باسل أبو حمدةلا يختلف إثنان على أن القوى السورية الساعية إلى قلب نظام الحكم في دمشق تفتقر إلى ما يكفي من آليات ذاتية تقودها والشعب السوري إلى تحقيق هدفها المنشود في التغيير السياسي خارج غطاء مظلة دولية لم تعد تتحكم بمسار الحراك العام للثورة وتملي عليه شروطها وحسب، بل باتت تتحكم بأدق تفاصيله بدءا بتحديد طبيعة التشكيلات السياسية والعسكرية للحراك الثوري وليس انتهاء باختيار قياداتها وصياغة برامجها بما في ذلك رسم معالم الأهداف المنشودة حتى ما بعد تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في اسقاط نظام الاستبداد في مشهد يشي بأن هذه القوى قد تكسب معركتها ضد النظام بينما تخسر نفسها. على المقلب الآخر منه حين تجد نفسها وقد سلبتها حالة التماهي مع شروط القوى الغربية كل ما تمتلك من مكامن القدرة على الفعل والتأثير، سيما وأن الجميع يعلم أن سوريا وغيرها من دول المنطقة لا تنفصل في أجندة قوى الاستعمار الجديد عن بعضها بعضا مشكلة بذلك حلقات تتكامل وتكمل سلسلة تلك الأجندة الدولية بأولياتها المعروفة.منذ بداية الثورة السورية، التي انطلقت في 15 مارس 2011، كنا ندرك تماما أن تشكيلات سياسية وعسكرية عديدة ومتنوعة وربما متناقضة كانت في طريقها إلى أن ترى النور في مسيرة هذه التجربة السياسية القاسية، وقد حدث ذلك فعلا، وهو أمر طبيعي عندما يبقى في حدود تلمس مواضع كل خطوة تراكمية من شأنها أن تساهم في تشكل مسار الثورة العام على قاعدة متطلباتها هي دون غيرها مع الأخذ في الاعتبار كافة المعطيات الاقليمية والدولية في الاعتبار ومنحها ما تستحقه من وزن لا اعطائها الوزن كله ووضعها على رأس سلم الأوليات وجعلها تطغى على معطيات الميدان وضرورات تغيير وضع قائم منذ أربعة عقود ونيف برضى ورغبة القوى الاقليمية والدولية عينها التي تحاول قوى التغيير جاهدة ضبط حراكها الثوري على ايقاع نغماتها القديمة المتجددة.المخاوف من الوقوع في أخطاء استراتيجية باتت تلوح بشكل واضح في أفق التحركات الاقليمية والدولية التي تدعي دعم الثورة السورية، فكل طرف يسعى إلى تأمين مصالحه ضمن الخارطة السياسية لسوريا الجديدة ومن أبرز تلك المصالح، كما هو معلوم، ابقاء الوضع الاقليمي في الشرق الأوسط على حاله من دون المساس بملفاته الأساسية الشائكة مثل قضية احتلال لواء اسكندرون السوري واحتلال الجولان ناهيك عن احتلال فلسطين فضلا عن ملفات أمنية أخرى أهمها ضمان أمن الدولة العبرية من خلال تكبيل القوى والتشكيلات السياسية والعسكرية باتفاقات استراتيجية أو على الأقل تعهدات بعدم القفز على دعائم المشروع الغربي في المنطقة وأدواته التي يبدو أن كل تجارب الربيع العربي غير مسموح لها أن تمر من بوابة أخرى خلاف بوابته. المنجز الوطني لا يتحقق إلا باكتماله في محيطه الاقليمي والدولي وهذا المحيط يلف سياساته غموض مطبق حجب ولا يزال حقيقة وجود طرفين أو أكثر في المعادلة السورية، في هذه الحالة، من خلال التركيز فقط على الجانب السوري وما هو المطلوب منه، بينما يتم اغفال توجهات بقية الأطراف الاقليمية والدولية، التي على الرغم من أن حضورها واضح في كل جزئية تتعلق بالطريق إلى سوريا الجديدة، إلا أن دوافع فعاليتها وأسباب حضورها تبقى طي الكتمان وكأنها غير موجودة بحيث تبدو وكأن غيرتها على الانسان السوري هي المحرك الوحيد لكل تحركاتها وهي التي تقف وراء محاولات رفع المعاناة عنه، بينما واقع الحال يشي بأنها هي بالذات المساهم الأكبر في صنع هذه المعاناة من خلال الدعم اللامتناهي وعلى مدار عقود لتلك الأنظمة الاستبدادية والعمل على ابقائها في سدة الحكم طوال تلك السنين.هذه الضبابية تعكر صفو الأهداف المنشودة للثورة التي يجب ألا تتوقف عند تغيير شكلي للنظام ويجب ألا تقتصر على ترتيبات داخلية من شأنها ابقاء الملفات الاقليمية على حالها ممسوكة من قبل قوى دولية كبرى كما جرت العادة تاريخيا في هذه المنطقة التي نجرؤ على القول إنها لم تتمكن بعد من انجاز مسائل كبرى لا يمكن الحديث عن منجز وطني بدونها وعلى رأسها مسألة الاستقلال، ذلك أنها كانت ولا تزال تنتقل بأوضاعها الداخلية والاقليمية من استعمار إلى آخر جديد ومن معاهدات دولية مكبلة إلى أخرى أكثر تكبيلا، وقد دفعت ثمن القبول بحالات استقلال غير ناجزة أثمانا باهظة تمثلت في التنازل عن أجزاء مهمة من أراضيها وسيادتها واستقلالها وحياتها السياسية وثرواتها الاقتصادية. أما العنوان العريض لتمرير كل هذه الحالة التبعية، فإنه يكمن في مسألة واحدة لا تخرج البتة عن مسألة انعدام الشفافية واحتكار المعلومة والاسئثار بالحقيقة والطريقة التي تتخذ بها القرارات وتحدد من خلالها التوجهات، فضلا عن تغييب قوة الشعوب لحظة قطاف الثمار وعدم وضع هذه القوة على الطاولة بوصفها ورقة رابحة دائما ورقما يصعب تجاوزه عندما يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى والمصيرية، ففي الحالة المصرية، على سبيل المثال، ظلت قضية اتفاقات كامب ديفيد محجوبة عن التداول حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت سقوط نظام محمد حسني مبارك البائد، بينما كان بوسع الطليعة الثورية فيها أن تحيل المسألة برمتها إلى استفتاء شعبي لا ضرورة إلى اجرائه خلال المرحلة الانتقالية للسلطة، وبذلك يتحول ملف من هذا النوع إلى ورقة قوة ضاغطة من شأنها تحسين شروط التفاوض مع القوى الاقليمية والدولية الفاعلة.يخطئ من يعتقد أن تأجيل قضايا وطنية كبرى أو ابقاء النقاش حولها والاتفاق بشأنها خلف الكواليس يسهم في تحقيق أهداف الثورة ليس ارتباطا بموقف أخلاقي بل لأن ذلك يدخل في صميم عملية تغير تشكل تلك القضايا جزءا لا يتجزأ منه أخذا في الاعتبار حالة الترابط البائنة والعضوية التي تجمع بين ما هو وطني وإقليمي ودولي، مثلما يخطئ من يعتقد أن أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي السوري، على سبيل المثال، لصالح قوى الثورة هو لسواد عيون السوريين أو أي شعب آخر، لذلك يجب أن تتحلى قوى التغيير بما يكفي من الجرأة وتشهر للعلن ما يجري خلف الكواليس من ترتيبات يتم الاعداد لها لمرحلة ما بعد سقوط نظام الاستبداد في سوريا أو أي نظام مماثل آخر، غير ذلك يعتبر دليلا على أن أمورا غير نظيفة قد تقلب المعادلة إذا ما خرجت من خلف تلك الكواليس.لكن يجب ألا تبقى مسألة الاشهار مرتبطة بضرورات الشفافية فقط، بل يتعين على قوى التغيير أن تدرك حقيقة الدور المناط بها وحجم التغيير المنشود الذي ان لم يشمل كافة الملفات التي سمحت بتغول أنظمة الاستبداد، فإن مكونات رئيسية من هذه الأنظمة سوف تعود لترى النور في كنف ما سيحل محلها من أنظمة، وهذه دعوة إلى فتح أبواب التغيير على مصاريعها وتعبير عن أمل بأن يكون هذا التغيير شاملا يحترم إرادة الشعوب ولا يبقى أسير حسابات قوى سياسية فقط علما بأن مقابلة طرفي المعادلة على هذا النحو تصب في باب توضيح الأمر ولا تعني أنها تنطوي على أي نوع من التناقض بل تكامل من شأنه تعزيز أداة التغيير.’ كاتب فلسطيني