محمود الرحبيحين وصل من قريته إلى سطح عمله الجديد في مسقط، كان يحمل في يده ثلاث جرار عسل ليبيعها، وحين عرضها على كل من صادفه سمي بعسل.-عسل أم بصل . لازم أن أعرف كم عدد هذي الدرجات.يصعد عسل وهو يحسب، وما ان يصل إلى الأرقام العليا حتى يبدأ بالجلوس، يغزوه التوهان ويضيع عدده. ثم يصعد.. ويجلس.. ويصعد. والعدد يتلاشى ويضيع في طريقه.عسل الذي يمقت المصاعد الكهربائية، أو يخافها، هذا الخوف الذي يصرح به -إيماء- بعد أنْ سئم تكرار الشرح، بأنفه المزموم ويده الملوحة،اللذين يرسمهما على صورة احتقار لهذه الغرفة التي تصعد بنا وكأننا (ديدان) حسب ما يصف به سبب تمنعه من الدخول وإغلاق جسده في قلب الحائط:- عسل ما يخاف. ولكنه يكره أن يقفل على نفسه في جدار.ثم يضيف بحكمة لا تخلو من خبث:- من أراد أن يصل إلى الأعالي عليه أن يتعب.. عليه أن يلهث.كان هذا رده لمن يستفزه للدخول إلى غرفة الصعود الكهربائية.يصعد درجات المجمع، ويبدأ في حصرها: يبدأ بالواحد ثم يصل إلى المئتين ويجلس مستريحا، ثم يبدأ من جديد بمئتين وواحد، وهنا تبدأ رحلة التلاشي، حين يشرع عسل بالجلوس في أي درجة ما أن يحسّ بأن أنفاسه لا تسعفه، وحين يقوم بعدها-وكأنما يفزّ خارجا من إغماءة قصيرة-، يتساءل في دخيلته، هل الدرجة التي جلست عليها هي المائتين والثلاث وثلاثين أم هي المائين والسبع وثلاثين؟ ولن يجيبه أحد.وفي هبوطه كان يحصي تلك الدرجات بسهولة فيجدها ثلاث مائة وستاً وسبعين درجة.ولكن عسل لن يقتنع يوما بأن ذلك العد السهل في الهبوط هو نفسه في الصعود الشاق.يصل عسل إلى السطح وحيدا كل صباح، فرغم أن الزحمة كانت تمور في كل أوصال ذلك المجمع، – مجمع الإخوة الثلاثة للحديد والصلب-الذي يملكه ثلاثة من التجار لا تجمعهم سوى أخوة المال، إلا أن السطح لا يعني أحدا غير عسل، فهو فارغ إلا من خزانات الماء الجيرية، وغرفة أخرى كبيرة ومضاءة في جلّ الأوقات. غرفة غامضة ذات ألوان كابية مضاءة من الداخل، وستائرها الحمراء القانية تبدو وكأنها في لحظة غروب دائم، لم يقربها عسل يوما ولم يفكر في ذلك.كان عسل يحفظ عمله جيدا، ويفتح عينيه على سعتيهما في انتطار لص محتمل أو ضيف غير مرغوب في وجوده، فهو حارس السطح، في مقابل حارس الأرض.لا يرى عسل حارس الأرض إلا مرة واحدة في اليوم. مرة واحدة لا تعني سوى إشارات السلام، وثرثرة من طرف واحد، واستكانة شاي يرتشفها عسل وعيناه على الدرج الشاهق الذي سيصعده في تحد جديد.حارس الأرض كان الباكستاني رفيق علي الذي لا يفهم كلمة مما يقوله عسل، ورغم ذلك فعسل يثرثر أمامه وهو يرفع استكانة الشاي من يده، ويثرثر ويثرثر ثم يثرثر وكأنما يثأر للصمت الذي سيعيشه طويلا بعد قليل، ثم يودع الكلام ويودع جليسه، ويشق رحلة الصعود. سيمكث عسل طويلا على السطح،صامتا معظم الوقت، أو يغني بصوت كسير مسريا وملهيا نفسه العنيدة أمام ليل طويل عليه أن يقطعه وحيدا وفي كامل صحوه.(يا نجم يا سامر- يا نجم يا سامرسامر فوق المصلى سامر فوق المصلىكلمن معه محبوب وأنا لي الله- لي الله لي الله لي الله)الحارس رفيق علي هو أخ شقيق لشفيق علي، الذي مات ساكعا في البالوعة الضخمة للمجمع، بقصد إصلاحها، اختنق هناك وحين أخرج وكان أحد الشركاء الثلاثة للمجمع الضخم أمام وجهه مباشرة وهو ينطق بأنفاسه الأخيرة، تمنى شفيق كدية وتعويض لهلاكه المحتمل، بأن يأتوا بأخيه رفيق علي من الباكستان للعمل مكانه، فكان ما أراد وأوصى.يصل عسل في الصباح إلى غرفة رفيق- الذي يستعد للخروج- حيث يوجد سرير أرضي له، وهنا يتبادلان نظرتين إحداهما تعبة مشتاقة للنوم والأخرى نشطة شبعة من النوم. جاء عسل من قرية حمرا العبريين، وبالتحديد من المسفاة، التي يعيش العديد من أهاليها على جني العسل.وكان عسل يعرف طريق النحل، ويتبع إشاراتها ومخلفاتها الصفراء على الصخور، وكان يتأملها حتى وهي تستقي من الماء، وكان حدسه اليقظ يعرف إن كانت النحلة سترتفع للأعلى بعد ارتوائها كدلالة على قرب مأواها، أو أنها ستشق طريقها أفقيا كإشارة على بعد مقطنها من النبع. كان عسل معروفا بالإضافة إلى براعته في ملاحقة بيوت النحل بين جروف الجبال وأشجار السمر والسدر الشوكية، بخفة ظلّه. وكان في سيرته الكثير من النكات الخالدة والتي ما فتئ الأهالي هناك يرددونها كتمائم تقيهم الضجر في الليالي المظلمة.ومن أبرز هذه النكات تلك التي سردها عسل بلسانه: أنه ذات فجر كان يعبر الجبل بحثا عن العسل، وكان بيده بندقية صيد وفي جرابة تمرات يسري بها عن نهاره، حين برز فجأة وعل من بين الصخور، فصوب عسل بندقيته ناحيته ولكنه لم يفطن إلى أن البندقية كانت خالية من الرصاص، ولكن عسل لم يحر من إيجاد حيلة ينقذ بها موقفه، بأن ألقم بندقيته بنواة تمرة، ثم صوب فوهتها جهة بطن الوعل. ولكن الوعل، بعد أن أصابته النواة، جفل متسلقا الصخور. وبعد مدة طويلة، رأى عسل نخلة تركض في الجبل، وكان يحملها وعل عجوز، فتذكر نواة التمر التي أطلقها في بطن الوعل ذات يوم، وتخيلها وقد نبتت واستقامت شجرتها وها هو الوعل المنهك يحملها فوق ظهره أنّى ذهب.كانت هذه النكتة، بالإضافة إلى العشرات غيرها، أضفت على عسل مسحة من الأهمية في حياته بين أهله، ولكنه ما إن يعود ألى مسقط ـ حيث يعمل-إلا وتتسم حياته بثقل الانكفاء والصمت.لا يذهب عسل إلى قريته إلا في العطل، فينوبه في الحراسة حينها، أخوه الذي يأتي قصدا لمساعدته، ولا يلتقيان والحال هذه إلا على عجل. ليس لعسل أبناء، بل زوجة، تزوجها كبيرة. امرأة تعيش على الذكرى، وقد مات زوجها وهو ابن عم عسل، فتزوجها سترة لها. وكانت تهتم به في أوقات زيارته لها، وتُعنى بملابسه ومطعمه، ثم تودعه عند الفجر، وتقف بجانبه في الشارع العام إلى أن يجد مركوبا يقله إلى عمله، وترفرف يديها المودعتين وراء ظهره وهو يختفي.أخوه هو الذي وجد له عملا، حيث إنَّ الأخ لا يعمل، تقاعد من الجيش، وحين وجد هذا العمل لم يستطع أن يترك عائلته، فلديه أبناء كثر، صعد مرة الجبل باحثا عن عسل:لقيت لك شغل في مسكد.- والحرمة أخليها وحدها؟- الحرمه عندي، وتروم تزورها كل جمعة، أنا بحل مكانك في الشغل في ذاك اليوم،وهتقاسمني المعاش، انته شايف الحالة وحدك، راتب التقاعد ما يكفي، والأولاد ما شي ما يبغوه.- ولادك همه ولادي. أعطيك بوتبغاه. – عجب من باكر نروح رباعه مسكد.***طرد عسل من عمله بعد أشهر قليلة، دخل السجن على ذمة التحقيق ثم أفرج عنه.كانت تلك الغرفة الغامضة، الغرفة ذات الستائر الداكنة، والتي تبرق من جوفها أضواء كابية، لم يكن يدخلها سوى الملاك الثلاثة، ولم يكن عسل يسمح لأحد بالاقتراب منها، وبدورهم لا يقربونها إلا أيام العطل، حين لا يكون عسل.ولكن عسل ذات يوم اضطر أن يبقى في المكان في أيام عطلته، لأن أخوه مرض، فهاتفه بألا يأتي إلى القرية وأن يبقى مكانه.سمع عسل هرج مجموعة من الصبية في الليل، يتقدمون جهة الغرفة، حاول منعهم من الاقتراب منها ولكنهم أخبروه بأنهم في ضيافة أحد الإخوة الثلاثة، وسوف يلتحق بهم وأن لديهم نسخة من مفتاح الغرفة. منعهم عسل ونهرهم بشدة ثم أغلق باب سطح البناية في وجوههم.وفي ليلة أخرى، سمع صوت هرج يقترب من أذنيه، فتيات كان رنين ضحكاتهن يتصادى في أروقة المجمع، يضحكن وهن يدخلن المفتاح في باب السطح، ويضحكن وهن يقتربن من باب الغرفة الغامضة. وقف عسل حائلا بينهن في الظلام، بقسماته الجامده المتحدية.والفتيات هربن فزعات. استدعته الشرطة، وحقّق معه طويلا وهو يتساءل مشدوها عن أي سرقة يتحدثون وعيناه لم تغمضا لحظة.- دخل لصوص من باب السطح، وسرقوا ما يشاءون ثم خرجوا وأنت نائم- نائم!أفرج عن عسل بعد وقت من ذلك، فحمل حقيبته جهة قريته، وهناك نام ليلته قرير العين، ومنذ فجر اليوم التالي، شرع صاعدا الجبل وهو يغني بصوت عال، انتشر صوته بين الصخور وتقافز، رأى نخلة تتراكض في الأفق فتبع طريقها.qad