دمشق – ‘القدس العربي’ من يارا بدر : أهرب، أغادر مكاني وزماني كما يفعل الآلاف كل يوم ومنذ عشرات السنين، أبدّل محطة التلفاز بعد نشرة الأخبار وأهرب إلى فضاءات أخرى، مُتخيّلة في معظمها، عن أزمنةٍ وقضايا وأناس نادراً ما يكونون مرهقين مثلنا من أصوات القصف ويوميات العنف، لأستيقظ في الصباح وأنا أحلم بأنّ ما اعيشه هو مجرّد شريطٍ سينمائي آخر، وذات صباح أو مساء سوف تكتب ‘النهاية’. في هذا الصباح استيقظنا بنشاطٍ مبعثه فكرة عيد ميلاد والدي، وقررنا أنا ووالدتي الانطلاق مبكراً إلى أسواق العاصمة نقوم بجولة ونستغل التنزيلات القائمة منذ عام ونصف ونشتري هدية له. ركبنا في باص النقل العام في تمام الساعة العاشرة صباحاً والعشر دقائق، بعد انتظارٍ قارب الثلث ساعة. وتفاءلنا خيراً، فرحلة الطريق الذي كان يستغرق في السابق قرابة 35 دقيقة وحالياً ساعة قد بدأت، والسائق ليس عجوزاً يهوى الثرثرة ويطيل الوقت. لم نعبر بأي حاجز بعد أن غادرنا منطقتنا المصنّفة ضمن ‘ريف دمشق’، واجتزنا المول الكبير وبدأت طلائع آثار الاشتباكات والقصف الذي ضرب منطقة ‘نهر عيشة’ تظهر لنا، فجأة ونحن نغرق النظر إلى الواجهات الزجاجية المحطة، إلى الأبنية المحترقة، توقف السير. لم نعبأ بالأمر، إلاّ أنّ صوت السائق البارد صعقنا على حين غرة:- من لديه عمل يقضيه في دمشق فلينزل هنا، ويمضي سيراً على الأقدام، ربما يكون وضع الطريق أفضل بعد الحاجز، المرة السابقة بقينا هكذا لثلاث ساعات. بشكلٍ أتوماتيكي هبطنا أنا ووالدتي، وبدأنا السير مع جمعٍ يتزايد في كل لحظة. الناس تنبع من سيارات الأجرة، من باصات النقل، وحدهم مالكو السيارات الخاصة بقوا عالقين في الجسر المعدني الذي شكلته وسائل النقل المتوقفة. بدأنا نسير ولا نرى أيّ حواجز، الوقت يمضي، شعرنا بالتعب، حاولنا تقطيع الوقت بالحديث عن أيّ شيء سوى هذا الجمود المُفرّغ من الحياة، بعض السيارات ارتفعت بها درجة الحرارة، المنطقة ‘نهر عيشة’ والمحلات الخدمية غدت بقايا نادرة، وربما من الخطر الدخول إلى الحارات للطرق على الأبواب وإحضار مساعدة ما. تزايد التعب، وحلّ الصمت مكان الثرثرة الفارغة، ليس استسلاماً بل للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأوكسجين، وتنظيم عملية التنفّس بسهولة أكبر. وعاودني الفيلم الذي شاهدته قبل ساعات، في الليلة السابقة، ‘In Time’، فيلم أميركي جديد، عن ‘روبن هود’ الزمن القادم، حين تكون الحياة مجرّد زمن. بعد سن الخامسة والعشرين، تبدأ ساعة الإنسان بالعمل، ليستنفد من رصيده هذا، وليعمل، وليعيش. تأخذ قرضاً هو عبارة عن زمن ‘دقائق أو ساعات أو ايام أو اشهر أو سنوات’ وتدفع الفائدة بالقيمة المماثلة، هذا هو راتبك الشهري وهذا هو العملة التي تدفع بها ضريبتك الشهرية. وذات لحظة يغدو عداد حياتك هو صفر، لينفجر القلب وتسقط ميتاً. روبن هود الفيلم يسرق من الأغنياء زمناً يرى أنّه أصلاً مسروق من الناس ليعيده إليهم، فلا يحق لأحد أن يعيش مئات السنين وآخر تسعة وعشرون عاماً مثلاً وبضع دقائق، يحارب هو وصديقته الفاتنة من أجل ‘يوم آخر’، هذا هو سلاحهم الوحيد: اكتساب يوم آخر، ففي يوم يمكن للإنسان أن يصنع الكثير.وابتسمت. كنّا قد وصلنا إلى الكراج الرئيسي لحافلات النقل، حيث الحاجز المسؤول عن كل هذه الكارثة، وذلك بعد أن سرنا بحدود 2 كلم، من هذه النقطة تشاركنا في سيارة أجرة عابرة مع راكبها الأساسي، وصلنا إلى ساحة ‘المرجة’ في دمشق قبل الساعة الواحدة ظهراً بدقائق. لنكتشف أنّ الرحلة إلى السوق عليها أن تكون سيراً على الأقدام كذلك، إذ تعددت الطرق الرئيسيّة المغلقة في قلب العاصمة، خاصة الطرق التابعة والمؤدية إلى ساحتان من أهم الساحات هما ساحة ‘السبع بحرات’ و’ساحة المحافظة’، حيث يجد المرء نفسه عادة على مقربة من أسواق ‘الحمرا’ و’الصالحية’ و’الشعلان’. هل نعود إلى المنزل؟ هل نرمي بكل تعبنا إلى الريح ونلجأ إلى منزل نرتاح فيه؟ أم نتابع؟ وكم سنسير إلى أن نصل السوق؟ رفضنا العودة، وتابعنا السير. كان علينا أن نتابع السير لنتابع ما يشبه الحياة وهو ‘حياتنا’، تذكرت ما يُروى عن الاعتقال، حيث يكون قاتلك هو الوقت بثقله، بفراغه، بعدميته، تمر الدقائق كما قال شاعرٌ ذات يوم ‘كزحف الرمل دون هدفٍ أو غايات’، وأنت مقيّد إلى عجزّك، كان علينا أن نتابع السير لنقول لأنفسنا أننا لسنا بعاجزين بعد، نفقد الوقت بدقائقه وساعاته، نفقد يوماً آخر، ولكننا نصنع منه ولو شيئاً قليلاً. حين وصلنا السوق، اشترينا علبتي ماء، وحذاءً لي خصّص لقطع المسافات الطويلة، وهديّة والدي، وبهدوءٍ عدنا إلى المنزل بعد رحلة استغرقت ثماني ساعات، كانت أغلبها سيراً على الأقدام، من أجل شراء هدية.