■ غالباً ما يتم الربط، إن تم، بين مخرج سينمائي وآخر يكون روائياً، من حيث التأثر والتأثير، لسبب مباشر هو أن الأساس في كل من العملين هو الحكاية، فهما الشكلان الفنيان الأقرب لبعضهما، السينما تحكي من خلال الصور والرواية من خلال الكلمات، يبقى لكل منهما أسلوبه في شكله، وفي التنويعات ضمن ذلك الشكل. لكن للمخرج الإيطالي فيديريكو فليني (1920- 1993) وأفلامه قولا آخر، لا ينفي ما ذُكر أعلاه بل يوازيه، قولا متعلقا بأسلوب فليني، برؤيته للسينما، وبالكيفية التي بدأ بها حياته الفنية.
انحياز المخرجين الكبار من خلال أفلامهم – ما لم يكن للسينما- يكون غالباً للأدب، الرواية تحديداً، بتمرير لقطات ومَشاهد لكتب ومكتبات في الفيلم، بإشارات ملفوظة لكاتب أو كتاب ما، أو أن تكون الشخصية الرئيسية في الفيلم كاتباً، وغيرها من الإشارات المباشرة للأدب، نجدها لدى كبار المخرجين (جان لوك غودار، فرانسوا تروفو، وودي ألن، بيدرو ألمودوفار إينغمار بيرغمان بيير باولو بازوليني وغيرهم). السينما لدى فليني مختلفة قليلاً عن ذلك.

سينما فليني مشهدية أكثر منها حكائية، كأن المونتاج فيها تجميع للوحات فنية، كأن كل إطار/لقطة في الفيلم صورة فوتوغرافية أو لوحة فنية. السينما لديه كرنفال وسيرك وأناس كثر يحتفلون، رقص وموسيقى، ونساء، أحلام وفانتازمات، ففليني يملأ شاشته، لا يترك زاوية فارغة داخل إطارات أفلامه، أما الحكاية التي يمكن لهذه اللوحات الفنية أن تحكيها، فهي حاضرة إنما ثانياً، هي موجودة بحدها الأدنى، وقد لا يدركها المُشاهد لانبهاره بالصورة أمامه، بالموسيقى (ألحان نينو روتا الرائعة)، فالسينما لدى فليني حسيه، نحسها قبل أن ندركها، نشاهدها ونسمعها ثم، إن كان لا بد من ذلك، نستوعب بعض ما يحصل.
ليس بعيداً عن ذلك أتى البرنامج الذي افتتحته السينماتيك الفرنسية (من 3 إبريل/نيسان إلى 28 يوليو/تموز) والمعنوَن بـ«عندما حلمَ فليني ببيكاسو»، وهو عنوان بدلالة مكثفة لما هي عليه أفلام فليني، هي أقرب لأحلام يقظة، كصور ومونتاج تتتابع به هذه الصور، وكموسيقى، وهي، بشكلها النهائي، «المتشقلب» كما في السيرك، بمونتاجاتها والزمن المتقطع في مونتاجاتها، أقرب، كذلك، لتكعيبية بيكاسو حيث «تتشقلب» الأشكال فيها مُقطعة مُوصلة متتابعة كما في سيرك.
كي يكون فليني صاحب أكثر أوسكارات لأفضل فيلم بلغة أجنبية، نال فيلمه «أماركورد»، Amarcord عام 1973، الجائزة ذاتها.
البرنامج الذي يشمل عروضاً سينمائية لأفلام فليني، ومعرضاً لرسومات لفليني ومقتنيات من أعماله، وفيديوهات وأصوات، بربط لكل ذلك مع أعمال لبيكاسو، هو نبشٌ لروح العبقري الإسباني في أعمال العبقري الإيطالي، حيث يكون أحدهما مرآة الآخر في شكله الفني: سينما أو رسم، وتكون المقاربة بينهما شكلية ومُضافة إلى طبيعة العمل «المونتاجي الفانتازمي» الذي أشرتُ إليه أعلاه، ما يُمكن أن تُظهر – هذه المقاربة- تشاركَ الموتيفات لدى كل منهما، وموضوعاتهما: السيرك والكوريدا، الأنتيكا والرقص، والتنويع في النساء بحالاتهن: الأم، العشيقة، المقموعة، القوية، اللعوب، بإحالات، تصريحاً وتلميحاً، إلى الجنس الفانتازمي، الجماعي أحياناً، الممتد من ذكريات فليني الطفل، وهذا ما نشاهده في بعض أفلامه.

فليني الذي بدأ حياته العملية رسام كاريكاتير، ثم سيناريست ومساعد مخرج مع روبيرتو روسيليني في فيلمين منفصلين أواخر الأربعينيات، صار يُعرف بالمايسترو، قد يكون ذلك للروح الكرنفالية في أفلامه، للعدد الكبير من الممثلين الذين غالباً ما يتواجدون متحركين، داخل المَشاهد. هو أحد أهم المخرجين في القرن العشرين، وهو كذلك صاحب أفلام هي من بين الأكثر تأثيراً في تاريخ السينما، تحديداً فيلم «الحياة الحلوة»، La dolce vita الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1960، وفيلم «½8» الذي نال أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية عام 1963 والفيلمان/التحفتان كانا متتاليين في السيرة الفيلمية لفليني. وإن كان الفيلمان أساس تحول فليني إلى العالمية، وإلى كونه أحد أفضل مخرجي عصره، فإنهما لا ينحيان جانباً أفلاماً أخرى هي كذلك علامات في تاريخ السينما، وعديدة، نذكر منها «ليالي كابيريا»، Nights of Cabiria عام 1957، و«الطريق»، La Strada عام 1954، وقد نال الفيلمان كذلك وبسنتين متتاليتين أوسكارين لأفضل فيلم بلغة أجنبية. لاحقاً، وكي يكون فليني صاحب أكثر أوسكارات لأفضل فيلم بلغة أجنبية، نال فيلمه «أماركورد»، Amarcord عام 1973، الجائزة ذاتها.
قد يدل على نجومية فليني، أكثر من كل ما ذُكر، هو رغبة المنتجين لكل من أفلام «روما» و «كازانوفا» و «ساتيريكون» بإدخال اسم فليني، الموجود أساساً على ملصق الفيلم كمُخرجه، إدخاله بالخط العريض الملون إلى عنوان الفيلم، ففليني هو نجم أفلامه، وصارت عناوين الأفلام: Fellini Satyricon عام 1969 و Fellini’s Roma عام 1972، و Fellini’s Casanova عام 1976. وهو ما لم يحصل مع غيره من كبار المخرجين.
٭ كاتب من فلسطين ـ سوريا