إدريس الجايبرلين ـ ‘القدس العربي’ من إدريس الجاي: ‘إنني عدت من الموت لأحيا، لأغني فدعيني أستعر صوتي من جرح توهّج’ محمود درويشفي مسرحة العكش، لفرقة مرايا، القادمة من داخل فلسطين إلى مدينة هانوفر الألمانية في إطار مهرجانها المسرحي ‘الربيع العربي’ (القدس العربي 16 ماي 2012 الصفحة 11 ) يستضيفها عدنان طرابشه كاتبا أولا ثم ممثلا في رحاب الموت الملازمة لكل كائن حي. فمن خلال خلفية سينوغرافية، سر قوتها في بساطتها وتلقائيتها، تتحول المدافن إلى ركح، يؤدي فيه الموتى أدوارهم بحيوية، تتقمصهم شخصية العكش، الحي الوحيد في هذا العالم المسربل بالسبات. حيث يحركها هذا الأخير يربطها بمصيره عبر بخيوط سرية قوامها التذكر، إستعادة اللحظات الموغلة في غياهب الذاكرة. إنه يمنح الرفات لحظة نكهة العودة إلى الحياة، نكتة القدر الساخر حيث يتحررون من رباط الموت. أنها مسرحية الممثل الواحد المتعدد الوجوه، حضور مكثف لشخوص تتحرك تحاور، تجادل من خلال شخصية العكش، المتقلب بين حالات مأساوية غير أنها ثرية بالحيوية و حب الحياة. فمن خلال تجسيد طرابشه المتوازن بين الحركة، الإيقاع والأداء الفزيائي ـ الإنفعالي، الذي يمثل الوسيط بين الحدث الذي ينقل المأساة ‘في علاقتها بالمرحلة، بتاريخ، بحاضر وماضي الشعب الفلسطيني و بين كثافة رواية المشهد المباشر و إقتحام اللحظة الدرامية الهزلية السوداء، يختزل طربشه الزمن حيث تنفرج أمامنا و بكثافة ككوة نطل عبرها على واقع متعدد التنايا، الغارق في عشق حياة، مدثرة بكفن الموت، مأساوية المشهد و معانات الشعب و الوجود الفلسطيني. يلاقينا القدر المتربص، المرافق لمسيرة أجيال صارعت الموت، متحدية ألته الجهنمية و كلما حصد الموت سنابل، إلا وأينعت من بين ‘القبور’زهور تعد بالحياة، تبشر بأنشودة الفرح الأتي، فالموت هنا قاسم مشترك بين الماضي و الحاضر بين الحكاية و الحاكي و المحكي عنه. فالموت هنا لا ينجو منه أحد، شباب شيوخ، حتى العرسان يصدادهم الموت في غفلة و هم في لحظة فرح. رفات يصمم لها العكش مأوي أخيرة، يرتبها حسب الموضة:- قْـبُـوْر لَلشَّبابْ، قْـبُـوْر للخِتْيارٍيـِّه، حَبَالَى وْالعَذارى، والرُّضَّع بِالْكَمِّيِّة.فالموت هنا هو الحوار المفتوح مع الواقع اليومي لحياة الإنسان الفلسطيني. فهذا السرد الدائب عبر توالي الأحدات، المتوزع ‘بين الظل و الضوء، بين الصمت و ترنيمة التشبت بالحياة، تسعى طلقات الرصاص جادة إلى خنقها،إلى كسر روح التشبت فيها. في مسرحية العكش يصبح للموت نكهة سلطة مستبدة، كاسرة يقابلها العكش بالنكتة، بالسخرية بالمرح، الذي يعيد في أذهاننا إلى الموتى حياتهم، ذكرياتهم، مرحهم و قلقهم، حزنهم و ابتسامتهم. فهذا الفضاء ( المقبرة) يصبح طافحا بالحركة الذْئوبة، يصبح مسرحا تتقايض فيه القناعات والفلسفات، حيث تأخذ العلاقة بين العكش و نزلاءه أو رعاياه الموتى بعدا يرشح’بألوان الذكريات، بالحنين، باللوم بالعتاب بالشجار و بالنصائح:- يا عمي… يا حبيبي… الممثل بيقول: اتغدَّا وِتْمدّا… بعدين الواحد لازم يحسب حساب الموت… لازم يتحايد أكل السمك قبلِ الممات، وخاصة إذا كان من بحر غزة…’لقد برع عدنان طرابشه في تجسيد هذه الشخصيات، التي أصبحت تحاورالجمهور من داخل قبورها متقمصة جسده ‘قناة تتداخل فيها صورته، الحكواتية و المحكي ليصبح التفريق بينهما شبه منعدم. فالعكش ينزع عن الموت صفتها الجليلة -الرهيبة، صفتها المأساوية الضاربة في وهاد التراجدياتالإنسانية، و بذالك يتسنى لها أن تصبح توأما موازيا للحياة، تسير مع هذه الأخيرة يدا في يد، بنفس الخطى و في تلاحم. فالموت له مقدمات في الحياة و فلسفة إعداد:- في باب المأكولات الممنوعة قبل الممات: على كل من يقدم على الموت ألاَّ يتناول المأكولات التالي ذكرُها: الأسماك، المقالي، الكبِّة، المُجدَّرة- مع لبن أو بصل أو بدونهما-، الفُلفُل الحار، جميع أنواع اللُّحوم وخاصَّة الخنزير يا عبدالله (قبر)… الموالح والنواشف… المكابيس بالخل أو بالملح … المشروبات الروحية يا أبو صلاح وخاصة الوسكي والفودكا… المشروبات الخفيفة عدا الديت منها يا إم دلال… جميع أنواع الحلويات والمكسرات يا لينا الأعشاب على أنواعها: علت، زعتر، خبيزة، بسوم، قرصة عنِّي، عكوب، سمميخة شرغينية… الخ. كل من يتَّبع هذا النِّظام يحظى بميته مريحة، له ولحفارِ القبور الذي سيحفر له قبره.فالمقبرة ايضا تعرف طوابير الموتى، الذين عليهم بدورهم الإنتظار، لأن المدافن مزدحمة، كثافة موتية والعكش يحفر و يحفر و الأموات لا تنضب. مع ذالك لا يثني هذا الوضع المتوزع بين الحصار من جانب و الموت من الجانب الأخر، العكش عن أن ينتزع من الزمن لحظات يقدم من خلالها عالمه الفرح، رقصه، غناءه. إنه التجسيد الحي كتابة و تشخيصا لنظرية ‘تقديم صورة سوداوية للعالم لكل واحد القدرة على إنجازها، لكن منح الأمل لا يقدمه إلا المسرحي الواعي بدوره’ (بارتولد بريشت). فهذه القضايا اليومية والإطلالة على الماضي البعيد والقريب تحتضنها مقبرة، إسمها فلسطين. فحين يحدث العكش عيسي عن سبب غياب إم عيسى عن زيارة قبر إبنها، لأن كل شيئ ‘ممنوع حتى زيارة القبور:- هاي إمك يا عيسى بعثتلك وردة بيضا…’ (يستبدلها بالوردة الذَّابلة على قبره)’أملها يا عيسى تكون روحك طاهرة وتدخل الجنّة… (ينظف قبر عيسى) وبتتعذر لك على شان ما قدرت تزورك اليوم… (بهمس) مش في إيدها يا عيسى… الحالة مْوَسْخَة… حصار ومنع تَجَوّل واللي بخاِلف الأوامر بعرفش الرصاصة من وين بتجيه…لكن رغم ‘قسوة الموت و الحياة الحافة بالعكش من كل جانب و رقابة الأموات، الذين يمشون على الأرض يحملون نعشهم على ظهورهم من غير أن يدركوا أنهم أموات، لا تحجم العكش تهديداتهم له هو الأخر المستخف بالموت، أن ينسج أحلامه، أمنياته، تصوره الذاتي عن الموت، فحتى حفار قبور يشتهي أن تكون لجنازته طقوسا مميزة، التي لا يراها الشيخ إلا زندقة و خساسة:’- إسمع يا سيدي الشِّيخ! أنا راح احكيلك عن سر… سر بِخُصْنِي أنا… أنا يا سيدنا الشِّيخ اتفَقت مع فرقة دبِّيكِه يعملوا حفلة على قبري بعد ما أموت… عتابا وأوف وميجانا وخبط اجريهم يهزِّ الأرض…. على شان روحي تقابل ربها وهي مبسوطه… ترقص وتغنِّي…فالعكش يحول صمت القبور، إلى حديث غناء رقص جدال و حياة، حوار بين المتشدد و المتفتح حوار بين الجمود و الحركة. إنه يشرب الشاي مع موتاه، يقاسمهم هواه، يحدثهم عن أحداث و هموم الناس في الوطن وخارج الوطن:’-وهاي شايك يا عبد الله… أنا عارف شو راح يفيدك الهرب لسويسرا يا عبدُه!!؟ خلّيك معنا هون… صار الرصاص موسيقتنا والموت حقيقتنا…حقيقة مرة، مغرقة في عمق السنين، لا زالت مثل عهدها تحفر هي الأخرى في غياهب ذاكرة جرانه الدائمين. إنه يمد لهم من نفسه جسرا يصلهم بالعالم الخارجي خلف المقبرة. إنه يستقي قوة حكيه من حوارات سابقة معهم مثل حواره مع ستي فاطمة، التي يقدمها بطريقة حكائية غنية الإقناع، جعلت ست فاطمة حاضرة ‘ليس في المخيلة وحدها بل أمام العين. حضورا توحد فيه الماضي مع الحاضر في لونه المأساوي التاريخي:’-يا ستِّي يا عكش… تركيا حكمتنا وظلمتنا والأَنجليز أجوا حكمونا وظلمونا… خوات الشّلن، مع إنا ساعدناهم ضد هرتل…’-هتلر يا ستِّي هتلر- إللي هو… سم ايسمّه بلا خطيّة… واللي أجوا بعدهم يا ستِّي أظلم من الجهتين والملك حسين… آخ يا ستِّي… كل واحد بيجي وبغلب اللي قبله في ظلمه يا سِتّي…في وحدته تتقمصه العزلة التي يتجرعها مرارة، قدرا يتلبسه يوغل أوتاده في غياهب نهايات روحه العميقة، فيتوحد مع الزمان و المكان و يصبح من الصعب التفريق بينهما فلا يجد أذنا صاغية غير صدى المدافن:’-هذا هو قدري يا جمعة… المقبرة صارت بيتي… ما بقدراعيش من غير حفر قبور… أنا المقبرة والمقبرة أنا….فكل التحولات و المحاولات ‘في حياته صارت ضربا من العبث، ضربا غير مجدي، غير قادر على أن يمنحه فرصة الحياة. لقد تقلب في كل الدروب و طرق كل الأبواب لكنها بقيت أبوابا موصدة، تواري ألف سؤال و حكاية، لا تشير إلا إلى بيته، الذي سيكون فيه هو نفسه أبديا:- بتتذكّرني يا جمعة أول ما وصلت أم الشقاريخ شو اشتغلت؟: عامل، موظف، تاجر، ممثل، مزارع، أستاذ، شوفير تاكسي وباص…’ ولا ضبَط معي إشي غير شغلة الحفّار… لكن كل ما يصير اضراب أو منع تجوّل بسمعكوا تقولولي: ‘روّح عبلادك يا عكش… بيتك مش هون… روّح عبيتك’مع ذلك يرى أن له مهمة، مهمة يجهز فيها للناس بيوتا أبدية، إنه يحفر، لكن الحفر يحفر بدوه في داخله خدودا مغرقة في وهد الألم، الذي يتقبله بلحظات فرح يخفي هو نفسه عن نفسه ما يعرف أنه عذاب:- بتعرف شو معنى انّك تحفر قبر لطفِل أو لعذرا يا جمعة!!؟ أنا يا جمْعَه، لمّا بَحْفُر قَبِر لَطِفِل أو لعَذرا الجِّن بركَبْني وبَصِيْر انط مثل الجِّندب المَحيوف… ممكن إنّك تنجن وتصير إنسان ثاني يا جمعة… صدّقني أصعب من رمي الحجار…ثم تتملكه المرارة في أقسى ابعادها المتأزمة الضاربة في عمق البصيرة، الطالعة من بين رفات التاريخ و يقضة اللحظة الفاصلة بين الكائن و المتوقع، لحظة ترزح تحت سؤال أبدي، يلقي به في ظلال الأزمة بكل دلالاتها الإنسانية و تبعاتها التاريخية:- بتذكر يا جمعة لمّا سألتك ليش بتكره اليهود شو جاوبتني؟!العكش: (يقلد جمعه) وبتسألني ليش بكرهُّم يا عُكش؟!(مقلداً) ‘ما همّي بشر زينا…”-وكيف بدك ايَّاني ما اكرهُّم يا عكش؟ هدموا بيتي وهتكوا عرضي وذبحوا شعبي وكذبوا على لساني وقالوا لكل شعب وأمّه: هذا قاتل… هذا إرهابي… في دوامة ألة الموت لا يطالب هذا الإنسان إلا بالحياة، بالحق، بانسانيته ككل أباء العالم ككل الجنسيات. فالحياة الحرة هواء يثوق إلى إستنشاقه كل إنسان، حق لا يمن به بشرعلى أخر، ليست منحة يهبها ‘واحد للأخر، إنها المبدأ، الذي جمع الكل على الواحد:’-فهّمهم يا عكش اذا فيهم يفهمو انّه الفلسطيني بيوكل وبيشرب مثله مثل باقي البشر… بمرض وبشفى ببرد وبدفى مثله مثل كل البشر… مثله مثل الرّوسِي… مثله مثل الأمريكي… مثلُه مثل الأماني… مثلُه مثل اليهودي… إذا زغزغونا منضحك… وإذا ضربونا منتوجّع وإذا ذبحوا واحد منّا منحزن ومنبكي…وتتعمق المرارة الموغلة في الشعور بالإجحاف، بالضيق الخانق، بالتيه المخبول لتقبع حمل ثقيل تدثره طبقات من التظلم و التواطئ التاريخي:’-ايش يا عكش بيحق لليهودي يذبح فلسطيني في غزِّة أو القدس أو جنين وفي كل قرى ومدن فلسطين ويطلع براءة في المحاكم؟ ليِش يا عُكْش مسموح لليهودي يخلَع بابِي بِنْصاصِ اللّيالي ويبطش وينهش ‘ويُقتِل على كيفُه وإذا انسأَل- هذا إذا انسأَل- من باقي الأمَم، بيدّعوا إنّه واحد مَجْنون!؟’وبدك اياني ما أكرههم يا عكش؟! ‘بوعدك إني راح اشعِّلها أكثر واكثر لمنُّو دخانها الأَسود يصير نهارهم والشَّر يلّي علّموني اياه راح اردِّلهم اياه أضعاف مضاعفة… (إطلاق رصاص) (يرفع يده اليمين للقسم) أضعاف مضاعفة…فهذا الإصرار على، البقاء، على الحياة تترجمه لحظات مفعمة بالأمل، الذي لا ينتهي في ساعة، في زمن إنها الديمومة في المثابرة على التمسك بالحق في الحياة. وأن العبء الذي يقض مضجع الإنسان الفلسطيني لا يمكن أن يفك رموز دوامته إلا هوذاته:’-غاب الشتا يا ستّي ورّبيع انتفاضة لينا النّابلسي رجع من جديدشوفي ‘ياستي، الورد الأحمر غَطَّى الوطن لكبيرزهرات رفعت راسها للسّماوصدورها بتُصْرخ’يا سِيدشوك الورد ما يخافك بَعِدالموت ولا المذلّهارحل وبعِّدلبعيد بعيديعم الظلام الخشبة معلنا عن نهاية مسرحية العكش لكنه يفتح أمامنا في نفس اللحظة من جديد خشبة أحداث الواقع، يفتح أمامنا خشبة- مقبرة لا زالت مشاهدها مستمرة، لا يمكن أن يحد من أحداثها الظلام.’فرغم إكتضاض مساحات المدافن، تزهر من بينها زهور تحمل بشرى للغد الأتي:باسم الدّينباسم الرّب وحماة فلسطينحِملوا مناجِلهموهجموا ليقطفوا أزهار أينَعَتولَوّنت الوطن بالحُب….الغريب يا ستّيأشواك الورد كانت أقوى من توقّعات الأسيادوالعبيد فهمَت اللي فِهْمَتوا ام دلال يوم الانتفاضه الأولى:’-ما بيقضي حاجة الإنسان غير الإنسان.