عثرت علي جدّي في وثائق المخابرات
سهيل كيوانعثرت علي جدّي في وثائق المخابرات أذكر جدي لوالدتي بمشهد واحد ولبضع ثوان فقط أسمّيه مشهد القروش العشرة! يقف في الطريق بالزي التقليدي،كله ابيض باستثناء عقاله فوق كوفيته وبعض شعرات في لحيته، ينقدني عشرة قروش بيضاء ويمضي! وكي نعرف ماذا تعني عشرة قروش لطفل في الرابعة نصرفها الي عشرين حبة ملبس في زمن لا يظهر فيه الملبس إلا في الأعياد والأعراس أواحتفاء بوصول رسالة صوتية من لاجئ في بلاد الغربة!جدي لوالدتي لجأ عام النكبة من قرية شعب الي مجد الكروم مع بعض أفراد أسرته وتشتت آخرون الي لبنان وغزة! والدتي التي تزوجت في مجد الكروم كانت تكثر من الحديث عن جدي وعن أهل قريتها وتفاخر بهم حتي اتهمها والدي بالعنصرية والتعصب الإقليمي! أما أنا فقد أقنعتني أن عدد أخوالي لا يقل عن ألف خال وخالة، وفقط بعد عقود فهمت أنها اعتبرت كل أهل قريتها أخوالي وخالاتي. ورغم كل ما حكته عن ذكرياتها في قريتها الأصلية فقد غاب عن ذاكرتها الكثير أو أنها لم تجد من المناسب أن تذكره لي! بعض ما نسيته وجدته أثناء قراءة كتاب(هيلل كوهن) الممتع( عرفيم طوبيم – عرب جيدون)،الذي يتحدث بتفصيل كبير عن تعامل جهاز المخابرات الإسرائيلي مع العرب المتبقين في وطنهم في سنوات الإحتلال الأولي،واقشعر بدني عندما قرأت اسم جدي في الكتاب ووضعت خطاً بالحبرالأحمر تحت اسمه وكدت أعيد له قروشه العشرة!في فصل”الأرض المحروقة” المخصص عن القري المهجرة و(الحاضرين الغائبين) مثل جدي،يذكر الكاتب أن السلطات منحت أحد عملائها وهو من قرية الدامون المهجرة حق استغلال أراضي قرية شعب كمكافأة له علي عمالته! هذا العميل اختار بيتا ليسكن فيه من بيوت القرية ولم يكن هذا سوي بيت(رشيد حسين) الذي سيصير جدي!ويقول المؤلف معتمدا علي وثائق المخابرات أن بعض سكان(شعب)الأصليين الذين تمكنوا من التسلل اليها وهم بضع عشرات من أصل ألف ومئتي نسمة،هاجموا بيت العميل( الذي كان بيت جدي) وحاولوا إخراجه منه بالقوة وتزامن هذا خلال خوض معركة قضائية بين (رشيد حسين) والسلطات عام 1955،مدير دائرة الزراعة في منطقة الجليل ذهل لهذا الحادث وطلب من الشرطة معالجة أمر( المتسللين ) وطبعا أنقذت السلطة عميلها وبقي جدي لاجئا في مجد الكروم حتي وفاته بعد بضع سنوات! تأبطت الكتاب ودخلت الي غرفة والدتي ابنة الرابعة والسبعين وكانت شقيقتها ابنة السادسة والسبعين قد جاءت لعيادتها! بدون مقدمات ذكرتهما بالحادثة المكتوبة فأكدتا أنها لم تكن المرة الوحيدة التي حاولت فيها الأسرة العودة الي بيتها ولكن المرة الأولي كانت بمبادرة من العميل نفسه وفي العام 1949! رددت مندهشا – من العميل نفسه!- نعم من العميل نفسه! وفهمت أنه أرسل لجدي من يخبره يإمكانية عودته الي بيته معززا مكرما والعيش فيه(طبعا دون أن يملكه ودون الأرض التي صادرتها الحكومة)! جدي لم يكذب خبرا وحمل متاعه وعاد وأسرته الي بيته،ولكن بسرعة تبينت نوايا العميل الذي لم يكن باحثا عن حسنات ولا هو من التائبين! فقد طمع بالصبيتين( وهما العجوزان الجالستان أمامي الآن)كي يتخذهما زوجتين لإثنين من جماعته! جدي رفض الصفقة وهذا النسب،فقام العميل ورجاله برمي أغراض الأسرة في الحارة لتعود الأسرة لاجئة الي مجد الكروم التي تبعد عن(شعب) ثلاث أو اربع كيلو مترات هوائية ولتتزوج الصبيتان هناك لتصبح إحداهما والدتي! استمتعت جدا بقراءة كتاب(عرب جيدون) فهو يكشف الكثير من المستور في تعامل السلطات مع هذه الأقلية مباشرة بعد النكبة،وهو يتحدث عن بعض العملاء بأسمائهم، وكذلك عن المتمردين و(العصاة)،وعن الدعم المادي بمختلف أشكاله للعملاء وحرمان المعارضين من حرية طلب الرزق خارج قراهم!كذلك تم تزويد العملاء بالسلاح ومن خرج عن الطاعة سُحب منه،بعضهم أخذه ليفاخر به وبعضهم أراده كي يزاحم علي(المخترة) وبعض سماسرة الأرض لحماية أنفسهم من القوميين مع سطوع نجم الناصرية!(الجهاز)لم يترك شاردة ولا واردة إلا وتدخل فيها،توظيفات،تراخيص عمل،تجارة وغيرها،كذلك رصد الخلافات العائلية حتي التي كانت بسبب عروس أو ثأر قديم لإستغلالها في الوقت المناسب! كذلك رصد عملاؤه الأغاني في الأعراس ليعرفوا من خلالها مزاج الناس،يذكر الكاتب أهزوجة انتشرت في الأعراس العربية “لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما بنرحل أرض العروبة للعرب صهيوني شيل وارحل” وهي من كلمات الشاعر الشيوعي في حينه ابن قرية البعنة حنا ابراهيم!أقرأ(عرب جيدون) وأقول ما أشبه الليلة بالبارحة! ها هي الأساليب نفسها وإن صارت أكثر دقة وذكاء،السلاح نفسه لتوسيع الشرخ بين الأخوة،ها هم يحاصرون هذا ويطلقون ذاك،يزرعون الشك بين الشقيق وشقيقه،يقسمون الناس الي راغبين في (السلام )ورافضين له،يحسبونها جيدا متي يتدخلون ومتي يتركون للعرب تنفيذ المهمات القذرة،ومهم أيضا أن نعرف بأن أحد العملاء تمت تصفيته بيد الجيش الإسرائيلي نفسه بعد تقديمه خدمة قذرة لهم وراء خط وقف إطلاق النار!المهم هو استمرار السيطرة ومنع هذا الشعب من تحقيق أحلامه …علي كل حال رحمة الله عليك يا جدي! قروشك التي منحتني إياها قبل أكثر من أربعين عاما..صارت تساوي عندي ملايين..!ہ كاتب من فلسطين0