الناصرة-“القدس العربي”: رغم أن كورونا تجتاحها وتضرب في عدد كبير من مستوطناتها بشكل خطير، لم تخرج إسرائيل بعد من دوامتها السياسية المتواصلة وعاد ساستها المتصارعون على السلطة لتبادل التهم والتهديدات بعدما كادا أن يتوصلا لاتفاق بتشكيل حكومة طوارئ. ويرى مراقبون إسرائيليون أيضا أن استمرار الأزمة السياسية بهذا الشكل الساخر في ظل أزمة تشكّل تهديدا غير مسبوق على دولة الاحتلال واقتصادها، إنما تعكس أزمة عميقة بدأت تتراكم قبل سنوات مفادها تراجع الحماس للفكرة الصهيونية وتغليب المصالح الشخصية والفئوية على مصالحها العامة. كما يرى هؤلاء المراقبون بمن فيهم بعض رؤساء أجهزة الأمن السابقين أن هذا الاعتناء المفرط في المصالح الشخصية يفسّر غياب القضية الفلسطينية من الحلبة السياسية/الانتخابية في إسرائيل وفقدان رؤية لتسويتها، محذرين من أنها تدفع نفسها بنفسها نحو تسوية الدولة الواحدة وهي الطريق الأسرع لتصبح لا يهودية ولا ديمقراطية قبيل أن تصبح دولة عربية فلسطينية، كما حذّر رئيس المخابرات العامة “الشاباك” يوفال ديسكين على صفحته في فيسبوك قبل أيام. يشار إلى أن غانتس تنكر أيضا لوعود سياسية خارجية لا داخلية فحسب، ترتبط بالقضية الفلسطينية أيضا، فبعدما كان يعرب عن تحفظه من فكرة ضم المستوطنات والأغوار الفلسطينية كجزء من تطبيق “صفقة القرن” عاد وأبدى مرونة بذلك متماثلا مع موقف اليمين.
وفي الأمس أجرى رئيس الوزراء ورئيس معسكر اليمين بنيامين نتنياهو ورئيس حزب “أزرق-أبيض” بيني غانتس اتصالا هاتفيا تبادلا به التهاني بعيد الفصح اليهودي واتفقا على استئناف المفاوضات لتشكيل حكومة وحدة بدءا من اليوم الأحد. في المقبل يشكك عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين بنوايا نتنياهو معتبرين أنه يواصل المناورة ولن يذهب لخيار حكومة وحدة يتقاسم رئاستها مع غانتس بعدما انشق حزبه وخسر نصف أتباعه وبات حزب “العمل” وحزب “ديرخ ايرتس” (شكله اثنان من نواب أزرق-أبيض بعدما انفصلا عنه) استعدادهم للتحالف مع نتنياهو ما يعني تمكينه من تشكيل حكومة ضيقة بدون غانتس. وقبيل إقدام غانتس على إعلانه بالانحياز لحكومة وحدة مع نتنياهو بخلاف وعوده السابقة، حذره بعض قادة حزبه وعدد كبير من المراقبين من أن نتنياهو سيستغله جسرا وسيقوم بتفتيت حزبه ومن ثم التراجع عن فكرة تقاسم رئاسة الحكومة معه، لكنه كان يردد بأن “إسرائيل أولا” وأن حال الطوارئ الحالية تستدعي حكومة وحدة وطنية، ومع ذلك وجهت له اتهامات بأنه عديم التجربة السياسية وأقدم على حماقة شراء السمك في البحر.
وشهد الأسبوع الأخير تراشقا متجددا بين الليكود برئاسة نتنياهو وبين “أزرق-أبيض” برئاسة غانتس، بعدما توقفت المفاوضات نتيجة خلافات حول” توزيع الغنائم”. وحسب تسريبات صحافية فإن المفاوضات تفجرت على خلفية خلاف شب حول ما يعرف بـ “لجنة تعيين القضاة” وهي لجنة سياسية ومهنية مشتركة مهمتها تعيين القضاة في دولة الاحتلال وحاول “الليكود” التمسك بشرطه بأن يمتلك حق النقض (الفيتو) على قراراتها. رسميا يعلن الليكود أنه بذلك يريد حماية الجهاز القضائي من قضاة يساريين ويتدخلون في صلاحيات السلطة التنفيذية، لكن مراقبين كثر يرون أن هذه محاولة بائسة لحماية عدد غير قليل من قادة الليكود المتهمين بالفساد وتنتظرهم محاكمات قضائية، وبالتالي فهو يرغب بضمان نفوذ له على قرارات المحاكم. كذلك يشار إلى أن الليكود شدد موقفه في هذا الموضوع على خلفية احتمال تعيين المدعي العام السابق، شاي نيتسان، قاضيا في المحكمة العليا وكان نيتسان قد قاد التحقيقات وتقدم بلائحة الاتهام بمخالفات فساد خطيرة ضد نتنياهو. في المقابل هناك من يرى أن الخلاف هنا ليس جوهريا لكن الليكود يفتعل الخلافات كل مرة من جديد للتهرب من خيار حكومة وحدة لصالح حكومة ضيقة يترأسها نتنياهو فقط وبدون تناوب، خاصة أن حكومة وحدة من شأنها أن تثير خلافات داخل معسكر اليمين نتيجة صراع على حقائب وزارية يقل عددها عن عدد الحالمين بها في مثل هذه الحالة. ويتفق المحللان السياسيان رفيف دروكر وأمنون أبرموفيتش في القناتين الإسرائيليتين 12 و 13 على أن غانتس وقع أسيرا بيد نتنياهو بعدما نجح الأخير في تقسيم “أزرق-أبيض” نتيجة رغبة غانتس بالانضمام لحكومة وحدة، خاصة عقب تلقيه من نتنياهو عرضا سخيا يتمثل بتقاسم وزارات الحكومة ورئاستها مناصفة رغم أن تعداد حزبه 16 نائبا فقط.
وعلى خلفية توقف المفاوضات وعودة تسريبات الطعن المتبادل قال غانتس في حسابه على فيسبوك إن “الوضع السياسي في إسرائيل معقّد، ويتطلّب قرارات وحسما”. وأضاف “مؤكد أنكم تعلمون أن المفاوضات بينا وبين الليكود لتشكيل حكومة طوارئ وطنية كانت على وشك أن تتم بنجاح هذا الأسبوع. لم يحصل أي طرف على ما يريد، نحن أيضًا. لكن كل طرف حصل على الأمور الضرورية عنده. نتنياهو ومفاوضوه طلبوا، قبيل التوقيع بفترة قصيرة، طلبا يضرّ بالعمل السليم للجنة اختيار القضاة خلافا لما تم الاتفاق عليه”. وردّ الليكود على غانتس باتهامه أنه هو من أفشل تشكيل الحكومة، وورد في بيان “من اللحظة الأولى تم الاتفاق على أن حكومة الوحدة المتساوية تقوم على مبدأين اثنين واضحين: اتخاذ قرارات بشكل متساوٍ في كل القضايا، والدّفع بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفّة الغربيّة المحتلة”. وأضاف البيان “للأسف، في اللحظ الأخيرة، تراجع أزرق-أبيض” عن هذه الاتفاقيات التي هي قاعدة إجبارية لكل حكومة متساوية. في اللحظة التي تعود فيها إلى الاتفاق الأولي سيكون بالإمكان إكمال الاتفاق وتشكيل حكومة وحدة”. وقال “أزرق-أبيض” في بيان مقتضب إنه “بعد التوصل إلى تفاهمات حول جميع المواضيع، طلبوا في الليكود إعادة البحث حول عمل لجنة تعيين القضاة. وفي أعقاب ذلك توقفت المفاوضات. لن نسمح بأي تغيير في عمل لجنة تعيين القضاة والمس بالديمقراطية”.
وأمام هذه الحالة يتعين على بيني غانتس التقدم بطلب للتمديد أو إعادة التفويض إلى الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين وهي المرة الثانية خلال عام يفشل فيها غانتس في تشكيل الحكومة وقد فشل نتنياهو أيضا في المهمة مرتين خلال تلك الفترة. ونوهت الإذاعة الإسرائيلية العامة أمس إلى أن ريفلين ربما لا يستطيع ان يمنح غانتس تمديدًا ولهذا السبب هناك سيناريوهان: إذا اجتمع نتنياهو وغانتس وقالا إنهما بحاجة إلى مزيد من الوقت لإنهاء محادثات الوحدة وحل بنود النزاع الفردي (بما في ذلك اللجنة القضائية) لذلك من المتوقع أن يمنح الرئيس غانتس 14 يومًا أخرى.
وثانيا إذا لم يتفق الاثنان، فلن يسمح بتمرير التفويض إلى نتنياهو المتهم بالفساد ولكن سيعيدها ريفلين مباشرة إلى الكنيست وفي هذا السيناريو، سيخبر ريفلين رئيس الكنيست أنه لا يوجد مرشح وعليه ستتم الدعوة لانتخابات رابعة. لكن ووفقا للإذاعة العبرية، كيف يمكن أن تعقد انتخابات في ظل فيروس كورونا؟ منوهة أن هناك محادثات في إسرائيل حول انتخابات رابعة على مبدأ أن يستمر التصويت بين خمسة وسبعة أيام، حيث سيذهب الجمهور للتصويت وفقًا لأحرف الاسم الأخير وبالتالي تفضل الأحزاب عدم القيام بذلك ولا الإسرائيليون المتعبون من تكرار الذهاب للصناديق علما أنهم فعلوها ثلاث مرات منذ نيسان/ابريل 2019.