ناجح خليل حتى بعد اثنين وأربعين عاماٌ على رحيله وحتى بعد خمسين أو مائة عام سيظل لعبد الناصر ذلك الوقع الخاص في داخل الإنسان العربي الذي ارتبط هذا الزعيم لحقبة طويلة من الزمن بهمومه وطموحاته الوطنية وتشبعت أحاسيسه طوال تلك الحقبة بالأماني الكبيرة التي علقها عليه، ولذلك فقد كان الغياب المفاجئ لعبد الناصر في عام 70 نوعاٌ من الإطاحة بطموحات كثيرة بنيناها في سيكلوجيتنا العربية وعودنا أنفسنا على تقبلها أو توقعها.هذه الأيام نعيش الذكرى السنوية الثانية والاربعين لوفاته ومعها نعيش ذات السؤال: ماذا لو استمر عبد الناصر موجودا لمدة كافية ولم يتوفاه الله في هذا العمر المبكر من حياة السياسيين؟ هل كان يمكن أن يحدث ما يحدث؟.وبغض النظر عن كون التساؤل يتضمن نوعاٌ من القفز على الواقع المعاش إلا أن الذاكرة العربية تحرص أحياناٌ على نبش الفرضيات.وضمن طرح هذه الفرضية يمكن لنا أن نتصور ان ما حدث ما كان يمكن أن يحدث بل من الإستحالة أن يحدث لو استمر عبد الناصر على قيد الحياة لفترة زمنية طويلة.وقد تساق هنا وعلى هامش هذه الفرضية بعض وجهات النظر التي تقول أن عبد الناصر بدوره وعندما كان في مواقع السلطة تفرد بالحكم ولجأ إلى استخدام التكتيك السياسي الذي عرضه للهجوم والنقد في مرحلة من المراحل، ولكن يبدو أن أصحاب وجهات النظر هذه غاب عنهم أن عبد الناصر استخدم التكتيك السياسي، وربما استخدم التفرد بالحكم كما يدعون في تلك الفترة، مستنداٌ إلى ذات موقفه الإستراتيجي المنطلق من حسه الوطني البالغ، ومن رفضه الشديد لأي صيغة قد يستلب في ضوئها أي حق عربي مهما كان ضئيلاٌ أو صغيراٌ، ومستنداً في الوقت نفسه الى حرصه على مصالح فقراء الشعب المصري الذين عاشوا أزهى أيام حياتهم على المستوى التعليمي والصحي وعلى كل المستويات في السنوات التي مرت في عهد عبد الناصر. ولذلك فقد كان من المستحيل أن يحدث ما حدث لو استمر عبد الناصر على قيد الحياة ولكن كان من المتوقع من الذين لا يمتلكون موقفه ولا يمتلكون استناده إلى ذات الإستراتيجية أن يمارسوا ما مارسوه.وتجاوزا لهذه النقطة نقول أن عبد الناصر زيادة على كل الأوصاف التي اطلقت عليه وزيادة على كل المواقف الشجاعة التي مارسها في حياته.. زيادة على كل شيء يظل ذلك النوع من الزعامات والشخصيات التي لا تمر في تاريخ الأمم إلا مرة واحدة، فالأمة الإنجليزية بكل امتدادها التاريخي والحضاري أنجبت عبقرية ثقافية متميزة تمثلت في شخص شكسبير لكنها بعده لم تنجب شكسبيراٌ آخر، وروسيا أنجبت عبقرية تنظيمية هائلة تمثلت في شخص ‘لينين’ الذي لا زالت تبني تقدمها وحضارتها على هدي مبادئه وطروحاته، والأمة الأميركية رسخت جذورها كأمة جاءت من الشتات والعدم مستندةٌ إلى عبقرية قيادية تمثلت في جورج واشنطن، والأمة اليوغسلافية تحررت من النازي وبنت وحدتها الوطنية بتماسك غريب و فريد من نوعه بفضل زعامة تيتو المتميزة بل حتى المتفردة.والأمة العربية عاشت استيقاظها الوطني الكامل واندفعت بعيداٌ على طريق النضال التحرري لطــــرد الإستعمار والتحرر من ربقته مستفيئةٌ بظلال عبد الناصر التي امتدت بطول أربعة آلاف ميل لتشمل الوطن العربي كله، وإلى الدرجة التي جعلت الكثيرين يعتقدون أن العرب كانوا يشعرون بالحماية والطمأنينة مع عبد الناصر، لكنهم بعده أصبحوا يحسون وكأنهم في العراء بعد أن غاب الزعيم وانكشفت ظهورهم. قد نقول هنا عزاء لأنفسنا أن الأمة المجيدة التي أنجبت عبد الناصر ستكون قادرة على أنجاب سواه، لكن أي ظلال من تلك التي نراها الآن لزعاماتنا لا تملك أن تمتد ولو بنسبة يسيرة من امتداد زعامة عبد الناصر وحضور عبد الناصر فقد كان عبد الناصر صانعاٌ ضخماٌ لأحداث التاريخ كشخصية فذة كانت الأمة العربية أكبر الخاسرين بفقده.وحينما يتكلم التاريخ سيقول أنه كان ولا زال ذلك النوع من الزعامات التي حفرت نفسها في الذاكرة بصيغ لن تمحوها الأيام مهما تباعدت أو قدمت.ماذا لو نتذكر مثلاٌ بعد مرور 42 عاماٌ على وفاة الزعيم أن كثيراٌ من الزعماء العرب ساروا في جنازة عبد الناصر وهم ينتحبون بشدة ولفرط تأثرهم فقد شاركوا الجماهير هتافها ‘بالروح بالدم حنكمل المشوار’ فكيف أكمل هؤلاء مشاويرهم؟وماذا لو نتذكر مثلاٌ أن الرئيس السادات هو الذي أذاع بيان ثورة 23 يوليو وهو الذي أذاع بيان الفجيعة يوم وفاة عبد الناصر وهو الذي أذاع بيان استعداده للسفر إلى إسرائيل أيضاٌ.وماذا لو نتذكر أن كل الذين انتقدوا عبد الناصر في حياته لم يقدموا شيئاٌ يذكر بعد وفاته ازاء ما قدمه في حياته.ماذا لو نتذكر؟.’ كاتب فلسطيني