لم تكن قناة الجزيرة الفضائية قد وجهت إصبع الاتهام إلى أحد في ظاهر الأمر حينما أسمت تحقيقها المصور حول موت ياسر عرفات بـ ‘ماذا قتل عرفات؟’، فهي تود بذلك أن تترك التساؤلات تعصر رؤوس المعنيين بموته وغير المعنيين للوصول إلى ما ترغب هي بإيصاله ضمنياً عبر إشاراتها المتعددة لـ ‘مَن قتل عرفات؟’. حسناً.. إذن هي معطيات تتطلب مسألة لا العكس. – لعل لجوء سهى عرفات إلى قناة ‘الجزيرة’ بطلب إعادة وضرورة التقصي والبحث في ملف موت ياسر عرفات ما هو إلا صورة معكوسة عما حدث بين الطرفين المذكورين ربما، فالقضية معلقة منذ ثماني سنوات، وياسر عرفات كان زوجاً لها في ذلك الوقت أيضاً وليس في هذه الآونة فقط، فهل تكون الجزيرة هي من توجهت إلى سهى عرفات بطلب إعادة التحقيق ولم تكن الأخيرة سوى أداة استكمال بحث؟- من البديهي في أي ظرف مشابه أن تتجه نظرات الإدانة إلى العدو الصريح والتقليدي، وذاك ما سينادي به الجميع عندما يُقال أن عرفات قُتل ولم يمت، وهذا ما حدث فعلاً بُعيد وفاته مباشرة، أي قبل أن تحقق الجزيرة في شأن موته وأسبابه، ومع ذلك فإن النتائج الأولية – إن صح القول – لمعرفة السبب أظهرت وجود مادة البولونيوم والتي أفادت كذلك بأنها مادة مصنعة في مفاعل نووي، فهل كانت الجزيرة معنية بإثبات شكوك الكثيرين حول قاتل عرفات المفترض فقط لا غير (وخاصة مع تكرار الإشارة عبر التحقيق بأن مثل هذه المادة لا تصل إلى الضحية إلا عبر الطعام أو الاستنشاق أو الحقن مباشرة) ؟- توفي ياسر عرفات وانتهت الانتفاضة الثانية وبقيت بعض الأسماء البارزة في الصف القيادي الفلسطيني داخل السجون الإسرائيلية رغم تعاقب صفقات التبادل، وتم تسليم وتسلّم السلطة، وظل أمر وفاة المذكور أعلاه طي التناسي أوالتغييب، وكأن الأمر وصل إلى النقطة المرجوة من قِبَل جلّ الأطراف، فهل تعني إعادة فتح ملف وفاته الآن أن طرفاً ما لم يعد معنياً بالصمت أكثر؟ وهل وجد ضالته باستخدام هذه القنبلة في سبيل إنجاز غاية يعقوب؟- سارعت الرئاسة الفلسطينية إلى الإعلان عن استئناف عمل لجنة التحقيق في مقتل عرفات عقب ساعات من عرض تحقيق الجزيرة حول أسباب موت الأخير، فهل يعني ذلك أن البحث في ملابسات وفاته كان متوقفاً منذ مدة ليست بالقصيرة بانتظار دفعة إعلامية؟ وهل كان موقف السلطة الفلسطينية هذا من باب تذكّر المسؤول مسؤوليته أم من باب دفع ما يمكن دفعه من شبهات؟- مما يلفت النظر في أقوال آفي ديختر، الرئيس الأسبق للشاباك (جهاز الأمن الداخلي العام في إسرائيل)، في تصريحاته حول الأسباب المعلنة في تحقيق الجزيرة، إصراره على انتقاء كلمات تفيد التورية، فيركز على لفظ ‘لم يلمس الأمن الإسرائيلي طعام عرفات’، فهو لا ينفي التهمة تماماً عن الجانب الإسرائيلي وفي ذات الوقت يركز على تفاصيل الوسيلة التي ربما استخدمها آخرون سوى إسرائيل، فهل يشير بذلك إلى أن طعام عرفات تم لمسه فعلاً ولكن من قبل أيدِ كثيرة؟- تمر السلطة الفلسطينية الآن بوضع لم يماثله في السوء وضع سابق، من ذبحة اقتصادية إلى أزمة الحراك الفئوي السلمي إلى تعسر المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية واصفرار العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، فضلاً عن تخلّف الوعود الدولية بتسريع إجراءات الدعم والإصلاح والتصليح، فهل تكون إعادة نكأ جرح نوفمبر 2004 نقطة لصالح السلطة في ظل هذه المعضلات أم تكون الحلقة الأكثر ضرراً في سلسلة مشكلاتها؟- تحقيق الجزيرة أثبت مبدئياً أن عرفات قُتل مسموماً، وعقيلته سهى عرفات تطالب باستخراج جثته لاستكمال ما ابتُدِأ به وإقرار صحة النتائج الأولى، وبذلك توضع الكرة في ملعب أعمدة إدارة السلطة الفلسطينية، هل يقبلون حقاً باستخراج الجثة على أمل استخراج الحقيقة معها وطمر الشكوك ونشر الستر والمتسترين والرضى بكل ما سيكون.. أم تُسكِت حرمة الموت (أو حرمة شيء آخر!) صوت المتهم والبريء في آن معاً ويظل الوضع على ما هو عليه إلى يوم البعث والحساب؟
مهما تكن نتيجة الإجابات والبحث والتقصي والتمحيص، فهي في صالح ياسر عرفات وحده ما زال ميتاً.. وليست في صالح أحدٍ سواه!
هند دويكات