عزلة الرمل

حجم الخط
0

عزلة الرمل

عائشة البصريعزلة الرملليسَ غروباً ما بالشمسِ، هو الضوءُ يُلَمْلِمُ أهدابهُفي حَقَائِبِ الظلْمَةِ لِيَنامَ،لَيْسَ شَفَقاً ما في الأُفُقِ، هو الرملُ يَلْعَقُ سيقانَ الحَجرِ، فَتَتَورَّدُ الزرقةُ خَجَلا من شَغَفِالعاشقِ.كثبانٌ..أجسادٌ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ بِأَنامِل شَهْوَةٍ، تَتَوَحَّدُ في عراءٍ مُوحشٍ، تُصيخُ السمْعَ لِخَطْوٍ مُتَوَجِّسٍ، ولُهاثٍ يَنْمو بَيْنَ تَجاويفِ الودْيانِ أحراشاً من الخَوْفِ. الرملُ في عُزلتهِ، كاهنٌ يلوكُ صلواتِهِ علي صَفيحٍ ساخنٍ شَفاعَةً لِخَطايا البَشَرِ، فَتُعيدُ الريحُ تراتيلَ عهودٍ مَنْسِيّةٍ. خُشونَة الرملِ أُلْبِسُني خِرْقَةَ التصوُّفِ، حافيةً أَدْهَسُ أشواكاً سِرّيةَ الأسْماءِ، وأصيحُ في المُطْلَقِ : ما سِرُّ الحياةِ في البَدْءِ؟ ما حِكْمَةُ الرمل في عَدَمِ التشابُهِ؟ وماذا بَعْدَ هاويّةِ المَوْتِ ومَصَبِّ الأَبَدِيَّةِ؟ فَيَرُدُّ الصدي صداهُ : لا سِرَّ يُخْفي عَنْ صَفاءِ السريرَةِ، حَدِّقي مَلِياً في مرايا الحجَرِ، تَأْتكِ الرؤي مُبايِعَةً بين يَدَيْكِ. ابْتَعَدَ النهارُ عَنْ ضَوْئِهِ. لا أُفُقَ يَحْجُبُ الماءَ عَنْ سِرّهِ. صَمْتٌ أسودُ يَعْمي البَصيرَةَ، لا مَفَرَّ مِنْ تَلَمُّسِ نُتوءاتِ الظلمةِ، لِفَتْحِ مسالكِ الطريقِ… ابْتَلَعَتْنا العَتَمَةُ، التَصَقَتْ أجْسادنا بالحديدِ وَتَفَتّتتِ الأصابعُ علي السياجِ. هاويَةُ الظلْمَةِ أشْهي مِنَ الضوءِ… بعد قليلٍ، سَتَتَدَفَّقُ الهواجسُ بين الأوْديةِ المهجورةِ، سَيَهْمِسُ الرملُ لِظِلالهِ: هذه التلالُ أعْرِفُها، و يَشْتاقُني حَليبُ النوقِ بَيْنَ أَضْراسِ البَعيرِ ورائحةُ الزعْتَرِ البَريِّ. تَحْتَ خَيْمَةٍ مِنْ وَبَرٍ، بين رائحةِ الحَطَبِ وفُقاعاتِ الشايِ، تَمْتد يَدُ الغَريبِ خلفَ المشهدِ، تُعَدِّلُ مواقعِ النجومِ. مِنْ لَمْسَتِهِ انْتَشَتْ نجمةٌ وغادَرَتْ سريرَ السماءِ. تاهَتْ طُرُقُ العَوْدَةِ بَيْنَ مَسالِكِ العُزْلَةِ، التَمَعَتْ عُيونُ الليلِ بَيْنَ شُقوقِ الصخرِ.شَرُدَتْ سِحِلّياتٌ أذْهَلها فُضولُ الغرباءِ. اخْتفي القَمرُ من شُرْفَتِهِ حداداَ علي مَوْتِ عالمٍ مُتَحَضرٍ .مُخَرَّمٌ رِداءُ الريحِ في الصحراءِ.أجسادٌ لا مَرْئِيَّةٌ تَلْتَفُّ بِأجسادِنا وتَفْتَحُ في أرواحِنا نوافذ زمنٍ غابرٍ، بقايا أصواتٍ أَرّقَها الحنينُ إلي الآتي: هُوَ المجنونُ يَلْفَحُ الرملَ بقدمينِ حافيتينِ، ويُنادي لَيْلاهُ إلي سَريرِ البَيْداءِ. هلْ تَحَسَّسْتِ نَقاوَةَ الصحْوِ؟ هلْ أَغْراكِ الرملُ بالاغْتِسالِ، عاريةً مِنْ زيْفِ التَمَدُّنِ، من الصخبِ والحديدِ والدخانِ؟ هلْ أَدْمَعْتِ لِنُواحِ النايِ وَشَدْوِ الحَجَرِ؟ هلْ تَهَجّيْتِ حِكْمَةَ البَدْءِ في أناشيدِ البَدْوِ دونَ ذِكْرِ الأسماءِ؟؟؟هلْ جَرَّبْتِ الصراخَ في مُطْلَقِ الفراغِ؟ ضامرٌ هذا الليلُ، لَوْلا تَكَوُّرُ الريحِ علي صدرِ التربةِ، وانْعِكاسِ النجومِ في صَقيلِ الحَجَرِ. انْكَمَشَت الأصواتُ، لُغَةٌ واحدةٌ لا تَكْفي. …. بياضاتٌ، لا صوتَ يَعْلو علي صَمْتِ الصحراءِ. شَفّاَفَةٌ مَرايا السماءِ، لا حُجُبَ بينَ البَشَرِ وكلامِ الله خَفِّفِ الخَطْوَ، هنا سُرَّةُ الكون، سِرُّ البَدِءِ وكِتابُ الأَزَلِ. فتَوَضّأْ بِطهارةِ الرملِ ثم َصلِّ صَلاةَ الغَجَرِ أمامَ هذا البَهاءِ. سرابٌ/ فراغٌ/ تَوَحّدٌ /وحْشةٌ /ظَمَأٌ… أوصافٌ لِلصحراءِ ولروحِي رِداء.لَوْ عَرَفَتِ الصحراءُ مَنْبَعَ العَطَشِ، لَبَرِئََتْ روحي مِنْ دُمَلِ الحياةِ. نُدْبَةُ ضوءٍ أَيْقظَتْ غَفْوَةَ الزمنِ، كما لوِ أَنّنا مِتْنا قليلا، كما لوْ كُنا توابيتَ علي مَعْبَرٍتَنتَظِرُ تَصْريحاً للعُبورِ… علي عتبةِ المدينة، خَمَّنْتُ: سَأُغْلِقُ النصَّ علي عتَمَتِهِ، كَيْ لا يَسيحَ الرَّمْلُ مِنْ بَيْنِ الشُقوقِ، تَذَكَّرْتُ دَرساً في الجَبْرِ لا يُأطّرُ مَا لا أضْلاعَ لَهُ مَرْجِعِيّةٌ سائِبَةٌ وفَراغُ معني لا مَعْني لَهُ لا ذاكرةَ للرملِ، ولا وُثوقَ في مَهاوي الأقدامِ، هَبَّةُ هواءٍ عَبَرَتْ وَمَحَتْ آثار الخَطْوِ و سائِبَ الكلامِ. من بعيدٍ سَمِعْتُ الصدي يُعيدُ صَداهُ: لا رَهْبانِيَّةَ إلا لِلرَّمْلِ في مواجعِ الصحراءِ.(وادي رم ـ الأردن)شاعرة من المغربQSH0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية