قائمة المحظورات التي تفرضها قوات الاحتلال الاسرائيلي على الفلسطينيين طويلة جدا، لكنها يوم امس اضافت عليها امرا جديدا حين داهمت المخابرات الاسرائيلية منزل عائلة الاسير سامر العيساوي، وسلمتها امرا بمنع الاحتفال بالافراج عنه.
فرض هذا الجهاز الاسرائيلي الجبار لمثل هذا القرار يعكس حجم هزيمته امام ارادة انسان واحد آمن بقضيته وكافح بكل الطرق، وآخر وسيلة استخدمها كانت معركة الامعاء الخاوية، عندما خاض اضرابا عن الطعام لمدة تسعة شهور، اجبر خلالها سجانه على الرضوخ وعقد صفقة لاطلاقه.
تستطيع اسرائيل بجبروتها واسلحتها ان تفرض قوانينها التعسفية، لكن هذه الاسلحة لا تستطيع وقف الاحتفال ومنع الفرح، ولا وقف دموع السيدة ام رأفت العيساوي والدة سامر التي انهمرت وهي تغمرها الفرحة اثناء وقوفها امام سجن شطة حيث كانت تنتظر الافراج عن ابنها.
كان سامر العيساوي اعتقل عام 2002 وحكم عليه بالسجن ثلاثين عاما، وبعد عشر سنوات قضاها بالسجن تم اطلاق سراحه بصفقة ‘شليط’ لتبادل الاسرى. وبعد عدة شهور اعادت سلطات الاحتلال اعتقاله بحجة عدم التزامه بشروط الصفقة بسبب تنقله خارج منطقة اقامته، مما يعني بالنسبة لسلطات الاحتلال اعادة اعتقاله لعشرين سنة اخرى.
العيساوي لم يخضع لارادة السجان، وخاض اضرابا عن الطعام استمر 266 يوما متواصلة، وهو اكبر اضراب عن الطعام بتاريخ البشرية، وفي احدى جلسات محاكمته اثناء اضرابه عن الطعام وقف سامر وفتح قميصه وسأل القاضي الاسرائيلي: بمادا يذكّرك هذا المشهد؟ وكانت صورة سامر بجسده الضعيف المنهار، نسخة طبق الاصل لصور تنشرها الآلة الاعلامية الصهيونية لضحايا النازية.
السجون الاسرائيلية شهدت خلال السنوات الست والاربعين الماضية العديد من الاضرابات الجماعية عن الطعام، للمطالبة بوقف الممارسات التعسفية داخل السجون ولانتزاع الحد الادنى من الحقوق، مثل توفير العلاج للاسرى المرضى، ويعاني حوالي الف اسير اليوم من الامراض المزمنة، وقد قتل اكثر من 150 معتقلا بالسجون الاسرائيلية.
ورغم اتفاقية اوسلو، ورغم الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة الذي ما زال محاصرا، تواصل اسرائيل احتجاز اكثر من خمسة آلاف اسير ويقدر عدد عمليات الاعتقال منذ عام 1967بـ 800 الف معتقل، اي 20 بالمئة من ابناء الشعب الفلسطيني، مما يعني ان كل اسرة ذاقت معنى الاعتقال. وقد شملت حالات الاعتقال كافة شرائح وفئات المجتمع، بمن فيهم كبار السن والاطفال والنساء والمرضى والاعلاميون والاكاديميون والقيادات العسكرية والسياسية على حد سواء. وتعرض كل من مر بتجربة الاعتقال للتعذيب سواء الجسدي او النفسي، وخلال العام الحالي، رصدت دائرة الاحصاء بوزارة الاسرى والمحررين الفلسطينيين اعتقال 3874 مواطنا فلسطينيا، ولم يمض يوم واحد خلال العام 2013 دون تسجيل حالات اعتقال. وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي، شرعت اسرائيل ما اطلقت عليه اسم ‘الاعتقال الاداري’، حيث تم اعتقال اكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني لسنوات بدون محاكمة وبدون لائحة اتهام، وما زال بالسجون الاسرائيلية اكثر من 150 معتقلا اداريا.
اليوم تستخدم اسرائيل محنة الاسرى لفرض تنازلات جديدة على المفاوض الفلسطيني، حيث تربط ومن خلال وزير الخارجية الامريكية جون كيري، اطلاق مجموعة من الاسرى ثم الاتفاق على الافراج عنهم قبل بدء المفاوضات بالموافقة على شروط امنية، وهو امر يرفضه الاسرى الذين يفضلون السجون على التنازل عن حقوق اساسية دفعوا حريتهم ثمنا لتحقيقها. ونأمل وغيرنا من الفلسطينيين والعرب، ان يملك المفاوض الفلسطيني الحر، عزيمة وصلابة الاسرى ويرفض التفريط بأي من الحقوق، وان تكون قضية اطلاق كافة الاسرى شرطا لأي اتفاق سلام.