر، وهذا ما يجعل القصة نفسها مأزومة وليست الشخصية التي ينبغي أن يكون صوتها منفردا وحضورها واضحا. ولهذا كله بدا السرد عند هذا القاص أشبه بالخواطر السردية العاطفية التي تسمح بالتعدد في الحدث والشخصية والحوار من دون أي تقنين. ولقد حاول القاص الاقتراب من الشعر، لكنه لم يوفق كما وفق كثير من الكتّاب، فإن كاتبا كبيرا مثل جيمس جويس كان شاعرا قبل أن يكون قصاصا، لكنه كان يدرك متى يكون شاعرا ومتى ينبغي عليه أن يكون قصاصا.
وعلى الرغم من هذه الهفوات عند لطفي إلا إننا لا نعدم في بعض قصصه تقدما فنيا هنا أو هناك ففي قصة «في قطار الشحن» من المجموعة التي ذكرناها آنفا تغدو سلة الطعام معادلا موضوعيا لذكرى حبيبة يستعيدها البطل /السارد والقطار يسير به، وما أن يصل إلى محطة جديدة حتى يترك السلة وينزل في إشارة إلى أن الإنسان قادر على ترك سلة ذكرياته وراءه ما أن ينتقل إلى محطة حياتية أخرى. ونجد في قصته «الأوباش» التي نشرها في عام 1939 رهانا على السارد كلي العلم، ناظرا بعين الطائر مستعملا ضمير الغياب ومتوخيا السببية وهذا ما انعكس على الحبكة، التي صارت متقنة بعض الشيء ولم يعمل توظيف الحوار على تشتيت فكرة القصة بل العكس فقد أفادها.
وعلى الرغم من أن السارد استطاع التوفيق بين الشخصيات الثلاث التي ضمتهم القصة وهم (المعلم المطرود واللص القديم والعاطل المتواكل)، بيد أن عملية الاختزال في السيطرة على الأحداث والشخوص وترابطها مع المكان غدت أكثر تعقيدا. فكل شخصية لا ارتباط لها بالشخصية الأخرى سوى أن الغرفة المنحنية الجدران وأجواء القلق والظلام، هي التي تجمع بينهم، وفي كل شخصية تناقض داخلي فالمعلم سيئ السلوك واللص تائب والعاطل متأمل للحياة منتقد للكسالى. وليس إطلاق لفظة الأوباش عليهم لأنهم هامشيون وإنما لاتفاقهم الشرير الذي به أرادوا مداهمة شقة العجوز والاعتداء على حفيدتها، والاختلال هنا أن السارد يجعل الأوباش يسكنون الطابق العلوي من الدار ويجري بينهم حوارا فلسفيا حول الحياة ثم فجأة نجدهم يؤدون واجبا إنسانيا في تشييع جثمان العجوز، بيد أن المعلم اشتط ـ بلا مبرر موضوعي ـ عن الواجب وقام بخيانة المهرب. وتختتم القصة بنهاية غير مقنعة وغير مقبولة في التدليل على المغزى القصصي الذي ما ترشح من تأزم الشخصية، ومن ثم تتشتت وجهة النظر ومعها تشتت البناء الحكائي، ولم يتحقق التصعيد الدرامي الذي أراد به القاص تقليد بعض النماذج القصصية الأجنبية كما عند موباسان مثلا.
إن ما ينبغي على كاتب القصة القصيرة أكثر بكثير مما ينبغي على كاتب الرواية، والسبب حجم الضغط الذي يتطلبه الاختزال في معالجة الحادثة فنيا، والتعاطي معها بدرامية مع الحذر من أن يتصادم ذلك التعاطي مع المنطق والواقع، وهو ما لم يتوخه عبد المجيد لطفي، فوقع في إخفاقات موضوعية وفنية كتخلخل بناء الشخصية وتشظي الفعل السردي، وكان بإمكانه أن يكتب بطريقة أحسن لو التزم بالقانون الطبيعي للأشياء ووضعه أمام ناظريه حدثا محددا وشخصية يخلص لها معبرا عن دواخلها، مراعيا التسبيب ضامنا للحبكة الإتقان فقد يقع القارئ في الإيهام السردي ويتحسس جمالياته من دون أن يعي أنه قد وقع فيه.
٭ أكاديمية عراقية