عبد الناصر والاغتيالات السياسية عن سميرعطالله.. عن محسن ابراهيم انه قال!
امين الغفاريعبد الناصر والاغتيالات السياسية عن سميرعطالله.. عن محسن ابراهيم انه قال! عرف المجتمع العربي الاغتيالات السياسية، شانه شان كل المجتمعات التي تضيق صدورها بالراي الاخر، وتتصادم فيها الارادات، الي الحد الذي يفقد فيه الطرف الاخر اي امل في تحقيق معتقداته او تحقيق مصالحه علي السواء، فليست كل الاغتيالات تقف من خلفها مبادئ او معتقدات، وانما في الكثير منها تلوح المطامع والمصالح والاهواء، والدليل الصارخ علي ذلك اغتيال جون كيندي رئيس الولايات المتحدة الامريكيه، وهو علي قمة سلطانه، وليس زعيما للمعارضة، وانما هو الحاكم لأعتي امبراطورية عرفها التاريخ، ثم يقتل قاتله لي ازوالد وبعدها يقتل قاتل القاتل روبرت فنلكشتاين. لكي تنتهي معالم الجريمة التي اهتز لها العالم بحكم شخصية وموقع الرئيس الذي تم اغتياله وبحكم الطموحات التي كان يمثلها، بتميز راديكالي احدث قلقا لاصحاب المصالح، وبحكم موقع الامبراطورية ايضا ودورها التي كان يقودها علي المسرح الدولي، والادهي من ذلك ان يتم اغتيال شقيقه وساعده الايمن روبرت كيندي ممثل الادعاء العام زمن حكمه بسنوات معدودة وهو العارف ببواطن الامور وخباياها، والغريب ان اسرته لم تتقدم بطلب تحقيق دولي في عمليات الاغتيال، كذلك لم يحصل (المغفور له) كيندي علي لقب الرئيس الشهـــــيد، ولم تتهم كوبا مثلا وهي الجار المشاغب الذي لم تنحن هامته امام تهديد العم سام، انها وراء عملية الاغتيال بحكم انه ادار عملية غزوها من خلال خلــــيج الخنازير، ولم تتهم كذلك ان اجهزتها تتغلغل داخل المجتمع الامريكي، او ان عملاءها يحكمون السيطرة علي مقدراتها. لقد تاهت معالم الجريمة لان قبضة المصالح، في بعض المجتمعات اقوي من سلطة الدولة، ان لم تكن الثانية مسخرة لخدمة الاولي، وفي المجتمعات العربية فان الواقع ادهي وامر، وان يدعي جميل مروة ان عبدالحميد السراج هو (ابو) الاغتيالات السياسية في المنطقة العربية وذلك في البرنامج الجــــماهيري (خليك في البيت) الذي يعده ويقدمه الاعلامي اللامع زاهي وهبي مساء الثلاثاء 16 ايار (مايو) الماضي فذلك افتراء علي التاريخ وعلي الحقائق في ان واحد، وان كان يغفر للسيد جميل مروة انه يدافع عن قضية شخصية مهما البسها من ثياب المبادئ والقناعات، فالرجل يعطي جوانب عدة من المسؤوليات لعبدالحميد السراج ازاء عمليات الاغتيال كقاعدة تطورت في هذه المنطقة واتخذت لها ميادين متعدده، وهو ما يتنافي مع اي بحث محايد.فقد عرفت مصر الاغتيال السياسي مبكرا حين قتل ابراهيم الورداني بطرس غالي في اوائل القرن الماضي تحت قناعة انه سيمدد اتفاقية قناة السويس، وقتل في القاهرة اللورد موين في العشرينات بواسطة اثنين من اليهود لتعكير العلاقات المصرية ـ البريطانية، وشهدت مصر في الاربعينات سلسلة من الاغتيالات السياسية فقد قتل احمد ماهر رئيس الوزراء المصري تحت قبة البرلمان، تحت قناعة انه كان سيزج بالجيش المصري في الحرب العالمية الثانية وقتله محام شاب اسمه محمود العيسوي، وقتل محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء ووزير الداخلية لانه اقدم علي حل جماعة الاخوان المسلمين وقتله طالب في كلية الطب البيطري اسمه محمد حسن في فناء وزارة الداخلية بعد ان ارتدي زي ضابط البوليس، وقتل حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين وذلك ردا علي اغتيال النقراشي، وقبلها قتل القاضي الخازندار لانه حكم بالادانة في بعض قضايا الاخوان، كما قتل اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة لدوره ايضا في تعقب الاخوان، وفي الخمسينات حاول الاخوان بواسطة محمود عبداللطيف اغتيال جمال عبدالناصر بتحريض من مسؤول منطقة امبابة للاخوان المحامي هنداوي دوير.اما في الاردن فقد تم اغتيال الملك عبدالله في المسجد الاقصي، وفي لبنان تم اغتيال رئيس الوزراء رياض الصلح، واغتيل سامي الحناوي قائد الانقلاب السوري علي حسني الزعيم. كل تلك الاغتيالات قبل ان يبزغ نجم عبد الحميد السراج علي المسرح السياسي السوري او العربي بحكم انه كان في موقعه الاخير نائبا لرئيس الجمهورية العربية المتحدة، وقد انتهي دوره السياسي عام 1961 بوقوع الانفصال، الم يتجاوز السيد جميل مروة كثيرا في حكمه علي السراج بانه ابو الاغتيالات في المنطقة العربية؟ويتساءل زاهي وهبي عن سبب الصاق تهمة اغتيال كامل مروة بعبدالناصر فيجيب جميل مروة عن سمير عطا الله عن محسن ابراهيم انه قال ان عبد الناصرقد ذكر له (ان كامل مروة كان اكبر من صحافي) وبالتاكيد ستغمر الدهشة عقل السامع او القارئ وهو يبحث في ذلك الرد بتلك الكلمات عن اي معني للاقرار بارتكاب جريمة الاغتيال او التحريض عليها، ذلك ان مرت تلك العنعنات بسلام دون اي تحريف حتي وان كان غير مقصود، ويتساءل المرء عن تلك العلاقة التي تربط عبدالناصر بمحسن ابراهيم حتي يدلي له بذلك الاعتراف، ذلك ان عددنا تلك الكلمات اعترافا بالجريمة! ويستطرد جميل مروة فيذكر اسم سامي شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر بانه وراء التكليف، واسم عبدالحميد غالب سفير مصر في لبنان واتصالاته التليفونية، وورود هذه الاسماء يدعو للدهشة فالجرائم السياسية تتم بتكليفات لاجهزة خاصة يتصف عملها بالسرية والكتمان وكذلك اسماء المكلفين ومن قاموا بتكليفهم، ضمانا لتنفيذ الخطة، وبعدا عن الشبهات بما لا يثير الشك حول الدولة ودورها، تلك قواعد متعارف عليها، ولكن منطق السيد جميل مروة، يصور عملية الاغتيال التي ينسب رعايتها للسفارة وللسفير، ولسكرتير الرئيس، كما لو كانت عملية الاغتيال مظاهرة سياسية دبلوماسية تشارك فيها المؤسسات الرسمية في وضح النهار، ولم يعد باقيا سوي اصدار بيان رسمي من وزارة الخارجية باعلان المسؤولية عن الحادث وتقليد القائمين به الاوسمة والنياشين من خلال مؤتمر صحافي عالمي، وكما لو كان حكام مصر لا يتحسبون لمكانتهم الدولية المرموقة، وكان لهم اسهامهم في تشكيل كتلة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية بالاضافة الي المساهمة في تحرير الجزائر واليمن ومساندة الثورات الليبية والعراقية، وكان هناك بالفعل ما يطلق عليه نظام عربي كانت مصر سنده وعدته، اليست تلك المكانة الدولية حافزا للتحسب دون الجهر، ذلك ان صح الاتهام، وهو متهافت من الاساس، والدليل علي ذلك ان المحكمة من جانب اخر لم تشر الي اي ارتباط، وبمرور كل تلك السنوات لم تصدر عن اي جهة تفصيلة واحدة او مجرد اشارة تفضح سرا او تكشف دورا، وعلي تعدد الحملات المشبوهة التي قامت ضد عبد الناصر تحاول ان تقتلع جذوره من قلوب وعقول امة بكاملها، او ان تغتال ذكراه، لم يشر احد انه اصدر امرا او كلف شخصا بالاقدام علي عمل مشابه، بل اننا لو عدنا الي تاريخ عبدالناصر لكي نتعرف علي طريقته في التفكير، واسلوب حركته، فسوف نجد ذلك واضحا في وثائق الثورة التي صدرت في عهده، وفي خطبه واحاديثه الصحافية، وهي من الوفرة بحيث تعطي الملامح كاملة. حول الاغتيالات السياسية يقول عبد الناصر في فلسفة الثورة انه حاول مع كمال رفعت اغتيال اللواء حسين سري عامر وكان قائدا لسلاح الحدود لعلاقته الوثيقة مع الملك وحاول زجه في انتخابات نادي الضباط، وبعد ان اطلق عليه الرصاص فعلا وعاد الي منزله، وضح له خطأ ما اقدم عليه وخطط له، وتمني لو ان الرصاص قد اخطأه، وهو ما حدث تماما فقد نجا حسين سري عامر، ويستطرد عبدالناصر في القول ان الاغتيال السياسي لا يجدي، ولا يعني تصحيحا او تصويبا، وانما يريق دما ولا اكثر من ذلك، فالاصلاح يستدعي اصلاح النظام وليس الخلاص من افراد مهما كان دورهم. ثم نأتي لقيام ثورة يوليو، ورفضه القاطع اعدام الملك فاروق وقال ـ حسب رواية الاستاذ هيكل ـ ان الدم لا يولد غير الدم، ولذلك فلندع التاريخ هو الذي يحاكمه، ثم اي خطورة تلك التي كان يمثلها كامل مروة تستدعي اغتياله من قبل نظام له جماهيريته العربية الكاسحة، هل لمجرد انه يهاجم الاشتراكية؟ ان للاشتراكية خصوما كثر، صاغ ضدها الامام احمد امام اليمن قصيدة، وقال الملك الحسن تصريحا (نحن لا يمكننا ان نتسامح مع بن بيلا لانه قد اتي بجرثومة الي هذه المنطقة اسمها الاشتراكية)، وبالتاكيد لم ترحب السعودية بها ومروة كان علي علاقة وثيقة معها، يكشف عن ذلك ـ حتي وان كان في اطار النفي ـ جميل مروة حين يقول ان جلالة الملك فيصل وجه له الدعوة بعد اغتيال ابيه وهو لم يتعد السادسة عشرة من العمر وربت علي كتفه معزيا و(حنونا) وهو يقول لا تصدق ما يقولونه عن ابيك وارتباطه بنا فقد اخذنا منه ولم يأخذ منا!في حرب 1956 كانت هناك احدي عشر محطة اذاعيه لقوي كبري تهاجم عبدالناصر وتصفه بالعميل السوفييتي وانه مجرم وسفاح ومأجور، ولم تحرك كل هذه الادعاءات ساكنا لدي عبدالناصر، بل انه قال ذات مرة: حين يخف الهجوم علينا اتساءل يبدو اننا نسير في الاتجاه الخاطئ.والسؤال الذي لا مندوحة من طرحه، اي وزن ذلك الذي كان يمثله كامل مروة، لكي ترتعد فرائص الحكومة المصرية من كتاباته، اتأدب فاكتفي بالابتسام، ويقول جميل مروة لقد اغتالوه لانهم لم يستطيعوا شراءه، وسؤال اخر يطرح نفسه، هل كان سعيد فريحة مأجورا لعبد الناصر وهل كان غيره من الصحافيين اللبنانيين والعرب بل والاجانب امثال جان لاكوتيرالفرنسي وكارنيجي الهندي وانتوني ناتنج البريطاني وغيرهم ماجورين واستعصي فقط كامل مروة علي ذلك فتم اغتياله!ثم تاتي شهادة المحامي في البرنامج ويقول ان عمره وقتذاك كان اثنين وثلاثين عاما وان المرحوم بهيج تقي الدين قد فاتحه لكي يقوم بالدفاع عن ابراهيم قليلات مشيرا انه سيخرج من تلك القضية بريئا، ويضحك جميل مروة معقبا (قضاء معلب)، ويخرج قليلات بريئا بالفعل ليس لان القضاء معلب فقد ادين ثلاثة متهمين ولكن لان الادلة ضد قليلات كانت متهافتة كما يتبادر الي ذهن اي منصف.لا يمكن توجيه الاتهامات للجميع جزافا ودفعة واحدة، للدولة الكبري في المنطقة وتحت زعامة تاريخية كانت محل اكبار وتقدير ودور لا ينكر في حركة التحرير العربية والافريقية، ثم اتهام للقضاء في دولة اخري انه معلب مع انه حكم بالادانة لمتهمين، لانه لم يشمل متهما رابعا في سهرة تتداعي فيها الذكريات علي امتداد اربعين عاما.استعير في النهاية كلمات كاتب كبير رحل عن هذا الزمان ولكنه ترك لنا فكرا ورؤية وشهادة تتحدي كل الاراجيف عبر كل الازمان وهو احمد بهاء الدين قال فيها عن عبد الناصر: سيبقي كبيرا كبيرا في صفحات التاريخ بعد ان تطوي صفحة كل الذين هاجموه او تطاولوا عليه.8