عربي كمال… وظله الذي يخجل من الاعتراف بموت صاحبه: القصيدة حين تنتهك حرمة التوقعات

يقول لوتمان «إن الهدف من الشعر بالطبع ليس الصورة، بل معرفة العالم» ولكن لا ضرورة على التأكيد أن الشعر فن أرستقراطى رفيع، ينتقل من النخبة إلى النخبة، وتظل لغته كلغة النبوات، والنبوءات مشغولة بقدر من الغموض المحبب، ولهذا كان ديوان «ظلي الذي يخجل من الاعتراف بموت صاحبه» الصادر عن هيئة الكتاب، نموذجا للقصيدة المغايرة، عبر تسع عشرة قصيدة في حوالي سبعين صفحة، تشتغل القصيدة فيها على عدة مستويات، المستوى اللفظي الذي يسعى لدلالات جديدة، يقول مثلا: «كل ما في الأمر/أن امرأة/أغمدت في روحه قبلة /ثم اختفت»، ينتقل الشاعر بالتعبير الموروث أغمدت أي غرست إلى أغمدت قبلة أي طبعت او تركت، ينتقل اللفظ من دلالته المباشرة لإمكانية تأويل جديدة، فتغمد أي شمله وضمه وغمره، ومن هنا يختار الشاعر دلالة متنحية، لأن القبلة ثم الاختفاء صار لهما تأثير الخنجر.
بينما هناك مستوى آخر للتعامل المباشر مع اللغة، مثلما نجده في «نعم فعلتها» التي اختار شطرها الأخير عنوانا للديوان، تتشظى ذات الإنسان /الشاعر نصفين، نصف يعيش ونصف ميت، ظل وفقط، يقول (بداخلي حزن عميق بلا قرار/ وأوجاع حبلى بعدودة تنشدها أم على رأس ابنها القتيل/كل ما فعلته من أكاذيب لطيفة /لم يغير من حقيقة كوني رجلا تم قسم جسده نصفين، وروحه نصفين) حتى يصل إلى قوله (لا أحد يهرب من حقيقته/ وحقيقتي أنني ـ أيضا لست نصفا /بل رجل ميت/ …./ وما تشاهدونه الآن هو ظلي/ظلي الذي يكابر، ظلي الذي يخجل من الاعتراف بموت صاحبه!).
بهذا القنص الفنى البهي تنتهي أجمل قصائد الديوان، لعله وضع فيها تجربة جيله كاملة، جيل إجهاض الحلم، الحلم المسروق من العسكر ورجال الدين وترهات المجتمع، والمقامرين في كل شيء.. اللغة هنا مباشرة، بلاغتها تقليدية تطوف على أجواء عبد الصبور، تنتقل بهمومها إلى قضية، حتى يصعد فجأة إلى غاية قصوى، فيكشف موت الذات في مقابل الظل الباقي، مجرد ظل يعيش الحياة على هامشها. فعل قراءة القصيدة ـ كما يقول روبرت شولز – ينطوى على معرفة خاصة بموروثها، وينطوي أيضا على مهارة تأويلية خاصة بالكيفية نفسها نقرأ «تفاصيل أنثوية» لغة تميل للحياد، بلا أثقال بلاغية، لكن الحيلة التى يلجأ لها الشاعر لعرض مضمونه الفكري رائعة، يقول: (لست مخنثا /وليس لدى انحراف جنسي صوتي أجش/وشجاع جدا/لدرجة أني أطارد الأجهزة الأمنية/وأبصق على الأنظمة دون خوف).

في قصيدة «ليس كمثلها أنثى» تنطلق عذبة كلمات الشاعر واصفا عذوبة الحبيبة، فهي كحديقة سماوية، قليلة الثرثرة، نصفها غجري ونصفها صوفي، تحضن حبيبها بشهوة قاتل محترف، فهي وردة

اللعبة في القصيدة هي لعبة تمرير محتوى، من خلال فكرة الحبيبة التي يتلبسها، بصوتها، برقتها، بنعومتها التي تصبح فيه، وهي فكرة مختلقة لتمرير فكرة أعمق، صورة الشاعر الثوري الرافض، التي تأتي على استحياء عبر قصائد الديوان، فمثلا في قصيدته الجميلة «من أسقط الشجرة» تتساءل القصيدة عن سبب سقوط شجرة معطاءة، استمرت عمرا طويلا، ثم سقطت فجأة، ويقول في سطوره مشيرا للسلطة أيضا (السلطة أصلا/ليست قابعة بالقرية/لأنها مشغولة/منذ زمن طويل/بتمركز جنود الأمن المركزي/والمعدات الثقيلة/في شوارع المدن/لسحق أغنية في حناجر المتظاهرين) وفي قصيدة «لا أشبه جورج كلوني»، لا بد أن يخرج من صفاته الذاتية إلى حجر يصوبه للسلطة (نحيف جدا /لدرجة أن أمن الدولة / تهكم على ثورتي)
لعبة «المفارقة»
في قصيدة «ليس كمثلها أنثى» تنطلق عذبة كلمات الشاعر واصفا عذوبة الحبيبة، فهي كحديقة سماوية، قليلة الثرثرة، نصفها غجري ونصفها صوفي، تحضن حبيبها بشهوة قاتل محترف، فهي وردة… ويستمر الشاعر حتى يطرح التساؤل النهائي «الأنثى تلك/ لماذا لم تخلقها بعد /أيها الإله العظيم».
المفارقة فيها نوع من استفزاز القارئ، عبر ما يسمى العدول الجمالي، واندفاع القصيدة نحو اللعب، فالبناء المفارق يتطلب إعادة تفسير البنية بضد دلالتها، كما يقول ناصر شبانة في كتابه «المفارقة»، ولذا يعتمد الشاعر في عدة قصائد على الصيغة البنائية القائمة على لعبة المفارقة، ليمنح القصيدة حسا عميقا من التفاعلية والتأثير، ربما اهتز، ولو قليلا، جبل السكون الذي يسيطر على قصيدة النثر، أو بالأدق على قراء قصيدة النثر.
الديوان صادر عن سلسلة الإبداع الشعري التي تصدرها هيئة الكتاب، سبق أن صدر للشاعر عربي كمال من قبل ديوان «تجليات لوجوه مستحيلة» 2009، وكتاب «من سرق الرئيس» 2011.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية