أسامة مصالحة ليس الإنسان في طريقه الى بناء ‘آلة الزمن’، كما حِلم اتش.ج. ويلز في نهاية القرن التاسع عشر؛ وهو لن يتجوّل بين المجرّات قريباً، كما حلم اسحق ازيموف. لكنّ التراكم الكميّ في الإكتشافات العلميّة قد بدأ يقود، مؤخراً، الى نقلة نوعيّة قد تضع حضارة الإنسان الحديث على عتبة مصير مختلف. إنّ العدّ التنازليّ لمرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الانسانيّة قد بدأ فعلاً. هذا المنحنى الجديد في التاريخ سوف ينطوي على تحوّلات تتجاوز، بما لايقاس، كلّ التحوّلات السابقة، كمّاً ونوعاً. وفي خضم هذا التحوّل سوف تكون ‘المجتمعات التقليديّة’، ببُناها الهشّة والمتخلفة، مُعرّضة، أكثر من غيرها، لتحدّيات وجوديّة غير مسبوقة.تتمثل هذه النقلة النوعيّة، في المقام الأول، بوصول التزاوج بين ‘علوم الكمبيوتر’ و’علوم الحياة’ الى نقطة حرجة، خاصةً بعد أن تمكنت تطبيقات ‘التقنية الحيويّة’ من تزّويد الإنسان ب’قطع غيار’ غير بيولوجيّة. فهذه النقلة التكنولوجيّة، أحالت فكرة ‘مابعد-الإنسان’، ذلك المفهوم الذي انتجته دراسات المستقبل قبل مئة عام، الى حقيقة علميّة بعد أن كانت مجرّد فرضيّة فلسفيّة صرفة. بإختصار شديد، تتلخص اطروحة ‘مابعد-الانسان’ بأنّ حركة العلوم الحديثة تتجه، في مسار يبدو حتميّاً، نحو بناء روبوت-إنسان يتمتع بذكاء فوق بشريّ وبقدرات جسديّة خارقة. يُطلِقُ العالم الاميـــركيّ، راي كروموزيل، على تلك الكائنات الجديدة تسّمية ‘الآلات الروحيّة’. الوصول الى مرحلة ‘مابعد- الانسان’، أو عصر ‘الآلات الروحيّة’، قد يتطلب قرنين من الزمان، أو أقل، لكنّ عصر ‘الاستنساخ والآلات الذكيّة’ ليس بعيداً، بل هو قاب قوسين أو أدنى، إن لم نقل أنّه موجود فعلاً. فلقد بات الاستنساخ، لبعض الكائنات الحيّة، حقيقة لايدانيها شكّ، كما باتت الآلات الذكيّة إمتداداً لشخصيّة الإنسان الحديث إن لم نقل أنّها باتت إمتداداً لجسده نفسه.ترسم التقارير العلميّة لوحة بيانيّة ذات دلالة لما يجري في العالم الحديث: تقول ‘وزارة المعلومات والإتصالات’ في كوريّا الجنوبيّة، في تقرير نُشر لها، سنة 2007، أنّه في خلال أقل من عقد، سوف يتوفّر كلّ بيت في كوريا الجنوبيّة على روبوت. وتقول، أيضاً، أنّ الروبوت سوف يكون قادراً على إجراء العمليات الجراحيّة الكاملة بحلول سنة 2018. أمّا وزارة الدفاع الاميركيّة فتقول، في تقاريرها، أنّه، بحلول سنة 2015، سوف تكون ثلثّ القوّة القتاليّة للجيش الاميركيّ مكونة من روبوتات، أمّا بحلول سنة 2035، فسوف يحلّ ‘الروبوت المستقل ذاتيّاً’ مكان الجندي في العمليات العسكريّة. في سنة 2026، تقول تقارير بعض الشركات المعنيّة، سوف يكون بالوسع شراء يد صناعيّة قادرة على تأدية نفس المهام التي تؤديها اليد الطبيعيّة تقريباً. ناسا، وكالة الفضاء الاميركية، تقول أنّه، بحلول سنة 2020،سوف تكون قد اقامت مستعمرة على سطح القمر. في سنة 2025 سوف يكون الواقع الافتراضيّ شائعاً وذلك بربط المُخّ بموصلات. أما في الفترة الواقعة بين منتصف القرن الحاليّ ونهايته، فإنّ الانغماس الكامل في ‘آكوان افتراضيّة’ سوف يكون مُتاحاً للجميع، كما يتنبأ كثير من العلماء. هذه النقلة الأخيرة سوف تضع الحضارة على عتبة المجهول بعينه إذ أنّ المرحلة اللاحقة بهذه الذرّوة هي ما تُدعى بمرحلة ‘مابعد-الانسان’.في كتابه المعنّون ‘مستقبلنا بعد البشريّ: عواقب ثورة التقنية الحيويّة ‘، يوّصف فرانسيس فوكوياما فكرة ‘مابعد-الإنسان’ بأنّها أخطر فكرة في تاريخ الإنسانيّة ويحذّر من انهيار الديمقراطيّات الليبراليّة ونشوء توتاليتاريّات علميّة عندما يُكتب لتلك الفكرة النصر. العالم العربي هو واحد من تلك ‘المجتمعات التقليديّة’ التى سوف تتعرض لتحدّيات وجوديّة نتيجةً لهذا المنحنى الجديد في التاريخ، نظراً للموقع الهامشيّ الاستهلاكي الذي يحتله العالم العربي في منظومة الحداثة، أولاً، و نظراً لإفتقاره الخاصّ الى المرونة اللازمة لامتصاص صدماتها، ثانيّا. في كتاب ‘الإسلام ومشاكل الحضارة’ يتكشّف ‘الإسلام الإحتجاجيّ’، مُمثّلاً بسّيد قطب، عن وعيّ دراميّ بهذه الحقيقة الُمرّة، فيذهب الى الاشتغال على بناء ايديولوجي ل’يوتوبيا إسلاميّة’ في مواجهة تلك اليوتوبيا، أو ال’ضد-يوتوبيا العلميّة’ القادمة.لكنّ ‘الإسلام الإحتجاجيّ’ لم يكن متفرّداً، أو سبّاقاً، في التعاطي مع ‘صدمة الحداثة’ أو مع ما أسماه محمد عبده ب’تيّار العلم’. فلقد كان ‘الإسلام النهضويّ’، مُمثلاً بالافغاني وعبده، أوّل من قارب تلك التحدّيات الوجوديّة والاشكاليّات العلميّة وخرج بنتيجة مفادها أنّ التأكيد يجب أن ينصبّ على تبني العلوم الغربيّة الحديثة إستناداً الى فهمٍ ‘مقاصديّ’ للإسلام. وإذا كان الجيل الأول من الإسلامييّن، الافغاني وعبده ورضا، ينتمي الى فئة الفقهاء الإصلاحيين، والجيل الثاني، البنا وعودة وقطب،ينتمي الى فئة المثقفين المتمرّدين، فأن الجيل الثالث، محمد مرسي والكتاتني ومحمد بديع، ينتمي الى فئة العلماء التقنييّن. فالرئيس المصري، محمد مرسي، يحمل درجة الماجستير في هندسة الفلزّات ورئيس الجمعيّة التأسيسيّة، محمد الكتاتني هو أستاذ للميكروبيولوجيا. أمّا ‘مُرشد الجماعة’، فهو رئيس قسم الباثولوجيا بكليّة الطبّ البيطريّ. وهم قد يُشكّلون ما قد نُطلق عليه بفرّيق ‘الإسلام العلميّ’.يذكرُ سّيد قطب، ‘لينين الإخوان’، أنّ طريق اوربا نحو العلوم الحديثة مرّ بالاندلس. ففي الاندلس تمّ مراكمة أدوات ومناهج وأساليب ‘العلم التجريبيّ’ الذي قاد الحضارة الأوربيّة الى الحداثة. لكنّ قطب لم يشر الى حقيقة أنّ ذلك العلم إنحطّ وانحدر عندما نصّبت نخبة، شبه كهنوتيّة، نفسها وصيةً على العقل، أدواته،مناهجه وأساليبه. في هذه اللحظة، أيّ لحظة ‘الربيع العربيّ’، يبدو أنّ ‘التيّار الإسلاميّ’، بقيادة ذاك الفريق العلميّ، هو من يقود عربة التاريخ في الشّرق. وهو سوف يكون بوسعه أن يوجّه تلك العربة الى السير في أحد الإتجاهين: إمّا بأتجاه المستقبل وإمّا بأتجاه الماضي. فإذا ما اختار الذهاب الى المستقبل، فهو سوف يكون مُطالباً بحمل عبء الإنتقال ب’مجتمعه التقليديّ’ الى ضفّة أخرى، حديثة ومعاصرة، وذلك عبر بناء جسر بين ‘العلم’ الحديث، عتبته الجديدة، منحناه المختلف وتحوّلاته الدراماتيكيّة، من جهة، و’الموروث’ القديم بما له وبما عليه، من جهة أخرى.أيّ أن أولى أولوياته يجب أن تكون نقل نمط التفكير العلميّ من ابراجه العاجيّة العالية الى سواد الناس وبسطائهم. بمعنى أنّ على اكتافه تقع مهمة تخّليق ‘قاعدة شعبيّة’ واسعة للحداثة الفكريّة وللتحديث التقنيّ. أمّا إذا إختار ذلك التيّار الذهاب الى الماضي، فهو لن يحتاج الى اتش.ج. ويلز و’آلة الزمن’ للوصول الى هناك. ‘ كاتب فلسطيني مقيم في فنلندا