لعلّ هذا العام هو عام التغيير والثورات في الدول العربية، وبداية عهد جديد ونوع آخر من الحكم تصنعه أيدي الشباب الحر والمقهور. كانت بداية هذا التغيير كما هو معروف في تونس التي أشعلت الفتيل وأنارت الدرب لباقي الدول المتعطشة إلى الحرية. ثارت بعدها مصر، التي أثبتت وبجدارة قدرة الشعب على صنع القرار وصنع التغيير وكسر عقدة الخوف من هذه الأنظمة التي مارست أبشع أنواع الكبت وأقسى أنواع الحكم بحق أبنائها. والان ليبيا ما زالت تعاني، ما زالت تدفع الدماء والأرواح وتضحي بهما ثمناَ لحرية أبنائها وتحررهم.
انتقلت العدوى إلى عدة دول عربية لتصل إلى سورية بعد تخطيط طويل وخوف عظيم واندلعت شرارتها في 15 اذار/مارس في دمشق ودرعا. لا يختلف الوضع في سورية عن باقي الدول العربية التي عانت الفقر والاستعباد في ظل الديكتاتورية والحكام الذين توارثوا السلطة والحكم وفرضوها قسراً على الشعب. لكن لربما الكبت وقمع الحريات والتضييق على الناس وحقهم في التعبير في سورية كان من أشد وأقوى الأنظمة، لدرجة أن أحدا لم يستطع أن يناقش موضوعا سياسيا أو يشتكي من سعر الخبز والمواد الغذائية. كما أن أحداً لم يستطع أن يبدي رأيه بمسألة البطالة التي بدأت تزداد وتعلو، أو المحسوبيات المنتشرة والفساد المعروف في الدوائر الحكومية، التي اعتادها الناس، لدرجة أن الشعب تخدر فظنها أمورا طبيعية.
ربما حان وقت الثورة لم يحصل الشباب السوري على فرصة للتعبير عن تطلعاتهم في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يقرروا مسألة انتمائهم للحزب الحاكم. فهذه مسألة كانت محتومة ومقررة لكل شخص من دون أن يسأل. وتطلع الشباب السوري إلى التغيير في عهد النجل الكريم، الذي ما ان استلم سدة الحكم حتى بدأ بالوعود بالتغيير والاصلاحات الديمقراطية، وتحسين وضع المعيشة وتأمين فرص عمل للشباب الجامعي الذي لا يستطيع أن يجد فرصة للعيش، كما وعد بإعطاء مساحات من الحرية للمواطنين للتعبير عن آرائهم فيما يخصهم من أحكام وقوانين. لكن كل تلك الوعود بقيت وعودا ومازال يعد. وخلال تلك العشر السنوات، لم يكتف الجهاز الحاكم بالوعود، بل فرض الخوف على الناس وحكمهم بقبضة من حديد. وسلط عليهم أجهزة المخابرات بدناءاتهم لتعكر حياتهم. لدرجة أن الشباب السوري تربى على الخوف من تلك الأجهزة. بالطبع لم يأت هذا الخوف عبثاً. فأغلب طلاب الجامعات لديهم تجارب مريرة مع المخابرات، لأتفه الأسباب ولحجج واهية وأسباب سخيفة وما رافق تلك المرحلة من اعتقالات. لربما كل هذا مجتمعاً هو ما أخر اندلاع الثورة السورية، التي بدأت الدعوات لها منذ كانون الثاني/يناير عبر الإنترنت. لكن ما إن بدأت حتى سقط خمسة قتلى، وتم إطلاق النار من قبل عناصر الأمن والشرطة، وتدخل الجيش، واعتقل مئات الشباب والشابات والأطفال. بالإضافة إلى مداهمة البيوت في مدينة درعا، التي خرج أهلها ليطالبوا بالحرية وهتفوا سلمية سلمية، إلا أن الأمن السوري لم يردها سلمية، فقتل ودمر واعتقل. والسؤال يبقى: هل حقاً استيقظ شبابنا بعد نوم على الذل والقمع التعسفي والاعتقالات العشوائية التي امتدت لأربعين عاماً؟ هل انتهى مفعول الحجج الواهية ومخدر الخطابات والترهيب والأكاذيب التي تلفقها السلطة؟ وإذا حدث ذلك حقاً واستيقظ الشعب ليطالب بثروة بلاده وحريته المسلوبة، فإلى أي مدى من القمع ستصل ممارسات الحكومة السورية، وهل سيحمل الجيش السلاح ضد أبناء شعبه العزل؟ سارة هانسن. كوبنهاغن ـ الدانمارك