عراق التغيير وظاهرة شبق السلطة

حجم الخط
0

د. محمد مسلم الحسيني

منذ ان زفت بشائر الديمقراطية المستوردة في عراق التغيير ونزلت هذه الديمقراطية متمايلة عن اليمين وعن الشمال في الشارع العراقي المزدحم بنوازعه وافكاره حتي تبينت ظواهر غريبة لم يكن الكثير منها في التقدير او الحسبان! من هذه الظواهر تكالب الناس علي هذه الديمقراطية الوهمية والنهش بجسدها وكيانها وروحها وكل حسب طريقته ونهجه حتي اضحت بين عشية وضحاها جسدا مضرجا بالجراح وبالدماء! فقد تشوه وجهها الجميل واصبح مليئا بالكدمات والاورام، حتي بدا وجه الدكتاتورية الكالح اجمل بكثير منها!

من الظواهر الغريبة التي تكشفت وبانت تحت ضوء ديمقراطية العراق واشعاعاتها ظاهرة الارهاب وفقدان الامن وخوف الناس من الخروج الي الشارع والنزاعات الحزبية والطائفية والركض وراء المصالح الشخصية والفئوية والاختلاسات المالية وغرابة في التصرف والسلوك وشذوذ في النهج الاجتماعي والكراهية والحقد والغيرة والحسد والعدائية والمستقبل الغامض الذي تضعف فيه الآمال وتضيع فيه الحسابات. وما هذه الظواهر الخطيرة التي تضرب عمق الوطن ومستقبله الاّ افرازات ونتائج لاخطاء حدثت وتحدث باستمرار في نهج تطبيق هذه الديمقراطية. ومن اهم هذه الاخطاء القاتلة تغييب الوطنيين وعشاق الوطن عن ساحة عراق التغيير وغياب الشخص المناسب عن مكانه المناسب. نعم لقد هبت عاصفة الديمقراطية وجرفت معها الوطنيين والعقول والكفاءات واهل الخبرة وابعدتهم عن مراكزهم التي يجب ان يعتلوها ورمت بهم بعيدا في غياهب الارض وثناياها. المتابع والخبير في الوضع العراقي الحالي يستطيع ان يستنتج ويقر بان هناك ظاهرة مرضية تضرب المجتمع العراقي اليوم اسميها بظاهرة شبق السلطة. ولهذه الظاهرة وكأي ظاهرة مرضيّة اخري اسبابها ودواعيها ونتائجها وافرازاتها. ومن اهم اسباب هذه الظاهرة هو الحرمان الاجتماعي والثقافي والمادي والسياسي الذي عاني منه الشعب العراقي منذ القدم. مكامن هذا الحرمان المزمن والمستشري في المجتمع العراقي قد تفجرت وتبعثرت حال اعلان الديمقراطية المجوّفة ومبدأ حكم الشعب لنفسه. خرج الشعب العراقي واهما الي فضاء الحرية الملوث بجراثيم المآسي والويلات وخرجت معه زحمة المشاعر المحبوسة والمكتومة فأحدثت ضجيجا هائلا وروائح ومشاهد لا يستسيغها العقل والحس ولا المباديء والاصول. كان لهذا التفاعل الغريب مردوداته الغريبة والمؤثرة والتي تجعل المشرّع يعيد حساباته في اصول تطبيق الديمقراطية في بلدان متعبة ومظلومة ولفترة طويلة مثل العراق. حيث ان خبرة الديمقراطية في العراق تقودنا الي الاستنتاج بان التغيير الديمقراطي في هكذا بلدان يتطلب وجود مرحلة انتقالية تحضيرية قد تكون طويلة بين حالة الدكتاتورية وحالة الديمقراطية وفي غياب الظروف الاستثنائية كالاحتلال مثلا. غياب هذه المرحلة والانتقال الفوري من حالة الي اخري دون التحضير والتأهب لعلاج مواقع ردة الفعل، سوف يؤديان الي مضاعفات لا تدرك نتائجها وقد تكون مميته في بعض الاحيان! التنافس المستمر من اجل السلطة لا يقتصر علي السياسيين الكبار فحسب وانما يطغي بثقله ايضا علي افكار وطموحات الكثير من ابناء العراق البسطاء حتي اضحي ذلك يشكل ظاهرة شبه مرضية تنتشر بين ابناء المجتمع العراقي وعلي كافة الاصعدة والمستويات. ومن يتابع الوضع السياسي العام في العراق فانه سوف يري بان السياسيين قياديين وقاعدة يتربصون بعضهم ببعض وينقضّ احدهم علي الآخر من اجل السلطة والتسلط وكلّ من موقعه ومكانه. لقد اصبح العراق مليئا بحلبات المصارعة السياسية ابتداء من حلبة الصراع البرلمانية ومرورا بحلبات الصراع الحزبية المنتشرة بكل شارع وحارة ووقوفا بالحلبات المنصوبة جوار العتبات المقدّسة التي اصبحت ساحات لتصفية حسابات حزبية ومواقع للمبارزة والمصارعة بين الفرقاء! لقد سقطت كل الاعتبارات والاصول المعروفة لدي بعض الحزبيين تجاه وطنهم ووطنيتهم. لم يعد للقدسية والحرمة مكانة في العقول والقلوب ولا للرحمة والشفقة زاوية في الجوارح والنفوس. لم تعد شعارات الوطنية وحب الوطن هدفا ساميا يدعي اليه، ولم تكن المصلحة العامة وفائدة المواطن هي هاجس السياسيين العراقيين. الكل منشغل في مقعده وجيبه، الجيب الواسع كوساعة نار جهنم التي حينما تسأل: هل امتلأت… ؟ فتجيب هل من مزيد!

؟ ظاهرة شبق السلطة هذه تعكس الحالة الحقيقية في العراق وكيف ان السياسيين منهمكون في تقاسم السلطة وفوائدها ومتناحرون فيما بينهم ومتهالكون علي المراكز والالقاب ومهمشين اصحاب الخبرة والكفاءة والعلم عن المراكز التي يجب ان يتبوأونها، تحت اعذار الديمقراطية والحزبية والنضال، كأنما الحزبيين قد ناضلوا في حياتهم من اجل كسب المراكز والالقاب واعتلاء كراسي السلطة! ومما شجع ونمّي هذه الظاهرة سلوك راعي عملية التحول الديمقراطي في العراق والذي تجلي بعدم اهتمامه او اكتراثه باصحاب الكفاءات والفكر، حيث اضحي العلماء وقادة الوطن الفنيون واصحاب الفكر والتجربة هدفا للموت والتشرد، فهم نيام في باطن الارض او هائمون في مناكبها بدلا من النهوض ببلدهم الي قمم العلياء والشموخ!

تحدث الكثيرون عن العلل والاسباب التي أدت بالعراق الي الحالة التي وصل اليها اليوم ووضع البعض سبل الانقاذ والخروج من المأزق، حيث اشار بعض الكتاب والمحللين الي ضرورة قيادة الدولة بشخوص تكنوقراطية منزوعة من صفة الحزبية وتوابعها وتتحدث بلغة المصلحة الوطنية الخالصة والمتجردة عن النوازع الفئوية او الطائفية. الاّ ان ذلك بقي حلاّ نظريا ترفضه الاحزاب المتكالبة علي السلطة، بينما تتوق اليه جماهير الشعب التي ادركت اخفاق سياسييها! هذا الحل الناجع والصحيح والذي كان يجب ان يطبق ضمن مرحلة انتقالية تقع بين حالة الدكتاتورية وحالة الديمقراطية، قد يكون حلاّ متأخرا هذا اليوم حتي لو وافقت الاحزاب جدلا علي تطبيقه وانتهاجه!

المأزق العراقي الراهن يعتبر هذا اليوم مأزقا شائكا متلابسا متداخلا في اصوله وفروعه ومجاريه حيث لا يري المراقب طريقة لحل العقد المتشابكة المتداخلة فيما بينها دون قطع الخيوط والاوصال! وهذا التشابك والتعقيد كانت قواعده غياب الفكر الناضج والحكمة الثاقبة والدراية المستنيرة وغياب شعور حب الوطن المجرد عن نوازع الذاتية والفئوية والطائفية. وهكذا فقد لعبت هذه الدواعي دورا اساسيا وهاما في ضعف النسيج العراقي واختراقه من قبل المتربصين به والاعداء، سواء كان من المحتلين بعساكرهم ونفوذهم او ذوي المصالح الفردية او المحلية او الاقليمية الذين تكأكأوا علي جسد العراق المتعب الهزيل من كل حدب وصوب، فما هو المصير واين المفر…! ؟ ہ اكاديمي عربي يقيم في بروكسل8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية