عزوف الأردنيين عن الأحزاب والانتخاب: كيف يمكن الاستدراك؟

بسام البدارين
حجم الخط
1

حواضن اجتماعية نشطة بأكملها قررت العزوف أو تعرضت لمضايقات دفعتها للعزوف مثل نشطاء دعم ومساندة غزة والمعلمين في القطاعين العام والخاص وأنصار حزب الشراكة والإنقاذ الذي منع من الولادة.

عمان ـ «القدس العربي»: تسجل المفارقات الوطنية تطورا بنسبة بسيطة على عدد الأردنيين الذين انضموا للأحزاب السياسية المرخصة مؤخرا وعلى رافعة الحملات الهوسية للمشاركة في الانتخابات المقبلة.

العدد ارتفع بنسبة درجتين فقط بعد واحد في المئة من المواطنين وبموجب إحصائية غير رسمية على الأرجح، ما يعني بأن عدد أعضاء الأحزاب المسجلين بعد ماراثون الهيئات العامة لـ 29 حزبا على الأقل بدأ يزيد قليلا عن 60 ألفا من المواطنين وبنسبة تزيد بدرجتين عن الـ1 في المئة التي سبق أن أثارت الجدل.
مجددا يذكر رئيس الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات موسى المعايطة بأن عدد الحزبيين المسجلين ليس المعيار خصوصا عند الانتخابات، وسبق للمعايطة أن شرح وجهة نظره لـ«القدس العربي» عندما تحدث عن تأثير الأحزاب في مجتمع الناخبين ومعدلات الاستقطاب باعتبار ذلك هو المعيار الحقيقي.
بالاستنتاج لا يزيد عدد الحزبيين في الأردن بشكل لافت للنظر بالرغم من عبور العام الثاني على مسار تحديث المنظومة السياسية.
والأكثر حساسية بالرغم من زخم الاستدراج والاستقطاب والاصطفاف الناتج عن الانتخابات والانشغال بها خلافا لأن مئات الطامحين بالمواقع والوظائف والأدوار والفرص الانتخابية هم الذين شكلوا الفارق البسيط في التوزيع السكاني للأحزاب خلال الأسابيع القليلة الماضية. يسأل أحد المعلقين عبر منصة لـ«القدس العربي» بصيغة استفهامية: «ما هو حجم التمثيل الشرعي والديمقراطي والأخلاقي الحقيقي لـ41 مقعدا خصصت للأحزاب السياسية بالقانون فيما لا يمثلها كلها أكثر من 60 ألفا من الناخبين؟».
سؤال صعب وسياقه التشكيك ما يعيد الأمور إلى النصاب الذي اقترحه يوما السياسي المخضرم طاهر المصري عندما قال أمام «القدس العربي» إن وظيفة الانتخابات والعمل السياسي الحزبي المنظم هي زراعة اليقين وإن مسألة يقين الجمهور مفصلية ولا يمكن التساهل فيها حتى لأغراض التكتيك والعبور من بعض المراحل.
تسرعت عملية تحضير الأحزاب السياسية الجديدة وتسارعت للانتخابات وقبلها بهدف العبور من مرحلة طوفان غزة والوضع الإقليمي المشتعل والضائقة الاقتصادية. تلك عناصر في المشهد مربكة لجميع الأطراف حتى برأي السياسي والبرلماني الخبير الدكتور ممدوح العبادي الذي كان أول من طرح سؤالا مثيرا ومهما في مسألة المسيرة الحزبية ومسار التحديث.
سأل العبادي من دون انتظار إجابة طبعا: كم هو بصورة محددة عدد أعضاء اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية الذين بادروا للانضمام إلى العمل الحزبي بعد ما وضعوا وثيقتهم في التحديث بين يدي الشعب الأردني؟
سؤال قد يبدو محرجا لكن صياغته مطروحة وتتضمن الإجابة، لأن ما يقترحه العبادي في قياس الأثر هو خصم عدد أعضاء اللجنة التي دخلوها بصفتهم الحزبية من العدد غير الحزبي ثم تحديد رقم أو عدد أعضاء اللجان الذين أصبحوا حزبيين بعد وضع الوثيقة وتأطير المسار وتعديل القوانين.
الهدف من سؤال نوعي وكمي من هذا الصنف هو لفت النظر إلى أن الدرب لا يزال شاقا وأن ثقافة العمل الحزبي في الأردن لا تزال تحتاج للكثير من الخطوات المنهجية والبرامجية ولو وفقا لمنطق التدرج الذي يقترحه المعايطة وآخرون، فيما أسباب العزوف عن الأحزاب رغم تمهيد الساحة لها وتوفير الدعم التشريعي وضخ زخم معنوي فيها لا تزال ظاهرة تستحق التأمل. لا بل هي نفسها الظاهرة التي دفعت سياسيين علنا مثل العبادي والرئيس علي أبو الراغب وغيرهما لاقتراح تأجيل الانتخابات قليلا.
لكن سؤال العزوف الحزبي قد يرتبط بالضرورة بعد 8 أسابيع بسؤال العزوف الانتخابي.
وعند الرغبة في تحصيل إجابات حول ما حصل أو سيحصل قد تعود النقاشات للمربع الأول حيث أزمة المصداقية وغياب اليقين وحيث طوفان الأقصى داهم بتأثيراته العميقة كل منظومات المؤسسات الرسمية وحيث العزوف مؤشر ليس على السلبية بقدر ما يؤشر على أزمة الثقة.
لذلك يتوقع خبراء حتى بعد الانتخابات أن لا تقنع مسيرة النواب الحزبيين المنتخبين الجمهور بتوسيع قاعدة العمل الحزبي وان كان ذلك بحد ذاته محطة ضرورية قبل النضج والوعي فيما رئيس اللجنة التي صاغت وثائق المسار برمته والمقصود الرئيس سمير الرفاعي كان أول من علق جرس الملاحظة في محاضرة شهيرة انتقد فيها الشخصنة والعمل الفردي وغياب الرؤية البرامجية عن الأحزاب، كما لفت النظر إلى ضرورة أن تتوقف الأحزاب الجديدة عن طموحاتها التي تستبق تراكم التجربة في تشكيل حكومات أغلبية.
أخفقت الأحزاب الموجودة في التقاط ما هو جوهري في ملاحظات الرفاعي. وأخفقت أيضا في قراءتها باعتبارها جزءا من عملية تقييم مرجعية عميقة للمشهد قد تؤذي لاحقا مسار التحديث السياسي برمته أو قد تتطلب بالحد الأدنى المطالبة بحراك تصحيحي له.
إلى أن يظهر أو يبرز ذلك على القائمين الرسميين التوقف عن توقع نتائج إيجابية خصوصا بعد الانتخابات المقبلة لأن حواضن اجتماعية نشطة بأكملها قررت العزوف أو تعرضت لمضايقات منهجية دفعتها للعزوف مثل نشطاء دعم ومساندة غزة والمعلمين في القطاعين العام والخاص وأنصار حزب الشراكة والإنقاذ الذي منع من الولادة.
العزوف بالخلاصة عن الأحزاب والانتخابات له أسبابه ومن المنطق القول بانه لن يزول قبل زوال الأسباب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية