عرض ‘نيكاتيف’ لنضال سيجري: صورة عن أوجاعنا المعاصرة

حجم الخط
0

دمشق ‘القدس العربي’ من أنو بدر: أثناء تغطيتنا لمهرجان دمشق المسرحي الأخير، استطعنا القول بثقة ان عرض ‘نيكاتيف’ للفنان نضال سيجري كان الوحيد بين العروض السورية الذي تميز بجدارة. واستطاع أن يترك بصمة في ذاكرة المشاهدين، رغم أنه عرض هواة لفرقة معاهد اللاذقية في المسرح الجامعي، وهو ما يذكرنا بعرض الراحل فواز الساجر ‘رسول من قرية تاميرا للسؤال والاستفسار عن مسألة الحرب والسلم’ المأخوذ عن نص الكاتب المصري الراحل محمود دياب، وكان العرض لفرقة المسرح الجامعي بدمشق منتصف السبعينيات، وقد استطاع أن يتميز في دورة مهرجان دمشق المسرحي أيضا في ذلك الزمن، لكن تميزه ذاك جاء بين عروض عربية ومحلية فيها الكثير مما هو جيد أو متميز حقيقة، مما نفتقده في مهرجاناتنا الأخيرة.

أول ما قدم نضال عرضه في مهرجان المسرح الجامعي في اللاذقية لم نتمكن من حضوره، لكن أصداءه بالتأكيد وصلتنا هنا في دمشق، وربما لهذه السبب، أو لعلاقة نضال المتميزة مع جمهوره، جاء العرض في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر متميزا في كثافة الحضور الذي احتاطت له إدارة المهرجان بإعلان متأخر قليلا عن تقديم عرضين متتاليين لهذه المسرحية في نفس اليوم، مع ذلك لم يتمكن كثيرون من حضورها في ذلك الوقت، وعرضت لاحقا في افتتاح مهرجان حماه المسرحي الثاني والعشرين، وأعتقد أن الكثيرين مازالوا يطمحون إلى مشاهدة هذا العرض، ولذلك نأمل أن تمنحه مديرية المسارح والموسيقا بدمشق فرصة العرض الجماهيري خارج المهرجانات، ضمن برنامجها الحالي.’نيكاتيف’ هو ثاني عرض مسرحي لنضال سيجري مع فرقة معاهد اللاذقية للمسرح الجامعي، إذ سبق وقدم معهم عرض ‘صدى’ وكان مبشرا بعض الشيء، لكنه في نيكاتيف قدم ما هو متميز حقيقة، متميز كنص و كرؤية، متميز كعرض وأداء، متميز كشكل ومقولة، وقد كتب نضال سيجري في بطاقة العرض، وبلغة يومية بسيطة:

يمكن أحلى ما في الصورة…. انها ما بتكبر كل اللي بيتصورو بيكبرو وبيروحو وهي بتبقى بنفس اللحظة.

الصورة…. ذاكرة تدعو للابتسامة أحياناً والشعور بالاشتياق والحنين أحياناً أخرى…. رغم قهرنا ووجعنا وانتكاساتنا…. أثناء أخذ الصورة نبتسم ولكن لا نعرف لماذا؟

؟ ؟

؟ ؟

محاولا بتلك الكلمات إدخالنا إلى ‘ستديو’ التصوير، لكي نكتشف أن المخرج قد جاء بالمصور وبالكاميرا إلى صالون قد يكون منزلي أو أي شيء آخر، لتصوير مجموعة من البشر، يسعى العرض لتقديمهم إلينا، أو لجعلنا نكتشف أنفسنا من خلالهم ومن خلال علاقاتهم التي تصدمنا بداية بنوع من التهريج، ربما لم يلتقط رسالته بعض المشاهدين إلا متأخرا، مما خلق إشكالية في التلقي عبر عنها البعض، تهريج يذكرنا بشيء من العبث الذي يسخر من الحياة عموما ومن التفاصيل التي تصنع حيواتنا بشكل خاص، لكن سيجري لم يتأخر كثيرا في استعادتنا إلى مساحة الواقع الذي يعرفه جيدا، مفصحا عن تحديدات أكثر واقعية للشخصيات وللمكان والزمان أيضا، وفي هذا المستوى جرت النقلة من ذلك التهريج غير المبرر إلى نمط من الكوميديا السوداء التي أعادتنا إلى طمي الواقع وأدرانه، بصفتها هوية للمكان كمصح عقلي، وهوية للأشخاص من خلال علاقتهم بالمكان أيضا. وكم تكون المفاجأة عندما نكشف مساحة الزيف فيما كنّا نخاله علاقات الحقيقية تربط هؤلاء البشر بالمكان وببعضهم البعض، فنحن جميعا في مستشفى للمجانين، وليس ما نراه ونسمعه في هذا العرض إلا صدى هلوساتنا التي تتفجر بأشكال مختلفة من المونولوجات الداخلية التي تهزّ جدران الصمت في دواخلنا. مونولوجات تفضح عجز جنرال يتزين بالأوسمة وهو حافي القدمين، كما تفضح بؤس زوجته الريفية التي تشكو من صخبه المستمر وادعاءاته التي لا تنتهي، منولوجات ابنة تضحك باستمرار إلا حين تتذكر أنها تعرضت للاغتصاب سابقا أو ما يمكن تسميته ‘زنا المحارم’، مونولوجات مايسترو مهزوم عاطفيا أو صحفي مقموع مهنيا، مونولوجات مترعة بالوجع الإنساني الذي يتغذى من تلك الهلوسات التي تعبر عن انكساراتهم/ انكسارنا في الواقع ليس إلا، فالجنرال لم يكن في يوم من الأيام جنرالا، أو حتى أنه لم يخدم العسكرية قط، وزوجته ليست زوجته حقيقة، وما نراه مجموعة من اللوحات المترعة بالكوميديا السوداء التي نعيشها جميعا، والتي سعى نضال سيجري لتثبيتها في ذاكرتنا وفي وعينا عبر لقطات وصور فوتوغرافية لمصور ضرير أصلا، لكن المخرج صنع عبر تلك المونولوجات أو الهلوسات السابقة تلك اللقطات الفوتوغرافية المعبرة وثبتها في وعينا بمأساوية الواقع الذي نعيشه.. بطاقة العرض:

ــ مسرحية ‘نيكاتيف’: ــ نص وإخراج: نضال سيجري.

ــ فرقة المسرج الجامعي في الاتحاد الوطني لطلبة سورية- معاهد اللاذقية. ــ تمثيل: رغداء جديد- بسام جنيد- نجاة محمد- مصطفى جانودي- الحسن يوسف- هبة ديب- هاشم غزال.

ــ إضاءة: عماد خدام/ صوت: قيس زريقة/ مساعد مخرج: سوسن عطاف/ مخرج مساعد: هاشم غزال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية