عسكر موريتانيا.. هل يفون بالوعد اخيرا؟
د. محمدو بن محمدعسكر موريتانيا.. هل يفون بالوعد اخيرا؟ لقد ظل المطلب الديمقراطي يمثل واحدا من اهم المطالب والاهداف التي دأب الجيش الموريتاني علي الوعد بتحقيقها منذ استيلائه علي السلطة في العاشر من تموز (يوليو) 1978 والي اليوم، فقد كان هذا الوعد يتجدد دون مضمون كبير مع بزوغ لجنة عسكرية جديدة تقوم بانقلاب عسكري جديد وافول اخري، وما كان لوعد المجلس العسكري الحالي للعدالة والديمقراطية ـ الذي يستولي منذ الثالث من آب (اغسطس) 2005 م علي حكم البلاد، بعد ان تمكن من تحقيق المفاجأة الكبري المتمثلة في الاطاحة بالنظام المختلط للعقيد ولد الطايع. اقول ما كان لوعد هذا المجلس بتحقيق المطلب الديمقراطي ان يختلف عن غيره من الوعود العسكرية السالفة عليه، لولا ما نلاحظه من مؤشرات وقرائن تدعو الي التفاؤل اخيرا بامكانية تحقيق ما يتطلع اليه الشعب الموريتاني منذ امد بعيد من وفاء العسكر بتعهدات قطعوها في مجال الاصلاح الديمقراطي وفشلوا فيها باستمرار فشلا ذريعا. هذه المؤشرات والقرائن ليست فقط في الظروف المحيطة من وضع داخلي وخارجي ضاغط بشكل غير مسبوق في اتجاه الوفاء بالوعود العسكرية الجديدة بتحقيق الديمقراطية، وانما كذلك في المآلات المرتقبة لهذه الوعود، فضلا عن مضامينها وجديتها غير المعهودة في الوعود السابقة، ان هذه المؤشرات والقرائن اذن هي ما يستدعي منا الوقوف في هذا المقال علي طبيعة الظروف المحيطة بهذا الوعد وعلي اهم ما يميزه عن غيره من الوعود العسكرية الاخري السابقة عليها بخصوص هذا المطلب الديمقراطي العتيد. بيد انه مما يجدر هنا قبل الدخول في متاهات هذه المقارنة التي هي مقارنة مع الفارق ـ كما يقول الاصوليون ـ ابداء عدد من الملاحظات العامة التي نعتقد انها تفسر علي الاقل في جانب منها الظروف التي احاطت بتمكين المؤسسة العسكرية الوطنية دون غيرها من مؤسسات الدولة الاخري من الحكم المباشر او غير المباشر للبلاد طوال تلك العقود الماضية اي منذ تموز (يوليو) 1978 الي الآن 2006م: ـ لقد منحت حرب الصحراء مع الاشقاء في منتصف سبعينيات القرن الماضي للجيش الموريتاني اهمية خاصة، فقد كان لرهان الرئيس الراحل المختار ولد داداه علي كسب هذه الحرب ـ الساعية بالتنسيق مع المغرب الي ضم بعض الاجزاء من الاقاليم الصحراوية الي موريتانيا ـ وتحديدا اقليم الداخلة الولاية الرابعة عشرة ـ اثره الكبير في العمل علي تقوية المؤسسة العسكرية الموريتانية، ليس فقط بزيادة منتسبيها زيادة كبيرة، وانما كذلك برفع مستوي الاحتراف والتدريب والتسليح لهذه المؤسسة، فأصبح الجيش بفضل هذه العناية المؤسسة الاكثر تنظيما والاقوي والاقدر علي حكم البلاد من بين سائر المؤسسات الاخري في الدولة بما فيها مؤسسة الحزب الواحد ـ حزب الشعب ـ الذي مكن الرئيس الراحل من حكم البلاد ردحا من الزمن، قبل ان تطيح به هذه المؤسسة. وهكذا ادي الاهتمام ببناء جيش قوي نسبيا الي نتائج عكسية علي حكم الرئيس الراحل، عندما اطاح به هذا الجيش في العاشر من تموز (يوليو) 1978م. لتدخل البلاد منذ ذلك التاريخ في حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي، بسبب الانقلابات والانقلابات المضادة التي كان آخرها انقلاب الثالث من آب (اغسطس) الماضي، و الذي جاء بعد فترة من الاستقرار النسبي كان سببها اعتقاد الجميع ـ بما في ذلك العديد من العناصر النافذة في الجيش ـ بحصول تحول سياسي للحكم بعد صدور دستور 91م النافذ من حكم عسكري شمولي الي حكم مدني ديمقراطي، وذلك قبل ان ينكشف زيف هذا الاعتقاد بسبب استئثار العقيد ولد الطايع بالحكم بعد ان كانت تشاطره فيه منذ توليه له في العام 1984م الي العام 1991م لجنة عسكرية، قبل ان يستأثر بالكامل ابتداء من 91م بهذا الحكم مكتفيا بمنح ما يمكن تسميته ببعض الاقطاعات في الدولة لبعض كبار الضباط في تلك اللجنة العسكرية حتي يضمن ولاءهم، بينما بقي السواد الاعظم من الضباط متوسطي الرتب وضباط الصف والجنود يعانون من الغبن والتهميش شأنهم شأن الاغلبية الساحقة من المجتمع ككل، مما دفع بعض هؤلاء الي التفكير مجددا في الانقلابات العسكرية كوسيلة لتغيير هذا الوضع الجائر. ـ واذا كان البعض يسلم بان اي حكم ديمقراطي جيد لا بد ان يقوم علي الاستبعاد الكلي للمؤسسة العسكرية من الحياة السياسية وتفاعلات هذه الحياة، فان البعض الآخر قد لا يؤمن بضرورة استبعاد هذه المؤسسة من العملية الديمقراطية، بل انه ليس ثمة معني علي حد اصحاب هذا الراي الاخير لوضع فيتو اعمي علي دور المؤسسة العسكرية في حياتنا العامة، وذلك لان افراد هذه المؤسسة ضباطا وجنودا ينتسبون للمجتمع انتسابا عضويا ومن ثم فهم يحملون شأنهم شأن باقي افراد المجتمع همومه وتطلعاته الي الحرية والعدالة والديمقراطية. واذا وقفنا امام هذا الراي الاخير لكونه الاكثر انطباقا علي وضع المؤسسة العسكرية الوطنية من حيث علاقتها بالحكم والسياسة عندنا، يمكن ان نخلص بخصوص تجربة الجيش الطويلة مع الانغماس في ممارسة الحكم والتعاطي مع مختلف التفاعلات السياسية الي ما يلي: ـ لم تكن ابدا ممارسة المؤسسة العسكرية للحكم والسياسة في بلادنا ناجحة او حتي قريبة من ذلك، فقد عرفت البلاد خلالها قدرا كبيرا من القهر والظلم والاستبداد، ناهيك عن دوامة الصراعات التي لا تتوقف علي السلطة، والتي تجلت ابرز ملامحها في حالة مزمنة من عدم الاستقرار السياسي بسبب سلسلة طويلة من الانقلابات الناجحة والفاشلة منذ استيلاء الجيش علي الحكم في اواخر سبعينيات القرن الماضي. ـ كانت تجربة العسكر عندنا في نقل الحكم من حكم عسكري مباشر ـ والتي بدات مع مطلع تسعينيات القرن الماضي ـ الي حكم شبه مدني او مدني براس عسكري تجربة فاشلة هي الاخري، نظرا لعقلية الهيمنة والتسلط التي ميزت هذا الراس والتي افرغت المؤسسات المدنية الناشئة من اي دور حقيقي يمكن ان تضطلع به هذه المؤسسات في ظل نظام ديمقراطي او حتي شبه ديمقراطي. ولعل الجيش نفسه كان آخر من ادرك هذه الحقيقة حين قرر وضع حد لهذه التجربة من خلال انقلاب الثالث من آب (اغسطس) الاخير. هذا الانقلاب الذي اعادنا مرة اخري الي مربع البداية، اي الي الوعود العسكرية بتحقيق الديمقراطية، فما الجديد في هذه الوعود؟ وهل تختلف عن الوعود العسكرية السابقة، ثم هل تتمكن المؤسسة العسكرية اخيرا من الوفاء بهذا الوعد العصي بالديمقراطية؟ اما الجديد في هذه الوعود فهو انها تأتي هذه المرة في ظرف دولي واقليمي ومحلي ضاغط في اتجاه تحقيق الديمقراطية، فعلي المستوي الدولي لم يعد مقبولا او حتي مستساغا ان تستولي جماعة عسكرية علي الحكم عن طريق الانقلاب علي المؤسسات المدنية او شبه المدنية القائمة في اي بلد، فقد ولي منذ انهيار النموذج السوفييتي في اواخر ثمانينيات القرن الماضي عهد الانقلابات الثورية منها والمغامرة، فقد اصبح النموذج السائد هو النموذج الليبرالي الغربي في الحكم، اي نموذج الديمقراطية الليبرالية القائم علي اختيار الشعوب لحكامها وليس تغلب الحكام علي شعوبهم. وعلي المستوي الاقليمي فقد قطعت تجارب الجيران في الاصلاح الديمقراطي الجنوبية منها ـ مالي و السنغال ـ والشمالية ـ المغرب والجزائر ـ اشواطا مهمة نحو تحقيق هذا الاصلاح، مما جعلها تبدو مثالا قريبا وقابلا للاحتذاء والقياس عندنا، واما علي المستوي المحلي فقد مكنت مغالطات القائمين علي ما كان ينظر اليه يوما كمسار ديمقراطي في البلاد منذ العام 91م، تلك المغالطات التي عمد اصحابها باستمرار الي تزوير ارادة المجتمع وفرض نظام بوليسي في ثوب مدني عليه، نظام صادر الحريات وقمع المعارضين وعاث زبانيته في الارض والعرض فسادا، اقول مكنت هذه المغالطات من خلق اجماع وطني بين مختلف القوي السياسية الحية علي ضرورة الدخول في مسار ديمقراطي حقيقي يقطع العهد مع كل ما كان من ممارسات هذا النظام.ولا شك ان اعضاء المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية قد ادركوا ـ وربما اكثر من غيرهم ـ مدي قوة وتأثير هذا الظرف الضاغط في اتجاه تحقيق الديمقراطية والعدالة، بل لعلهم استنحتوا اسمهم وشعارهم البارز المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من هذا الادراك، فأعلنوا عن هذه الوعود الجديدة بتحقيق الديمقراطية، مع ما يعنيه ذلك من العمل خلال فترة انتقالية محدودة علي تسليم حكم البلاد لنظام مدني بالكامل، عكسا لما درج عليه جميع اسلافهم من اعضاء اللجان العسكرية السابقة، بدءا بقادة انقلاب 78 م، مرورا بقادة انقلاب 80م وعلي راسهم محمد خونة ولد هيداله وانتهاء بانقلاب ولد الطايع، الذي يمكن نعته بالانقلابي المخضرم، نظرا لانقلابه اولا علي زملائه في لجان الانقاذ او الخلاص العسكرية وثانيا لانقلابه علي الشرعية الديمقراطية التي اصبح يدعي الحكم بها منذ العام 91م، بينما ظل حكمه في الواقع بعيدا عن كل ما هو ديمقراطي.واما عن مظاهر اختلاف الوعود العسكرية الجديدة بتحقيق الديمقراطية عن الوعود العسكرية السابقة، فهي واضحة، ليس فقط من حيث الظرف الذي جاءت فيه هذه الوعود، وانما كذلك من حيث المآلات المرتقبة لها، فالجيش هذه المرة حسب هذه الوعود لن يحكم البلاد لا مباشرة ولا بشكل غير مباشر، وسيقتصر دوره علي الاشراف علي المرحلة الانتقالية التي سيتم خلالها بناء مؤسسات مدنية حقيقية تتمتع بالشرعية واختيار حاكم شرعي، في جو من الشفافية والديمقراطية، وبعيدا عن اية اكراهات من المؤسسة العسكرية لصالح هذا الطرف او ذاك، والحقيقة انه ليس ادل علي حرص هذه المؤسسة في الابتعاد عن اي دور سلبي او ايجابي في عملية التحول هذه من المنع الدستوري لاعضاء الحكومة الانتقالية وهم اعضاء مدنيون من حق الترشح في مختلف الاستحقاقات القادمة برلمانية كانت او رئاسية. ان هذه المؤشرات اذا ما اضيفت الي الظرف الضاغط في اتجاه الوفاء بالوعود العسكرية الجديدة بتحقيق الانتقال الديمقراطي في البلاد، والقاضي في مضمونه بان اي تحول سلمي نحو الخيار الديمقراطي لا بد ان يعتمد علي حركة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني الناشطة، باعتبارها وحدها الأداة المثلي لأي تغيير سياسي واجتماعي مؤثر وناجع، وهو ما يبدو ان مسيري المرحلة الانتقالية يدركونه ايضا، اقول ان هذه المؤشرات اذن هي ما يدعونا اليوم الي التفاؤل بأن فجر الديمقراطية والحكم الرشيد ربما بات قريبا اكثر من اي وقت مضي من ربوع الأهل في موريتانيا الحبيبة، فهل يتحقق الوعد بالديمقراطية هذه المرة بعد سنين الظلم والاستبداد والجور؟ہ باحث واستاذ جامع من موريتانيا[email protected]