لمباركية نوّار في ذاكرتي قصة تتضمن موقفا يظهر ردا حازما من ردود المثقف والمجاهد الوزير مولود قاسم نايت بلقاسم ـ رحمه الله، وأجزل له الثواب ـ التي عرف بها. وهي قصة ألقى بها في سمعي واحد ممن أثق في أحاديثهم. وفحوى هذه القصة مختصرا هو أن وزير الشؤون الدينية مولود قاسم نايت بلقاسم، وفي أحد ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تحتضنها الجزائر، سمع شبابا واقفين في حلقة حوار يخوضون في إصدار أحكام حادة عن علماء مسلمين ورجال وطنيين مشهود لهم بالعلم والتقى والصبر على البلاء. فاقترب منهم خلسة لما شده حديثهم، وراح يسترق السمع. وكانوا كلما ذكر واحد منهم اسما علما إلا وقذفوه بتهمة باطلة لإصابته في مقتل. ولم يتوقفوا من ترديد تهمهم البشعة التي استنكرها، وتوزيعها بين ماسوني ومرتد وزنديق وعميل وسكير ومزدوج الجنسية… وما إلى ذلك من التهم التي تسقط عن الرجال العظماء هالات التبجيل والتقدير. وما أن أنهوا حديثهم المشحون بالافتراءات والأباطيل وصور الإفك، حتى دنا منهم، وخاطبهم بقوله: لم يبق لكم إلا واحدا لم تضعوه على لوحة التشريح، ولم تخدشوه بمباضعكم الصدئة. فاندهشوا، وتبادلوا النظرات، ولم يستطيعوا سؤاله لمعرفة من يقصد. وأدردف يقول لهم: لم يبق أمامكم سوى بوعلام تيتيش. وبوعلام تيتيش، لمن لا يعرفه، هو شخصية شعبية عاصمية ألفت إحياء المناسبات الدينية والوطنية والحفلات العائلية بنفخه في مزمار يخرج صوتا متميزا بتقطعاته أكسبه شهرة وسمعة. وهو عندي أشبه بـ ‘زامر الحي’ الذي كان بطل إحدى قصص الكاتب المصري محمود تيمور.منذ سنة إلا قليلا، دعيت لحضور وقفة تأبينية أقيمت في جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية في مدينتي الثانية قسنطينة لإحياء أربعينية فقيد الجزائر الكبير الأستاذ عبد الحميد مهري. وكان لهذه الدعوة حظوتها وقيمتها في نفسي؛ لأنه من باب الاعتراف الذي تخفق له القلوب في نشوة أن تتذكر حاضرة العلم والعلماء مدينة قسنطينة رجلا بصم حياتنا التاريخية والفكرية والسياسية والأخلاقية ببصمته التي ارتقت في التفرد والجمال، وترك آثارا بارزة في صفحات تاريخ الجزائر المعاصر، وأن تحيي أربعينيته في صرح نرتقب أن تعلو سمعته، وتصبح معاندة لسمعة جامع الزيتونة في تونس الحبيبة وجامعة الأزهر الشريف في مصر الغالية. وكان قد ألح علي من أبلغني الدعوة على إعداد مداخلة تتوافق مع المناسبة. ورغم أنني حاولت التنصل من هذا العناء، إلا أنني وجدت نفسي، في نهاية المطاف، مستجيبا، لطلبه عن رضى واقتناع. ولكن، لم يكتب لكلمتي المتواضعة أن تلقى على مسامع الحاضرين. ولم أحاول، من جانبي، الاستقصاء عن الأسباب التي استبعدتني من بين المتكلمين. وجــمعت للمنظمين ما يكفيهم من الأعذار التي تقيهم كل عتاب أو لوم. كانت كلمات المتدخلين الذين تناوبوا على الكلام، والذين تفرقوا بين مجاهدين من أصدقاء المرحوم الأستاذ عبد الحميد مهري ـ رحمه الله ـ وأساتذة مهتمين بالتاريخ الوطني تصب في قرارة الثناء والتنويه بالرجل وبجلائل أعماله وباقة أخلاقه. فهو متميز في كل شيء، حتى في قراءته للأحداث الوطنية والعالمية، وفي استشرافه لخبايا المستقبل، وفي اعتداله في إصدار الأحكام على مواقف الأشخاص، وفي إجهاد نفسه للبحث عن مبررات تخفف من انحرافاتهم ومزالقهم وشططهم. وأكاد أجزم أن قلبه النبيل خال عن آخره من أدنى ذرات الحقد على أي كان، وخاو من زخات التشفي في غيره ولو كانوا من المسيئين إليه.ولكن أحد المتدخلين الذي أوجز مضمون ورقته التي أعدها في أربع نقاط، على ما أذكر، أراد أن يحول الوقفة إلى محاكمة للنيل من شخص الفقيد عبد الحميد مهري غير مراع حتى لشعور عدد من أفراد أسرته الذين كانوا من بين الحضور، وفي مقدمتهم أبناء وبنت أخيه الشيخ الإمام المولود مهري رحمه الله. وخلفت كلماته التي صاغها في صورة أحكام قطعية امتعاضا وقلقا في نفوس الحاضرين مجاهدين وأساتذة وطلبة.وفي واحد من سياقات حديثه لام الأستاذ عبد الحميد مهري عن قوله: (إن الاشتراكية يطبقها الاشتراكيون) التي سمعها في شريط تسجيلي عرض في بداية الوقفة. وعاتبه عن قله تحمسه للاشتراكية ومدحه لفضائلها. وبعد أن كال له تهما مجردة من كل سند وإثبات، وصفه وصفا لا يليق بشخصه الكريم لما فيه من الحقارة والازدراء. ومن اجل توضيح فكرته وتبسيطها، استعان بمخزون التراث الشعبي المحلي، وقال ما معناه إنه لم يكن سوى حفنة من بقوليات موضوعة فوق تلة طبق الكسكسي لترصيعه وتزيينه، وفتح شهية آكليه. ولما أحس بتململ يستهجن أحكامه الباطلة، أردف متسائلا كمن يستحضر إثباتا لا يتسلل إليه الشك من أجواف المتون المحكمة، ومستقطبا جبينه حتى غارت تجاعيده، وفائلا: ألم تقرؤوا ما كتبه فتحي الديب في كتابه: ‘عبد الناصر.. وثورة الجزائر’ عنه؟.لم تكن، وقتها، الفرصة مناسبة للرد عليه من طرف بعض الحاضرين احتراما لروح الفقيد الذي تعلمنا منه الصبر عن المظالم، وتقديرا لحرمة وقداسة المكان الذي كنا نجتمع فيه.تذكرت، في الحين، أنني أملك في مكتبتي نسخة من كتاب رجل المخابرات المصري فتحي الديب (1923 ـ 2003م) الذي عمل مقربا من الرئيس جمال عبد الناصر ومهندسا لنشر أسس ثورة يوليو (جويلية) 1952م، وكنت قد اقتنيتها من مدينة غرداية منذ سنوات لما زرتها مشاركا في ملتقى عن التربية الصحية حضره أجانب منهم صيدلي من الأردن الشقيقة، وطبيب أسنان من سوريا حماها الله مما يحاك لها. وكنت قد قرأته في حينه، إلا أنني لم أتذكر إنني وقفت فيه على سطور تحط من قيمة شخصية الأستاذ عبد الحميد مهري، وخاصة أن وعيي السياسي كان في تلك الفترة مركوزا في متابعة كل ما يتعلق به وباهتمام بالغ لحداثة عهد اكتشافي له كرجل سياسة وفكر وقلم. ولحظتها، حضرت في ذهني ملاحظة مسترجعة عن هذا الكتاب استوقفتني بمجرد أن حملته في يدي لأول مرة. واستنكرت عن كاتبه تقديم عبد الناصر عن الثورة الجزائرية في عنوانه، وتفريده بالذكر على حساب مصر العزيزة وشعبها الأبي؟؟. ذلك، لأن الثورة الجزائرية هي منجز جزائري شعبي أصيل ونابع وعظيم. ومع تقدم الأيام، تبين لي أن مؤلف الكتاب كرس جهده لخدمة أهداف محددة بعد اختلافه مع الرئيس محمد أنور السادات، ومبارحته الوظيفة التي كان يتولاها مستقلا عنها.لقد حفزني ما سمعت للعودة باحثا في كتاب فتحي الديب عن موطن الإساءة الذي استشهد به المتحدث، وأراد أن يجعل منه برهانا إقراريا يدعم به وجهة نظره المستنكرة. ووجدت أن فتحي الديب كتب في الباب التاسع الذي تحدث فيه عن تشكيل أول حكومة جزائرية، وفي الفقرة الرابعة من الباب الأول منه التي حملت عنوان شخصيات أعضاء الحكومة كما حللتها، كتب في الصفحة 393 من الطبعة الأولى التي صدرت عن دار المستقبل العربي في القاهرة مصدرا حكمه على الأستاذ عبد الحميد كما يلي: (عربي الأصل، تأثر كثيرا بآراء البعثيين خلال عمله كمندوب للجزائر بسوريا، عضو سابق بحزب الشعب، وصولي يعمل لصالحه الشخصي، إخلاصه مقصور على نفسه، لا يؤمن بالقومية العربية). والغرابة التي تلفت الانتباه هو أن فتحي الديب لم يمنح أي واحد من أعضاء الحكومة المؤقتة الأولى الآخرين الذين ‘حلل’ شخصياتهم نقاط امتياز وعلامات استحسان إلا واحدا منهم سيرد ذكره في ما بعد. ومن دون معرفتي، حينها، للخلفيات وتفاصيلها التي تتوارى خلف هذا الحكم الظالم الذي يريد فتحي الديب أن يلبسه سرابيل اليقين باستعماله لكلمة ‘التحليل’ التي تعني التفكيك والنظر في المتون والمفاصل والإمعان في الاستقراء والوزن قبل إصدار الحكم، فإنني أدركت أن التناقض الصريح والصارخ باد في جمله الواحدة بعد الأخرى. إذ كيف يكون الأستاذ عبد الحميد مهري متأثرا بأطروحات حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يوجز هدف نضالاته القومية في شعاره المعروف والمحفوظ: ‘أمة واحدة ذات رسالة خالدة’، ولا يؤمن بالقومية العربية؟. وكيف ينتخب بعد مغادرته لحزب جبهة التحرير الوطني لتولي منصب الأمين العام للمؤتمر القومي العربي في لبنان؟. وأي محل تحتله كلمات الشيخ راشد الغنوشي الذي وصفه في حياته بأنه أحد كبار القوميين الإسلاميين الذي يقف في الصفوف الأولى. وأما قوله أنه وصولي يعمل لصالح نفسه وإخلاصه مقصور على نفسه، فهو قول باطل ومردود وممجوج، ولو أتى من باب الانطباع الذي يتأرجح بين الصواب والخطأ. ولو كان الأستاذ عبد الحميد مهري انتهازيا، وحاشا لله أن يكون كذلك، فكيف يرضى أن يقف موقفا معتدلا ووسطيا وباذلا الجهد لإصلاح ذات البين بين الطرفين المتخاصمين في مؤتمر طرابلس من غير أن يميل لترجيح كفة فريق على آخر بعد أن فرقت المصالح جمع الإخوة، وشتتت كلمتهم شذر مذر، كما يقولون؟. وكيف يغادر أبهة الحكم وزخرفه ونعيمه، ويقبل الاكتفاء بمهنة التعليم بمرتب زهيد ينقص عن مرتبة بقية أقرانه من الأساتذة الثانويين؟. وكيف يتواضع لحمل محفظته وامتطاء الحافلة كأي واحد من المواطنين البسطاء قاصدا أو عائدا من مكان عمله؟. ولو صح تقدير فتحي الديب، فهل كان الأستاذ عبد الحميد مهري يقف المواقف الرجولية التي يعجز أمامها السرد والإحصاء والتي تبناها منذ توقيف المسار الديمقراطي في الجزائر إلى آخر رمق من حياته؟. وكيف ينحاز متناغما مع نبض الشعب وآماله وأحلامه؟ وكيف يكون هو خير من يعبر عن طموحاته في اعتدال وصلابة؟؟. وهل من السلامة بعد هذا الادعاء الملفق أن تبقى أحاسيس كل أطياف أبناء وطنه مشدودة إلى شخصه حتى بعد رحيله؟؟. وكيف تفسر غزارة الدموع التي نزفت من عيون محبيه ومحترميه بعد سماع نعيه، وحتى من طرف الرجال التاريخيين كالمجاهد حسين آيت أحمد، أطال الله عمره، وغيره؟. إن المقاييس التي اعتمدها فتحي الديب لتقويم شخص الأستاذ عبد الحميد مهري لا تستند إلى أية ركيزة علمية تحقق وجاهتها وسلامة الأحكام المترتبة عنها. وهي كلمات مرسلة ومجردة من الموضوعية والمصداقية؛ لأنها خالفت الصواب. ولعل الغوص في أوحال الذاتية والانقياد للمزاج والهوى هو الذي جعل مؤشر ميزان تقدير فتحي الديب ينحرف جهة القراءة الخاطئة التي لا هم لها سوى تعرية الرجال الصناديد من أفضالهم ومزاياهم؟. كانت الوقفة التي أقامتها صفوة من الأوفياء لروح الأستاذ عبد الحميد مهري في قصر الثقافة مالك حداد في مدينة قسنطينة بمناسبة ذكرى رحيله الأولى يوم الأربعاء الماضي خصبة وثرية. ولما تحدث المجاهد والسفير رابح مشحود، توقف عند دور الأستاذ عبد الحميد مهري في تشييد صرح تمثيلية الثورة الجزائرية في سوريا نظرا لقساوة الظروف التي كانت سائدة، وقتذاك. وعرج في كلمته المرتجلة على ذكر جهده في إقناع المشرفين على مجلة ‘الثقافة’ السورية لتخصيص عدد خاص يحيط بالقضية الجزائرية إعلاما وتحليلا. وبعد اتصالاته المتكررة بالدكتور مصطفى السباعي والأستاذ عصام العطار وهما من أقطاب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا تمكن من تحقيق مراده، ونال ما أراد، وظهر أحد أعداد المجلة يحمل على صفحته الأولى صورة للعلم الجزائري. وتؤكد هذه المعلومة أن الأستاذ عبد الحميد مهري كان متفتحا على كل المذاهب الفكرية والمشارب السياسية في سوريا، ولم يكن نشاطه محصورا في تقمص أفكار حزب البعث لوحدها. ولما استرسل في كلمته، كشف المجاهد رابح مشحود خلفيات الإساءة التي أراد فتحي الديب أن يلحقها بالأستاذ عبد الحميد مهري في كتابه المشار إليه. وتعزى، تحديدا، إلى كلام قاس أسمعه الأستاذ عبد الحميد مهري لفتحي الديب في موقف حاسم لما رأى منه محاولته إدخال أنفه في قضية جزائرية محضة تخص الثورة التحريرية. فقد أراد فتحي الديب، ولربما بإيعاز من جهة أخرى، أن يبوئ الأستاذ أحمد توفيق المدني منصب ممثل جبهة التحرير الوطني في الخارج مباشرة بعد حادثتي اختطاف طائرة الزعماء الخمس والعدوان الثلاثي على مصر. ومن أجل تحقيق مبتغاه، راح يطوف بالمسؤولين الجزائريين عارضا عليهم اقتراحه وشارحا لوجهة نظره عن هذا الاختيار التي أوجزها في إشاعة البعد العربي في أوصال الثورة الجزائرية. ورغم أن اقتراحه لم يكن مستساغا من طرف الكثيرين، إلا أن تحفظاتهم لم تكن معلنة وصريحة. ولما عرض فكرته على الأستاذ عبد الحميد مهري قابله برفض قاطع لم يكن يتوقعه، ورد عليه بقوله: (إن للثورة الجزائرية وجها عربيا جزائريا ثوريا، ولكن تعيين المسؤولين فيها لا يكون بوحي من أي أحد، وإنما يكون بإرادة الجزائريين أنفسهم). فأغتاظ فتحي الديب من هذا الرد الذي قطع أمامه كل حبال الحيل والمناورات. ويؤكد المتحدث أن هذا الكلام سمعه من الأستاذ عبد الحميد مهري نفسه. ولما نعود إلى تصفح كتاب فتحي الديب، نجد تقييمه للمجاهد أحمد توفيق المدني إيجابيا، ومزدانا بصنوف من عبارات الرضى والمدح والثناء التي لم يكن منها أدنى نصيب لكل من قوّمهم قبله من أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة الأولى. وقد حوت ملاحظاته عنه المحمولة في الصفحة 394 ما يلي: (هو من أعضاء جمعية العلماء الجزائريين الذين انضموا للثورة بعد قيامها، مؤرخ، عربي الأصل والتفكير والثقافة والاتجاه، مخلص لعروبته وبلده، يقف بعيدا عن التيارات المتصارعة، وإن كان يوافق على رأي الأغلبية بغض النظر عن قناعته الشخصية). رحم الله الأستاذ عبد الحميد مهري، ورزقنا شيئا من صفاء وطنيته السمحة التي لا تقبل المساومة أو التحريف. وغفر الله لفتحي الديب، وتجاوز عنه خطأه، وجزاه كل خير عما قدم من مدد وسند للثورة الجزائرية. *كاتب وباحث من الجزائرqadqpt