عداء الفضائيات العربية للثقافة… والأتراك استوطنوا القنوات العربية!

العديد من القنوات التلفزيونية العربية تكنّ عداء دفينا للثقافة، وتعتبرها مجرد سقط متاع، فهي لا تتوفر في غالب الأحيان سوى على برنامج واحد أو برنامجين، وتتعمد بثهما في أوقات ‘ميتة’، حيث تنخفض مستويات المشاهدة إلى درجات دنيا. وفي المقابل، تخصص لبرامج الترفيه والمنوعات أفضل الأوقات، وتكرس لها دعاية مكثفة طيلة الأسبوع؛ معتبرة أن المُعلنين يفضلون هذا النوع من البرامج، بحكم نسبة المشاهدة المرتفعة التي تحققها. ومن ثم، نجد أن أولئك المعلنين هم من يحددون الاختيارات البرامجية للتلفزيونات، وليس متطلبات الخدمة العمومية في الإعلام.
والحق أن المعلنين يلتقون مع معظم أربات القنوات التلفزيونية العربية في إقصاء البرامج التي تساهم في تشكيل الوعي الجمعي وتنمية الذائقة الجمالية وإبراز الأوجه الحضارية والثقافية والفكرية للمجتمعات العربية، لأن ما يهم أولئك المسؤولين هي برامج التسطيح والتسفيه وإفساد الذوق العام وتكريس نفس الأوضاع السائدة في جميع المجالات.
صحيح أن بعض المؤسسات التلفزيونية العربية أحدثت قنوات ثقافية متخصصة، ولكن محتويات هذه القنوات لا تخرج عن نفس التوصيف، من خلال تمييع الثقافة وإعطائها مدلولا فضفاضا وتصورا سطحيا.
هذه الأسبوع، تنقلت بين ثلاث قنوات ‘ثقافية’ عربية، فشاهدت العجب العجاب: فالثقافية السعودية غارقة في أتون السياسة حتى النخاع، إذ تبث برامج ونشرات إخبارية تتمحور معظمها حول الإرهاب وسبل مكافحته. كما أنها تركز على الزخارف التقنية في ما يتعلق بالإنتاج التلفزيوني وتهمل الجوهر الثقافي.
أما ‘الثقافية’ المصرية، فهي الأخرى تعزف على وتر السياسة، وتركب الموجة السائدة، من خلال قيامها بالمهمة ‘القومية’ المتمثلة في التهليل للانتخابات وللمسار ‘الديمقراطي’ الرائد الذي تدخله ‘أم الدنيا’ آمنة مطمئنة.
وحين حوّلت الاتجاه إلى ‘رابعة’ القنوات المغربية: الثقافية، وجدتها تبث دروسا تعليمية لتلاميذ الأقسام الثانوية بطريقة بدائية لا علاقة لها بالصناعة التلفزيونية ولا بأسئلة الثقافة والمثقفين.
قد يقول قائل: إن ما تبثه القنوات الثقافية العربية المشار إليها لا يخرج عن نطاق الثقافة بمفهومها الشامل، فالسياسة ثقافة، والدروس التعليمية ثقافة… وإذا سلمنا بهذا المنطق الذي هو حق يراد به باطل، فلا حاجة لنا إذن، بالقنوات الثقافية المتخصصة، حيث تصير كل القنوات ثقافية، سواء قدمت برامج الطبخ أم المسابقات الرياضية، أم البرامج السياسية، أم الحفلات الفنية…

المسلسلات المستوردة: السم في الدسم!

اهتدت بعض القنوات العربية إلى أسهل الاختيارات لملء شبكات برامجها، عبر اعتماد أسلوب الإعادات في المسلسلات التركية القادمة من تركيا أو من أمريكا اللاتينية. وإذا علمنا أن حلقات هذه المسلسلات تفوق في الغالب المائة حلقة أو ما يزيد، تبين لنا الكم الهائل لساعات البث التي تكسبها تلك القنوات طيلة شهور وشهور، وبدون تعب؛ ولاسيما أن منتجي تلك المسلسلات يعتمدون أسلوب التمطيط والتطويل لغاية تجارية محضة، فالمسلسل الذي يمكن أن يشمل خمسين حلقة، مثلا، يمكن أن يتمطط إلى 200 حلقة.
خطورة هذه المسألة تتعدى المعطى العددي والزمني، لتشمل الخطابات التي تسعى تلك المسلسلات إلى بثها في المجتمعات العربية، والمتجلية في إضفاء المشروعية على أنماط سلوك معينة، تشكل قطب رحى جل المسلسلات، كالانتقام والقتل والخيانة الزوجية والإنجاب خارج العلاقة الزوجية وغيرها من الممارسات التي تضرب قيم الأسرة العربية في الصميم.
فهل يعي مسؤولو القنوات العربية أنهم بصدد تقويض منظومة القيم داخل المجتمع العربي، لإنتاج مسلكيات جديدة قد تتحول إلى ظواهر خطيرة يصعب علاجها في ما بعد، إذ يكون السيف سبق العذل؟

دين ودنيا… أم الدين في خدمة الدنيا؟

اهتدت بعض القنوات التجارية العربية إلى حيلة ماكرة للإيقاع بالمشاهدين، إذ تبث طيلة اليوم قراءات مجوّدة للقرآن الكريم بالصوت فقط، في حين تملأ الحقل المرئي بصور لإعلانات تجارية بطريقة إغرائية، من خلال إبراز الجسد الأنثوي.
إنه تناقض غريب، واستغلال فاضح للدين الحنيف، لا يقلّ خطورة عن استغلاله لأهداف سياسية أو حزبية. كما أن في ذلك النهج تعارضا مع أخلاقيات مهنة الإعلام التي تقتضي عدم التغرير بالمشاهد وعدم خداعه أو استغلال النزعة الدينية فيه لأغراض تجارية بحتة.

إنهم يكرهون ‘الرأي الآخر’!

لا أتردد في الإعلان عن تضامي وتعاطفي التامين مع صحافيي ‘الجزيرة’ المعتقلين ظلما وعدوانا من طرف السلطات ‘السيسية’ التي حولت البلاد كلها إلى سجون ومعتقلات.
ويبدو أن صدور حكام مصر الجدد تضيق عن الرأي المخالف، إذ أنهم لا يريدون سماع سوى عبارات التمجيد والإطراء. وبذلك، نجدهم يسعون إلى تحويل الإعلام المصري ـ ولاسيما السمعي المرئي ـ إلى مجرد بوق للدعاية لهم وتمجيد ممارساتهم التي تضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط، بشهادة عدة منظمات حقوقية دولية. ولكن، إلى متى؟

* كاتب من المغرب
[email protected]

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية