باسل أبو حمدة من جديد ترسب المنظمومة الأخلاقية الانسانية، وفي غير موضع، في امتحان الأخلاق بتحويلها الوجع الانساني إلى مجرد ملف أو رقم أو عدد منها يتدلى من أجندات حسابات لمصالح ومطامح ومطامع تعني بدلالاتها اللغوية وغير اللغوية أنه على المقلب الآخر من المعادلة ثمة ضحية تشكل شرط تحققها وإلا لما كانت تسمى على هذا النحو، ما يضع ماهية الانسان في مأزق وجودي للخروج منه أو التخفيف من وطأته عمد الاستراتيجيون إلى الحديث عن مصالح مشروعة وأخرى غير مشروعة، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام معضلة أخلاقية أخرى تتعلق هذه المرة بمن يحدد مشروعية تلك المصالح من عدمها إلى أن ظهرت مقولات شرعنت، بدورها، السعي إلى تحقيق تلك المصالح بغض النظر عن الضرر الذي ستلحقه بالطرف الآخر من المعادلة، المهم أن تجد طريقها إلى ميدان الواقع، ما يحيل المسألة برمتها إلى قانون شريعة الغاب، الذي ينزع عن الانسانية انسانيتها ويضعها في مستوى غرائزي لا يليق حتى بحيوان. تضارب الآراء وتزاحمها حول قضية معالمها واضحة وضوح الشمس كالقضية السورية يدفع بهذا الاتجاه بعد أن أمعن الجلاد سكينه في جسد الضحية وتماهى في فعلته لا سيما بعد أن وجد نفسه، بالفعل لا بالقول، بين مؤيد ومعارض رغم وضوح معالم الجريمة وانفضاح هوية مرتكبها في مشهد سوداوي اللافت فيه أن أبطاله يعتبرون في غالبيتهم من الطبقة المثقفة على المستويين الجمعي، الذي يشمل دولا ومجتمعات بكاملها، والفردي الذي تنضوي تحت لوائه شخصيات فكرية وثقافية وأدبية وفنية لها بصمتها في تنوير البشرية وفي محاولة ترسيخ انسانية الانسان، لكن في مواضع وحالات أخرى خارج إطار الحالة السورية الراهنة، ما يجعل هذه الطبقة الطليعية جديرة بلقب من يكيل بمكيالين أكثر من تلك القوى العظمى التي لطالما أخذ عليها هذا النوع الجائر من السلوك. قد تتعدد أسباب لجوء هذه الطبقة إلى الكيل بمكيالين أو أكثر بدءا بشبكات مصالح ممثليها الجزئية الضيقة وليس انتهاء باصطفافاتهم البنوية والأيديولوجية وربما التغرير ببعضهم، لكن سبب هذا الانحراف الكبير والخطير عن بوصلة القضايا العادلة يكمن، في المقام الأول، بطبيعتها النزقة والجبانة وعدم قدرتها على مواكبة الحراك الاجتماعي، ما يجعل مراهنتها قصيرة المدى وتطلعاتها لا تتعدى حدود الجغرافيا الضيقة التي تتحرك في كنفها، فتجدها تتخذ مواقف متضاربة من قضية واحدة لا يفصل بين عوامل وحدتها سوى حدود سياســـية من المفترض أنها متجاوزة من قبل تلك الطبقة بحكم جنوحها إلى الكونية كما هو مفترض.كما أن هذه الظاهرة تميط اللثام عن هشاشة موقع المثقف عموما والمثقف العربي على وجه الخصوص وتنم عن ضعف التصاقه بطروحاته لا بل عن تذبذبها أيضا تبعا للمكان والزمان اللذان يتحرك في فضائهما، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول كل ما يقوله ويكتبه ويتخذه من مواقف رغم محاولات ترفعه المكشوفة على تلك المواقف، التي وصلت عند الكثير منهم إلى حد الوقاحة عند محاولة تبريرها على المكشوف وربطها بضرورات ما بات يسمى خداعا بالعيش الكريم الذي لا يستقيم في هذه الحالة مع تعدد المكاييل في التعامل قضية انسانية لا يختلف حتى ساذجان على عدالتها.الجغرافيا السياسية هي المنطلق والمآل في آن إذا، حيث يتناسى المثقف كل قضية جائرة يدور في فلك جغرافيتها السياسية طالما هو يعيش كنفه، بينما يفتح النار بكل قواه على الجغرافيات السياسية الأخرى المعادية لها، وعندما تتبدل هذه الجغرافيا، ما اسهل عليه أن يوجه نيرانه إلى جغرافيا سياسية أخرى ربما تكون هي نفسها التي كان يعيش في كنفها وهكذا دواليك، متحولا بذلك إلى مجرد أداة رخيصة بيد حاكم يجيد لعبة المثقفين أكثر من المثقفين أنفسهم على قاعدة المثل العربي الشائع: ‘إذا عرفت ديته، عليك به’.. عدو الأمس جليس اليوم، وكأن المثقف المعاصر، إذا جازت التسمية طبعا، لا يريد أو لا يقدر على الخروج من عباءة هذا الحاكم ويصر على أن يبقى مثقف البلاط محاكيا بذلك شاعر البلاط في الماضي الغابر، الذي يبدو حاضرا بفضل مثقف اليوم.. كلاهما، شاعر الأمس ومثقف اليوم، ينتظران عند العتبة ما يغدق عليهما حاكم جائر.. كلاهما يجيدان وظيفتهما ويعتقدان أنها تكمن في السعي إلى ارضائه وادخال السعادة إلى قلبه في لعبة طرفاها يدركان أن هدفها الأول والأخير استحواذي وإقصائي لدور يفترض أن يلعبه المثقف في المجتمع ليس بالضرورة بالمعنى المباشر للكلمة وإنما بالمعنى العام. لا فرق بين مثقف يتماهى مع حاكم جائر ويطري عليه وآخر يشاطره العداء ويقذفه بكلماته الخارقة الحارقة بحكم موقعه الجغرافي وظروف عمله وحياته اليومية، فكلاهما مرتزقان لا بل إن رشقات النوع الثاني أوقع من الأول لأنها تأتي مواربة ملفحة بغطاء الشعارات والقيم الانسانية المثلى كما أنها حق يراد منه باطل في أحسن الأحوال وقد يصعب رصدها أو يطول قبل أن تتكشف الحقائق ويحدث الانقلاب التالي، بينما يبقى النوع الأول مكشوفا أمام ناظر الجميع بحيث يسهل التعامل معه ووضعه في إطاره السليم.لا فرق بين الكلمة والطلقة في هذه الحالة، فكلاهما يمتلك القدرة على القتل، لا بل من نافلة القول إن الطلقة قد تفتك بفرد لكن الكلمة قد تهلك مجموعة أفراد أو مجتمعا بكامله، كما أن الطلقة من طبيعتها عندما تطلق أن تحدث دويا يسمعه ويرى تأثيره القاصي والداني بينما تنسل الكلمة بصمت خبيث لا يدرك مدى تأثيره إلا بعد وقوع الفاجعة وربما لا يدرك ابدا في ظل انزياحات سياسية كبرى تشهدها المنطقة استتبعها تنقلات تناظرها في الحجم في جسم حراكها الثقافي وحركة مثقفيها ومراكز ثقلهم في خروج صارخ عن سياقاتهم الطبيعية، ما عنى تجميد امكانيات تطورهم الطبيعي وانقلاب على مقولاتهم التي تأسسوا عليها كل حسب جغرافيته السياسية الجديدة التي تفرض عليه استبدال مواقعها واستخداماتها وحالات توظيفها. أما الطامة الكــــبرى، فتكمن في أن هذا المثقف عندما لا يبدي استعداده لمقاومة تلك الانزياحات القصرية والصمود في موقعه، فإنه بذلك يخلي الساحة ويتركها في مهب أهواء أنظمة مارقة تقف بالأساس وراء نكبته المتمثلة في تشتيت الطبقة التي ينتمي إليها وتفكيكها بغية الانقضاض عليها وسلبها دورها وتوظيفه في الاتجاه المعاكس لطبيعته التنويرية وحرمانه من استقلايته وجعله مجرد موظف عادي مثل أي موظف آخر يعمل في مؤسسة للبريد مكتفيا بنقل الرسائل باتجاه واحد محدد باحكام.وربما هذا ما يفسر أحد اهم عوامل الاستعصاء الذي يشهده الربيع العربي وكذلك ارتداداته والانقلاب عليه في جميع مخرجاته الجغرافية وخصوصا في الحالة السورية، فكل المعطيات تشير إلى أن فاعلين في المنطقة والعالم قد تداركوا امكانية عودة الأمور إلى نصابها باتجاه تعديل وضعية الوقوف على الرأس والعودة إلى الوقوف على القدمين كما هو معتاد بعودة سياقات التطور الطبيعي للمجتمعات العربية عموما وللمثقفين على وجه الخصوص، فكان لا بد من زعزعة مسارات التغيير في البلدان التي اسقطت الطغاة فيها وعرقلتها في البلدان التي لا تزال تسعى إلى ذلك وأولها سوريا. ‘ كاتب فلسطينيqmdqpt