عززت تأثيرها الفضائيات: الخطابة وما تفعله بالناس

حجم الخط
0

عززت تأثيرها الفضائيات: الخطابة وما تفعله بالناس

هويدا طهعززت تأثيرها الفضائيات: الخطابة وما تفعله بالناستلك المناظرة التليفزيونية في نشرة الحصاد علي قناة الجزيرة بين محمد نزال ممثلا لحركة حماس وياسر عبد ربه عن منظمة التحرير، ثم أحدث رسالة صوتية لأسامة بن لادن في ألبومه المستمر الذي يدأب علي اصداره مسلسلا منذ سنوات ـ أيضا علي قناة الجزيرة ، وكذلك كلمة حسن نصر الله زعيم حزب الله علي قناة المنار وقنوات أخري، أضف إليهم لقاءً (في حلقة أقدم) من برنامج الاتجاه المعاكس علي قناة الجزيرة .. جمع بين الشيخ التميمي (مفتي من فلسطين) والدكتور مراد وهبة (فيلسوف من مصر).. أربعة مشاهد فضائية أو قل أربعة نماذج للخطب العصماء.. ربما لا يمكن أن تمر قبل أن تثير في نفس البعض بضعة تساؤلات.. فأمام تلك الخطابة المفوهة وما تفعله بالناس ربما نتساءل.. ما الذي نحلم به بالضبط لبلادنا؟! هل هي النهضة؟ التقدم؟ الحرية؟ الاستنارة؟ إذن.. وإن كانت أحلاما عادلة تحق لكل الشعوب التي تتمناها (من أجل الحياة)؟ فهل هي أحلام ممكنة لشعوب.. يتصدرها ـ رجال دين ـ يحذرون شعوبهم من حب الحياة؟!في الماضي لم يختلف العربي عن غيره من أبناء الأمم الأخري في تأثره بسحر الخطابة.. الخطيب المفوه كان دائما يسحر الألباب ويسيطر علي عقول عامة الناس ـ في كل الشعوب ـ ويوجههم أينما وكيفما أراد (ليست مبالغة إذن مقولة ان التاريخ صنعه في الغالب خطباء مفوهون حتي وإن كان بعضهم حمقي!).. ذلك في الماضي، الآن.. افترقت الطرق، دخلت أمم كثر عصر ما بعد الخطابة.. فلم يعد رنين الكلمات لديها بابا للتغيير والتطور ومفتاحا لحلول المشاكل.. بينما استمر العرب علي ولائهم لسحر الحناجر.. حتي جاءت الفضائيات لتوسع دائرة المستمعين للخطب العصماء من عشرات أو مئات.. إلي ملايين..كان غوستاف لوبون ـ وهو ألماني/نمساوي عاش في القرن التاسع عشر ـ قد ألف كتابه الشهير عن سيكولوجية السلطة وسيكولوجية الجماهير مقدما النصائح للقادة والملوك حول مسألة (الجماهير) وما تسببه لهم من صداع، قال فيه ان الجماهير عندما تصبح كتلة يمسك بتلابيبها خطيب.. فإن الفرد فيها يتحول إلي.. أذنين بينهما فراغ! فلا يحرك تلك الكتلة البشرية عقل وإنما تحركها الحناجر، بالطبع كان لوبون يقصد في كتابه الأمم الأوروبية قبل أن تتغير الأوضاع.. حيث لم يعد الخطباء يلقون اهتماما من الجماهير، قبل لوبون بمئات السنين كان ابن المقفع قد قدم نصائح مشابهة للخليفة في كتبه التي أشهرها (الآداب السلطانية، والأدب الكبير، والأدب الصغير).. الآن الأمم الأوروبية وكتلها الجماهيرية خرجت في أغلبها من مجال التأثر بسحر الحناجر إلي مجال التأثر بما يسمونه (الموضوعية ومعقولية الطرح وعلمية التصور للأشياء.. إلخ) فلم تعد تلك الجماهير تستسلم لخطيب وإنما تطلب دائما البرهان.. وبالتالي لم يعد بموسوع قادتها اهمالها إذ لم يعد ما بين آذان أفرادها ذلك الفراغ، أما العرب ـ قادة وجماهير ـ فما زال رنين كلمة معاوية (من اشتدت وطأته وجبت طاعته) تجرهم جرا، في القرن الخامس عشر كان هناك راهب مشهور في فلورنسا يدعي جوردانو.. كان يخطب في الناس بحرفية عالية، محذرا من غضب المسيح عليهم إن هم اهتموا بالدنيا ونسوا حق المسيح عليهم.. (فمعظم الخطباء المؤثرين في التاريخ كانوا ينهلون من نبع الدين).. كان يخطب ويدمع ويبكي فيبكي الناس معه ليختم خطبته بقوله (دعونا نحرق تلك الحانات.. دعونا نقتل خونة المسيح) فيسير وراءه الناس الدامعون الباكون ليحرقوا الحانات ويقتلوا المارة! هكذا يحذر بن لادن أمته من غضب الله فلا تمر أيام إلا وقد أحرق مريدوه الحافلات وفجروا الأسواق وأحشاء الناس شيوخا ونساء وأطفالا! في المناظرة بين نزال وعبد ربه في نشرة من نشرات الحصاد علي قناة الجزيرة راح ممثل حركة حماس يصرخ بكلمات عربية سليمة مؤثرة وملوحا بيدي خطيب متمرس (أنتم تعيشون في منتجعات سويسرا بأموال الشعب الفلسطيني) ليرد عليه عبد ربه بهدوء المهزوم (لا تصور للناس أن حركة فتح كانت تملك مناجم ذهب قبل تسلمكم السلطة) لكن الصوت الأعلي كان للخطيب.. الخطبة العصماء كانت له.. فكان له الإعجاب، في كلمة حسن نصر الله التي نقلتها علي الهواء قناة المنار وغيرها من القنوات كانت الجماهير صامتة مصغية وهو يخطب ملوحا بيديه.. حتي أنك لو ألقيت ورقة بينهم لربما سمعت علي الأرض صوت خشاشها! ثم فجأة ـ وقد حفظوا أسلوبه المبين ـ عندما ينطق بعبارة تستحق ردا من الجمهور تجدهم في صوت واحد هادر ينطقون (آمين)! وفي حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس كان موضوع النقاش مقاومة الاحتلال، راح الشيخ التميمي يصرخ يا أيها العرب نحن في فلسطين نستصرخكم أن هبوا لنجدتنا ، كان المفتي الخطيب في مقابل الفيلسوف.. اكتسح المفتي النقاش!كيف إذن تحولت جماهير الراهب جوردانو من جماهير تقتل المارة انتصارا للمسيح إلي جماهير ـ الآن ـ تقذف زعيمها بالطماطم إن هو (زوّد العيار) في كلامه! أو لم (يقنعها) بدلائل وشواهد معقولة علي ما يقول؟! بينما ما زال جمهور العرب يدمع بعد خطاب لبن لادن.. حتي أنه بعد أقل من يومين من خطابه الأخير أطل (الخبر العاجل) علي الفضائيات: احترقت مدينة دهب ومن فيها.. إثر تفجيرات يتهم فيها تنظيم القاعدة في سيناء المصرية؟!ربما عندما نتتبع هذين الخطين للجماهير الأوروبية أو الأمريكية والجماهير العربية.. لنتعرف علي السبب الذي جعل الفرنسيين مثلا يبصقون علي حكومتهم وزعمائهم طالبين منهم البرهان علي صحة قانون أصدروه.. وعندما لم يقتنعوا أجبروهم علي تغييره.. أو جعل الأمريكيين يسخرون من مقولات بوش التافهة عن (كلمة الله التي ينفذها).. بينما جعل العرب لا يستمعون إلا لبن لادن وحسن نصر الله ورجال الإفتاء وعمرو خالد وغيرهم من رجال الدين الذين يتوجهون إلي آذان العرب لا إلي عقولهم.. ربما ندرك أن الخط الفاصل هو في لحظة تاريخية فاصلة مر بها الآخرون ولم نمر بها نحن بعد.. لحظة (القطيعة) مع (تديين الحياة)، أحلام النهضة والتقدم إذن والتطور والاستنارة والحرية.. لا يقودها من يمجدون الموت.. هؤلاء لن يقدموا مشروعا للحياة.. ربما الأمم الأخري صادفت في لحظتها التاريخية آخرين لا يقدمون (غذاء الأذن المبين) وإنما يقدمون الدليل والبرهان.. أما نحن فما زلنا في انتظار هؤلاء.. أو قل ما زالت الجماهير العربية (لم تطلب هي ذاتها البرهان) فما زالت تتلذذ برنين الكلمات المنهولة من نبع الدين حتي لو كانت علي رقابها.. لم تأت بعد لحظة العرب التاريخية للقطيعة التامة مع الخطابة الدينية.. التي تلقي رواجا بين جماهير نفسية الفرد فيها دينية وعقليته دينية وروحه كارهة للحياة، وحتي تأتي تلك اللحظة.. ما زلنا في أسر مقولة معاوية من اشتدت وطأته.. وجبت طاعته .ريموت كنترول: أرجوك افهمني: برنامج هادئ علي قناة اليوم ضمن شبكة أوربت.. لكنه ممل.. تقليدي، المذيعة هي فعلا رقيقة ويبدو أنها تقرأ وتثقف نفسها لكنها محدودة بهذه الجلسة النسوية.. وضيوف يشاركون في جلسة الحكي تلك وأناس يتصلون.. يبثون شكواهم من الحياة والآخرين.. يشبه برامج الإذاعة الليلية التي تتيح الفرصة للناس للشكوي من لوعة الغرام وظلم الأحبة.. هكذا يمضي البرنامج ليشغل مساحة علي خريطة البرامج ليس إلا.. تشاهده مرة للتعرف فقط علي فحواه.. لكنك في الغالب لن تكرر مشاهدته.. إنما هناك شيء يلفت النظر هنا.. كيف استطاعت تلك البرامج أن تغرر بالناس حتي يعرون حياتهم وخصوصياتهم إلي هذه الدرجة علي الملأ؟! برامج المسابقات: ليس السؤال لماذا توجد إنما لماذا تشاهد؟! فهناك نوعية غريبة عجيبة من برامج المسابقات لا تفهم بالضبط من أين تبدأ وكيف ولماذا.. تلك التي تخرج فيها مذيعة نصف عارية تسأل المشاهدين.. ليه الشمس زعلانة؟ ليه الصرصار ملهوش ذيل؟ ليه القطة بتقول ماو؟! لكن الأغرب ليس البرنامج ولا السؤال ولا المذيعة نصف العارية.. الأغرب هو هؤلاء الذين يتصلون بالبرنامج من المشاهدين ويدفعون ثمن الاتصال للاجابة علي السؤال! ثم هناك ما هو أغرب.. ذلك الانتشار لتلك البرامج علي مختلف القنوات.. الجادة منها والهزلية، فيما يفكر هؤلاء الناس عندما يتصلون ويشاركون في تلك البرامج.. وكم يتكلف انتاج تلك البرامج.. ثم.. ليه المذيعة عريانة؟!كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية