عزيزي المجهول… هل جربت؟

حجم الخط
0

عزيزي المجهول هل جربت أن تستمع إلى ما أقوله ولو لمرة واحدة، دون أن تحضر كلاما في دماغك وأنا أتحدث؟ هل جربت أن لا تكرهني وتشيح بوجهك عني كلما رأيتني، هل جربت أن لا تشتمني وتتهمني بما لست فيه لأني لا أشبهك! هل حاولت أن تفكر وتشعر وتدرك ما تفوهت به قبل أن تجاوب بكل إندفاع وملحمية نحو فكرتك، هل فكرت بأنك قد تكون مخطئا وبأننا لا نستطيع أن نكون على صواب طوال الوقت! هذا المجهول القابع في كل مكان، جعل الكثير يبرر القتل وكره الآخر طالما هو لا يماثله بالأفكار، كل البشاعة التي نراها حولنا تتمثل بمحاولتنا الدائمة في البحث عن الإختلافات بيننا وبين الطرف الآخر لنشعر بتفوقنا، دون محاولة أن نبحث عن النقاط التشابه التي لا تنتهي، إن بحثنا عنها بصدق.
حوار الطرشان سيؤدي إلى مزيد من الألم والخسارة الدامية لجميع الأطراف، لن ينتهي إن لم نكن على إستعداد بأن نستمع ونصغي للآخر ونحترم خصوصيته ورأيه، دون أي محاولة لفرض آرائنا الشخصية، بث التسلط الذي نقبع به عليه!.
لو تدرك يا عزيزي بأنك ‘حر ما لم تضر’ إذن ليس من حق أحد فرض على الآخر كيف يتكلم ويرتدي ويفكر ويشعر، فلتدرك بأن قلبك يخفق بالمقدار الذي يخفق فيه قلبي.
أعود وأسألك يا عزيزي هل جربت أن تمزق أوراقك القديمة وكل الصور التي تعلقها كمحراب في غرفتك! هل جربت أن تغير القنوات الفضائية والجرائد التي تبتاعها يوميا! هل جربت أن تزيل الغبار عن عينيك وترى من جديد! 100 مليار خلية في دماغنا، لكن متى كانت آخر مرة كنت مستعدا لتغيير فكرة لديك وإستقبال أفكار جديدة!
هل جربت أن لا تتعصب لفكرة مهما كانت في نظرك نبيلة ومقدسة، هل جربت أن تسأل نفسك، ما مصدر هذه الأفكار، هل نفضت عن نفسك كل الأفكار التي يراد بها إتباع الآباء والأجداد دون تفكير، جرب ولو لمرة أن تقول لي كقول الفيلسوف الفرنسي فولتير ‘أخالفك في الرأي ولكنني أدافع عن حقك في إبداء الرأي’.
عزيزي المجهول أطلب منك أن لا تصنفني ضمن أي فئة تخطر ببالك، ثم بكل وحشية تقوم بإقصائي! لا تقل عني وطنية أو مندسة، مؤمنة، كافرة، متعلمة، جاهله، قبيحه، جميلة، لا تسألني ما هو ديني أو مذهبي أو إنتمائي السياسي، حاول أن تتعامل معي كإنسانة لها ذاتها وكيانها ومن حقها الوجود في الحياة، وليس من حقك أن تقتلني، أو تعتقلني، تضربني، تشتمني، لأني لا أوافقك الرأي، فلا تضع اللجام على عقلك بذريعة أمن الدولة والمواطن والإستقرار، والعادات والتقاليد، وحتى الدين الذي يأمرك بالتفكر والتدبر والتفقه وأنت لا تريد سوى الرد على تجار الدين لتنام وضميرك مرتاح على ما صنعته يداك.
ذاك الرقم الضائع من البشر ، المفقود، الذي سقط عمدا عن نصه في الأوطان التي تصر على تحقيق أكبر قدر ممكن من الخسائر والمذابح حتى تتبجح بهزائمها أمام التاريخ والأجيال.
في الختام أقتبس من كتاب ‘التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور’ للكاتب مصطفى حجازي بقوله ‘الذهن المتخلف يعاني من قصور الفكر النقدي، إنه متحيز بشكل تلقائي نظرا لتدخل العوامل الإنفعالية والعاطفية في أولية التفكير. وهو قطعي في تحيزه، فإما أن يكون مع أو ضد أمر ما. ويبدو قصور الفكر النقدي بالتالي من خلال العجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة لمسألة ما، بين المميزات والعيوب. فقط هذا الجمع يسمح بتلطيف الأحكام، وزيادة قدرتها التمييزية، وبالتالي زيادة فعاليتها من خلال التقدير الفعلي لوزن ومدى الأوجه المختلفة للظاهرة’ .
ديمة الحاج يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية