العراق هو البلد العربي الجريح الذي احتضن كل العرب في فترة من الزمن ليصبح اليوم عراق الدم والطائفية، وكأن العراق لم يعد البوابة الشرقية التي تصد عن محيطها العربي سموم الشرق ورياحه الخبيثة التي ما إن سقطت بغداد في براثن الاحتلال حتى ثارت الزوابع السياسية والطائفية في خليجنا العربي ولتصل لعموم الجزيرة والشام. لا تكاد تمر مرحلة من مراحلنا التعليمية إلا ووقفنا على العراق وحضارته وتاريخه وإسهاماته في الانجازات البشرية والحضارية على مر العصور التاريخية المتعاقبة، حيث يعتبر العراق أكثر البلاد العربية صنع التاريخ وغير مجراه على مر العصور منذ حمورابي إلى نبوخذ نصر، مروراً بالعباس والرشيد إلى عهد صدام والثورة العلمية الحديثة والصناعية وبرامج الطاقة النووية التي توقفت بعد عام 1990 ليدخل العراق في منعطف تآمري ليوقعه في فخ غزو الكويت لتكون أولى بدايات السقوط التدريجي في مستنقع الإحتلال الامريكي والدخول في مرحلة غيرت خارطة الوطن العربي عامةً نتيجة التصدع الكبير الذي حدث في خارطة الوطن العربي بإحتلال بغداد.واليوم نتفرج على العراق الجريح ينزف دما ويتراجع ليعود أكثر تخلفاً في كل شيء بعد أن اعتاد أن يكون في الصدارة في كل شيء. عشرة أعوام منذ سقوط بغداد والوضع من سيىء إلى أسوأ والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية في تدهور مستمر، ولا نستطيع هنا ان نذكر ايجابية واحدة منذ سقوط بغداد لا على الصعيد العراقي ولا على الصعيد العربي. قبل عام 2003 لم نكن نعرف إلا عراق واحد فقط لنكتشف بعد احتلاله أن هناك عراق السنة وعراق الشيعة وعراق الكرد وعراق المنطقة الخضراء، حيث تدار العملية السياسية في عراق ما بعد صدام. كان العراق رغم الحصار قوياً ومتماسكاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ولكن ارادوا أن لا يتركوه طويلاً بهــذا الحال كونهم استعجلوا القسمة التي كانوا قد خططوا لها طويلاً بعد اقصاء نظامه الوطني ليستبدلوه بنظام آخر يوافق على كل قسمه يقرونها، وليت أن من جاء مع جحافل الاحتلال عملوا لصالح العراق وشعبه وكسروا عنه طوق الحصار والتعويضات التي أنهكت كاهل العراق بل زاد نهب ثرواته وزاد الفقر والقتل وتفكك نسيج الشعب العراقي إلى أنسجة عليلة تفتك بها آفات التطرف والتحزب الطائفي والعرقي والديني.وحسب ما جرت عليه العادة في تاريخ الامم اعتادت كل الشعوب على مر العصور تمجيد رجالهم الأبطال على مواقفهم الشجاعة والبطولية في صراعاتهم مهما اختلفت المبررات والغايات. يضل الإنصاف موجودا بقدر ما تعكسه مواقف هذه الشخصيات لتكون دروسا وعبرا متناقلة بين اجيالهم وفي محطات تاريخهم، إلا أن رجالات النظام الجديد في العراق نسوا أن ما مضى هو تاريخ العراق وليس تاريخ صدام، وحسب حيث يحاولون أن يشوهوا مسيرة حافلة بالإنجازات العراقية العلمية والصناعية بني فيها جيل عراقي متسلح بأرقى الشهادات العلمية والأدبية ليكون رافداً ومخزونا ثريا للعرب عموماً وهم جيل الثورة العلمية، ولعل قانون بريمر في اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي كان معول هدم سريع وفعال لوحدة العراق واستقراره، حيث ان الجيش لم يكن جيش صدام بل جيش العراق ومنتسبي البعث كانوا من شعب العراق ومن رجالاته الأوفياء وكان منهم العلماء والمفكرون والمثقفون والسياسون ومن عامة الشعب العراقي بالملايين وليسوا مئات حتى يبعدونهم، هذا القانون، ما هو إلا تفتيت شعب بأكمله وتهجيره، حيث نجد ما سلم من هذه العقول الآن في مختلف دول العالم في ارقى المراكز العلمية والبعض منهم في دول عربية عديدة أرادت أن تحتضن هذه الطاقات العلمية والعقول العظيمة لتساهم في تنمية دولها وشعوبها.علينا أن نعي ان المنطقة بحاجة إلى مخلصين من أبناء امتنا العربية لينقذوا ما يستطيعوا انقاذه من اوطانهم المبعثرة إلى أشلاء. لا بد من اعادة تقييم سريع وشامل والنظر إلى حال الامة من الزاوية الصحيحة حتى نستطيع ايجاد الحلول المناسبة بعد التشخيص الصحيح لحال الامة وما آلت إليه، وأعتقد بعد مرور عشرة اعوام على سقوط بغداد لا بد وان يكون المشهد قد اتضح كاملاً وحتى ما وراء الكواليس لم يعد مخفياً، فالأمور اصبحت واضحة وكل من يساهم في تدهور وتمزيق هذا الجزء الغالي من الوطن العربي اصبح ماثلاً للعيان.فنحن نتطلع للدور الذي يمكن أن تلعبه مصر ودول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة القادمة إذا ما تآلفوا على قلب رجل واحد ليعيدوا حال الأمة إلى مسارها الصحيح.بخيت كيرداس الشحريqmn