عزت القمحاوي
تأخرت في هذه الشهادة كثيراً، لأنني في كل مرة أجلس الي الكتابة، وأبدأ بـ كان حازم شحاتة أو كنا فتطل عليّ عيناه الحزينتان المشعتان بالأمل، وتنفجر ضحكته الصاخبة مثل تدافع محابيس انفتح لهم باب الحبس فجأة، ثم تنقطع الضحكة، لكنها تكون قد أدت غرضها في افساد عمل الفعل الماضي الناقص. وتغادرني القدرة علي الكتابة. ومرة بعد مرة عرفت أنني لن أتمكن من الكتابة عن حازم الذي غاب في عرض مؤلم انفتح فيه المسرح علي الواقع بالفيوم. هذا هو أيلول الثاني علي هولوكوست المسرح المصري الذي راح حازم بين ضحاياه الثماني والخمسين، ولم أزل غير قادر علي الحديث عن حازم لكن بمقدوري أن أتحدث معه بشأن عرضنا الأول الذي كنا فيه ـ هو وأنا ـ مؤلفيه ومخرجيه وممثليه وجمهوره. لكن المشكلة، أية نسخة سنعتمد يا حازم، اذا ما أردنا تدوين هذا النص؟ تذكر أن عرضنا كان شفاهياً، متحركاً، في كل مرة كنا نضيف ونحذف طبقاً لاستجابات الجمهور، الذي هو أنت وأنا، وطبقاً لمعنوياتنا التي كانت تتأثر صعوداً وهبوطاً طبقاً للعرض الواقعي الآخر ومناخاته، اذا ما واجهنا صعوبات في العمل تأتي الاضافات التي نقترحها في رحلة العودة كئيبة ومأسوية، ان صادفنا ما يبهجنا اتخذ العرض طابعاً كوميدياً وتتابعت مفارقاته المضحكة حتي الي مابعد الوصول الي الشقق الثكنات. تعرف أننا لم نكن نخطط سوي لقليل من الراحة المادية عندما قررنا أن نذهب الي هناك، الي ذلك البلد العربي الصغير حيث أغسطس اثنا عشر شهراً في العام. لم نفكر بأننا يمكن أن نتحول الي أثرياء، فقط حلمنا بلهاث أقل بعد العودة السريعة، يتيح لنا أن نقرأ وأن نكتب ما نحلم به. تذكر ياحازم، كيف أوحت لنا الشوارع الخالية بعرضنا الذي أعطيناه عنواناً مبدئياً تعالوا نلعب دولة وكيف قسمنا الحقائب الوزارية والادارات الفخمة علي سكان دولتنا الصغيرة، ولم يبق سوي شخص واحد عليه أن يكون الشعب! تذكر؟! أشعة الشمس مثل أسياخ من لهب ترتطم بأسفلت الشارع وترتد في شكل بخار نافد الصبر، قليل الرحمة. وليس سوي ضحكتك علي مشهد جديد يمكن أن تؤنسن هذا اللهيب، تضحك فجأة وفجأة تبتلع الضحكة الي الداخل، لكن ضحكتك المبتورة تكون كافية لنندفع في التأليف، واضافة المشهد بعد المشهد. وظهيرة بعد ظهيرة، ينمو النص، كما كانت ألف ليلة وليلة تنمو في كل ليلة علي يدي رواتها المجهولين. لكننا لم نصطبر علي ألف ظهيرة وظهيرة في جو لاهب كله آب (أغسطس). تذكر كيف قررنا معاً انهاء العرض، بحيلة بدت منطقية تماماً؟! فمن الطبيعي أن يأتي ضيف كبير لزيارة البلاد، ومن المنطقي أن توعز أجهزة الدولة، الي الشعب أن يصطف علي جانبي الطريق. لكن الشعب ليس سوي ممثل واحد مسكين، يستصرخ ضميرنا نحن مخرجيّ العرض: كيف سأصطف علي الجانبين، وأنا واحد؟! لكن التعليمات محددة، اذ في كل الجمهوريات والمشيخات والممالك تصطف الجماهير لتحية الحاكم وضيفه علي جانبي الطريق، وهذه البلاد ليست بدعة. تذكر كيف حللنا المعضلة بتلقين الواحد الشعب طريقة للسعي من رصيف الي رصيف. ولحظة مرور الموكب يبدأ الشعب في السعي بين الرصيفين وسرعان ما يموت تحت عجلات سيارات الحرس. تعرف ياحازم أن الغباء يمكن أن يبيد شعباً من فرد واحد، الغباء الذي كرهناه كما كرهنا الحر، لكنه ليس أسوأ الأشياء. الأسوأ منه الفساد، لأنه يستطيع أن يبيد شعـــــباً من سبعين مليوناً، في عرض واحد كئيب ليس فيه بهجة فنون الفرجة التي تقترحها. ضع ضحايا المبيدات المسرطنة مع ضحايا القطارات والسيارات والعبارات، مع ضحايا قرب الدم الملوثة التي توقع بمرضي صاروا يتعاطون في المستشفيات الموت بدلاً من العلاج، وبعد كل ذلك اشعل شمعة، لا لكي تضيء، فالشمعة لا يمكن أن تبدد كل هذا الظلام، لكن بوسعها أن تريح من يتبقي عندما تشعل قاعة مسرح يحترق فيها الممثلون مع النقاد مع الجمهور؛ الجمهور الذي طالما أحببته في ابداعك وأعطيته الصدارة في نقدك ياحازم. هل يبقي مواطن واحد ليصطف علي جانبي الطريق، أو ليشاهد عرضاً مرتجلاً يؤلفه صديقان في واقع يتحول فيه الموت الي لعبة محكمة. تعرف يا حازم أن التدوين يحفظ النص، لكنه يميته أيضاً، ولذلك فلن أدون نصنا، سأحذف مشهد اصطفاف المواطن علي جانبي الطريق، ينبغي ألا يفعل ذلك ثانيــة، أليس كذلك يا صديقي؟ سأترك النص ينمو علي هواه مرة أخري، فلربما تغلبت ارتجالات الحياة داخله علي ارادة الموت المنظم بدأب شديد.