لكلّ شعبٍ أعياده ومناسباته، يتوقّف خلالها عن الجد والاجتهاد واللهاث وراء الرّزق كي يرتاح قليلاً، ويتيح لنفسه يوماً أو أياماً يتنفس خلالها الصُّعداء ويفرح ويصفو، وذلك بهدف تجديد الطاقات والبدء من جديد بهمّة ونشاط، مع تجاوز لآلام الماضي والنّظر إلى أمام.
إلا أنّ هذه الأعياد لم يجر اختيارها اعتباطاً، فلكلّ عيد أو يوم جذوره التاريخية، وأسبابه المنطقية، وقد يكون بعضها امتداداً لعصور سبقته، تأخذ منه ما يفيد النّاس وتهمل ما فقد ضرورته، أو شرعيته مع دخول قيم ومعارف علمية أو عقائدية جديدة، فبعض المناسك أو التعبيرات الدينية قد تكون امتداداً لما سبقها من ديانات مع بعض التهذيب أو الإضافات، بعضها قد يكون بسبب عوامل سياسية واقتصادية، ومن الطبيعي أن تكون هذه المناسبات متناسبة وفي تكامل مع الطبيعة والبيئة بحيث إنها تحافظ عليها وتنمّيها، كما هو حال الأشهر الحرم في الجاهلية عند العرب، التي كان أحد أهم أهدافها تحريم الصيد في هذه الأشهر لإتاحة تكاثر الحيوانات والبيع والشّراء وزيارة الكعبة المشرفة من غير تعرّض للزائرين، بهدف إنعاش الحالة الاقتصادية. وكانت العرب إذا جاعت وقرّرت الغزو أجلت المحرّم إلى السّنة التي تليها إلى أن حرّم الرسول النسيء في السّنة العاشرة للهجرة.
من خلال كتاب «عشتار العربية.. رؤية حضارية ودينية في الأعياد والمواسم»، للدكتورة الباحثة روزلاند دعيم من حيفا، تبحث فيه عن المناسبات الدينية والأعياد في فلسطين للطوائف العربية الثلاث، وهي المسيحية والإسلامية والدّرزية بحسب تسلسلها التاريخي.
الصَّوم المسيحي الذي يسبق أهم الأعياد المسيحية والذي يُسمى العيد الكبير، وهو الفصح المجيد، وهو الانقطاع عن سائر منتجات الحيوان، ويقع الصّوم بين شباط ونيسان حيث يترقّب الفلاح الربيع بعد الشتاء وإزهار الشّجر المثمر، ونمو الحنطة وغيرها، وتكون الماعز في هذه الفترة مُعشّرةً، فيشحُّ الحليب، وبعد وضعها يتعيّن عليها إرضاع صغارها، أما الدجاج فيستبدل ريشه ويقلُّ بيضُه وتجود الطبيعة بنباتات الحقول التي تصلح للأكل، كالسّلق والخبّيزة والعلت والزّعتر والحمّيض وغيرها، أي أنّ حكمة الصوم هنا هي دعم الدّورة الزراعية الحيوية للطبيعة.
-عبّود بطّاح، الفتى الغزاوي النّشِط على وسائل التواصل، شكر الخبّيزة التي وقفت مع سكان قطاع غزّة-
بيض عيد الفصح يرمز إلى القبر، وكسر البيض يرمز إلى قيامة المسيح عليه السّلام من قبره، بحسب المعتقد المسيحي، وهذا يفسّر لعبة كسر البيض في عيد الفصح المجيد.
تبحث المؤلّفة في أصل كل عيد وتقليد، متى بدأ الاحتفاء به، وما هي الطقوس والعادات التي تواكب كل عيد وما تطوّر وطرأ عليها، أو ما تلاشى منها وأُهمِل، مثل «خميس الأموات» الذي كان معروفًا في فلسطين حتى قبل عقدين، ولكنه تلاشى ولم يعد قائمًا، وهو الخميس الذي يسبق الجمعة العظيمة لدى المسيحيين.
فمن عادة المسيحيين زيارة قبور موتاهم صبيحة يوم الجمعة العظيمة أو الجمعة الحزينة، وهو اليوم الذي دفن فيه المسيح بحسب العقيدة المسيحية.
في حقبة صلاح الدين الأيوبي ولأسباب سياسية كما يبدو، بدأ المسلمون بزيارة المقابر في يوم الخميس عشية الجمعة الحزينة، وصار المسلمون يوزّعون البيض والكعك على الفقراء عن أرواح موتاهم في هذا اليوم، وهو يسمى في حِمص السّورية «خميس الحلاوة»، حيث توزّع الحلاوة على الأطفال والفقراء في هذا اليوم.
إلا أن «خميس الأموات» توقّف في فلسطين أو لم يعد يلقى اهتمامًا مع صعود التيار الإسلامي الذي رأى في هذا بِدعة.
الاحتفالات بعيد ميلاد السّيد المسيح بدأت في روما بين السنوات 325 -345 م. وكان الوثنيون يحتفلون في تلك الفترة بعيد الشّمس التي لا تغرب، وكانت تعقد في هذا اليوم احتفالات شعبية ودينية.
قامت الإمبراطورية الرومانية بتنصير الأعياد الوثنية، وأُعلن عن الخامس والعشرين من كانون الأول عيد ميلاد العدل النور الدائم الذي لا يغرب، يسوع المسيح، وأُعلن عن «يوم الشّمس» SUN-DAY يوم عطلة، وهو يوم الأحد.
من المثير أم نعرف أنّ الألمان كانوا يقدمون ضحية بشرية لإله الغابات والرعد، حتى وصل المبشّر بونيفاسيوس 670-755، وأوقف عادة التّضحية بإنسان لإرضاء إله الشّجر والرّعد، فقطع شجرة فداء لشاب كانوا سيضحّون به، ومن هنا جاء تقليد شجرة الميلاد.
في المشرق يعتقدون أنّ الشّجرة التي كانت فوق المغارة التي ولد فيها السّيد المسيح في بيت لحم أضاءت، ولهذا السّبب يزيّنونها بالنجوم والمصابيح، أما النّجمة في رأس الشجرة فهي نجمة بيت لحم التي أهدت المجوس إلى مكان ولادة السّيد المسيح.
أما الشّموع فهي ترمز إلى السّيد المسيح الذي أذاب نفسه كالشمعة لأجل البشرية.
تشرح الباحثة بالتفصيل عن بابا نويل، سانتا كلاوس، الذي يجسّد فكرة توزيع الهدايا على الفقراء، من خلال وضعها تحت الشّجرة.
يأتي عيد الغطاس، حيث يجري الاحتفال الديني الرّسمي به في نهر الأردن.
وبحسب الباحثة، فإن المسعودي يذكر في كتابه «مروج الذّهب» أنّ لعيد الغطاس في مصر الفاطمية شأناً عظيماً، فقد احتفل فيه النصارى والمسلمون، وذلك بالغطس في مياه النيل.
«وتستمر الاحتفالات عدة ليالٍ، ولليلة الغطاس بمصر شأنٌ عظيم لا ينام النّاس فيها».
هنالك أمثال شعبية مرتبطة بعيد الغطاس:
«بين الميلاد والغطاس لا تسافر يا بن الناس».
وذلك أن الأجواء تكون ماطرة وباردة.
إن غطس النصراني اشلح ثوبك الفوقاني.
أي أنّ الطقس بدأ يميل إلى الدفء.
الفصل الثاني من الكتاب مخصَّص لأعياد المسلمين ومناسباتهم.
رأس السّنة الهجرية، الهجرة إلى الحبشة.
عام الحزن، الذي توفي فيه عمُّ الرسول أبو طالب وزوجته خديجة أم المؤمنين.
الهجرة إلى الطائف، يثرب، المدينة المنوّرة والوضع الذي ساد فيها إبان وصول المهاجرين إليها. الدخول في الإسلام.
تأسيس الدولة الإسلامية ورسائل الرسول (ص) إلى الملوك التي يدعوهم فيها إلى الإسلام.
ذكرى المولد النّبوي الشّريف بين الجانب الديني والحضاري. قصة عام الفيل، فدية والد الرّسول عبد الله بن عبد المطّلب بمئة من الإبل، كي لا يُذبح قرباناً أمام الأصنام، بصفته الابن العاشر لعبد المطّلب، فقد كانت العادة أن يضحّي بالابن العاشر للآلهة.
الاحتفالات بالمولد النّبوي الشّريف، الموالد وتاريخها والتي تُعتبر من البِدع الحَسنة.
ذكرى الإسراء والمعراج، أحداث الرّحلة وخلفيتها التاريخية.
رمضان والصوم، المدائح والتواشيح والتّراويح والتوحيش وليلة القدر ومدفع الإفطار والمَسبحة وفطرة رمضان وزكاة المال، ووجبة الإفطار. المأكولات الخاصة، والسّحور والمسحّراتي وفانوسه وطبلته، ثمّ عيد الفطر السعيد.
الحجّ في الحضارة العربية.
الفترة التكوينية للحجّ، الحركة التّجارية، الطّواف والمبيت، التبادل التجاري، الهجوم على الكعبة في عام ولادة الرسول، والدفاع عن الكعبة، والطير الأبابيل. سارة وهاجر، البيت العتيق، تقاليد الحجّ المعاصرة.
عيد الأضحى المبارك وطقوسه.
الفصل الثالث مخصّص لأعياد الموحّدين الدُّروز.
المذهب الدرزي الذي تأسس في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. العلامات الفارقة للدُّروز عن بقية مذاهب المسلمين. ألوان علم الدروز، الذي يرمز كلُّ لون فيه إلى معانٍ متعارف عليها بين الدروز، وهي الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق والأبيض.
المقامات في الجليل والجولان، ويشمل هذا الفصل زيارات المقامات وأنواعها وأهدافها وآدابها. وهي مقام بهاء الدين في بيت جن-الجليل الأعلى، مقام السِّت سارة في الكرمل. السِّت شعوانة في عين قينيا. اليعفوري في مجدل شمس، الخضر عليه السّلام، كفر ياسيف-حيفا. وقصص ومعجزات الخضر عليه السّلام.
تعتبر زيارة النبي شعيب في قرية حطّين المُهجّرة من أهم الزّيارات لدى الدروز.
مقام النبي سبَلان في قرية سبَلان-حُرفيش.
يشترك الموحّدون الدروز مع الطوائف الأخرى من المسلمين في عيد الأضحى المبارك ويعتبرونه العيد الكبير.
ميزة هذا البحث أنّه لم يأت فقط على ذكر هذه المناسبات، بل شمل بحثاً حول ظروف نشأتها. يقع الكتاب الصادر عن «الوسط اليوم» في 208 صفحات من الحجم الكبير.
أخيراً، كلُّ الأعياد جميلة، ولكنَّ أجمل الأعياد هي الأيام التي تتحرّر فيها الشُّعوب والأمم من الغاصبين والمحتلين والطواغيت.