الخرطوم ـ «القدس العربي»:خرج عشرات الآلاف من المحتجين في السودان، الخميس، في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن، منددين بالانقلاب وباتفاق بين رئيس الحكومة عبد الله حمدوك وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
وكانت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين دعيا إلى تظاهرات «مليونية الشهداء» الخميس، للمطالبة بـ«القصاص للشهداء» ومواصلة الرفض لانقلاب قائد الجيش والإجراءات التي تبعته.
وشارك عشرات الآلاف من المتظاهرين في الاحتجاجات التي انطلقت في مدن العاصمة السودانية الثلاثة الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان. وتظاهر الآلاف أيضا في عدد من المدن السودانية، منها مدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر، وود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، ونيالا عاصمة جنوب دارفور.
وواجهت الأجهزة الأمنية التظاهرات في نيالا بإطلاق الغاز المسيل للدموع وضرب المتظاهرين، لتتفرق التظاهرة مبكرا، بينما تواصلت التظاهرات في العاصمة وبقية المدن حتى المساء، دون سقوط قتلى أو مصابين.
«دارفور بتنزف دم»
ونددت التظاهرات بالانتشار الأمني في البلاد، وبارتفاع وتيرة العنف في إقليم دارفور، خاصة بعد اندلاع نزاع قبلي في محلية جبل مون في ولاية غرب دارفور راح ضحيته عشرات القتلى خلال الأيام الماضية ولا يزال مستمرا، مع تدخل بعض الميليشيات التابعة للقبائل في النزاع.
وأعلنت الأمم المتحدة أمس مقتل 43 شخصا وحرق 46 قرية، جراء اقتتال قبلي، في منطقة جبل مون في ولاية غرب دارفور.
وأفاد مكتب الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (أوتشا) في بيان أنه في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، اندلع الصراع بين البدو العرب والمزارعين من قبيلة المسيرية في منطقة جبل مون بغرب دارفور.
وأشار إلى أن هذا الصراع أدى إلى مقتل أكثر من 43 شخصًا، وإحراق ونهب 46 قرية، وإصابة عدد غير معروف من الأشخاص بسبب القتال.
وقال المكتب الأممي إن «أكثر من 4 آلاف و300 قد تأثروا بشكل مباشر مع نزوح الغالبية منهم، ولجأ عدد غير مؤكد من الأهالي إلى جبال جبل مون وقرية سيلي والقرى المجاورة بمناطق كلبوس وكرينك بالولاية، ومنطقة سرف عمرة بولاية شمال دارفور».
وذكر «أوتشا» أنه «لم يتمكن الشركاء في المجال الإنساني حتى الآن من التحقق من الوضع أو تقييمه بسبب القلق الأمني المستمر».
وكانت الهتافات الأبرز في تظاهرات مليونية الشهداء: «وينو السلام وينو دارفور بتنزف دم» «الشعب يريد قصاص الشهيد» «الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات» « يا برهان ثكناتك أولى، ماف ميليشيا بتحكم دولة» «الشعب شعب أقوى والردة مستحيلة» «يسقط برهان وحميدتي كمان. المجلس كله.. يسقط بس» وغيرها من الهتافات الرافضة للانقلاب.
وبدأ المتظاهرون، في منطقة الجريف شرق الخرطوم، تظاهراتهم أبكر من رفاقهم، حيث جالت بين منازل ضحايا الثورة السودانية، بداية من منزل الضحية، محمد عبد المجيد التوني، ثم منزل الضحية محمد إسماعيل ود عكر، وبعدها منزل الضحية حذيفة مزمل في حي الهدى، والضحية عثمان محمد قسم السيد، وصولا لتقاطع مستشفى شرق النيل، حيث التحمت ببقية مواكب شرق النيل، رافعين شعارات «لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية».
وتجمعت لجان مقاومة «المعمورة» و«المجاهدين» في تقاطع شارع الشهيد عباس فرح مع الستين شرق الخرطوم. ثم التحمت مع تظاهرات «لجان مقاومة الجريف» في تقاطع الفردوس، ومع «لجان مقاومة الطائف والرياض» في تقاطع النخيل وصولا للجان مقاومة أركويت وسوبا» في تقاطع البلابل وعبيد ختم شرق الخرطوم وبعدها إلى نقطة التجمع في محطة 7.
وكانت نقطة البداية لتظاهرة «مليونية الوفاء للشهداء» في أحياء «جنوب الحزام»،»الكلاكلة» «السامراب» «الشجرة» «جبرة» «الصحافة» و«العشرة» الواقعة جنوب الخرطوم، عند منتصف ظهيرة الخميس، وصولا لـ«محطة 7» النقطة المحددة لتجمع تظاهرات مدينة الخرطوم.
وتحركت مواكب «جنوب الحزام» من نقاط التجمع المعلنة في أحياء «السلمة البقالة» «الصهريج» «الشاكرين» وأيضا المواكب، القادمة من الخرطوم وسط التي انطلقت عند منتصف الظهيرة في «محطة باشدار» حيث نفذ المتظاهرون وقفة احتجاجية، حملوا خلالها صور الشهداء وهتفوا مطالبين بالقصاص وإسقاط انقلاب قائد الجيش، وتوجهوا إلى نقطة تجمع تظاهرات أحياء مدينة الخرطوم.
دعوا لـ«القصاص» لضحايا الثورة… ونددوا بتجدد العنف في دارفور
وقالت لجان مقاومة الخرطوم، في بيان أمس: إن «من يحقن الدم السوداني حقاً هم أبناء وبنات هذا الشعب الذين التزموا بشكل صارم بالسلمية، متسامين عن الغبن طمعاً في العدالة التي غيبتها ألاعيب الساسة إلى حين لن يطول، فالنصر صبر ساعة». وكان حمدوك قد برر خطوة إبرامه الاتفاق مع البرهان بـ«حقن دماء» السودانيين.
«استكمال الثورة»
وأضافت: «في أحلك الظروف كنا في خندق واحد ضد أعداء الوطن والإنسانية نستمد قوتنا من هتافانا متمترسين خلف سلميتنا نذود بها عن حياض ثورتنا حقناً للدماء».
وأكملت: «ظلت ديسمبر تقدم خيرة شبابها وفلذة أكبادها قربانا لأجل العدالة والحرية والسلام فتساقط الشهداء تحت رصاص اللجنة الأمنية وما زادنا ذلك إلا إصراراً على استكمال ثورتنا وما زادنا ذلك الا يقيناً في النصر».
وأمضت مدينة امدرمان غربي العاصمة الخرطوم ليلتها في تشييع الطيب بحر ناصر، الذي سقط الأربعاء متأثرا بإصابته برصاصتين في الرأس، في تظاهرات 21 نوفمبر/ تشرين الثاني. ثم عادت وانتظمت صفوف المتظاهرين هناك، مرة أخرى ظهيرة الخميس وتجمع عشرات الآلاف من المحتجين في شارع «الشهيد عبد العظيم» شرق أمدرمان. وأطلقت الأجهزة الأمنية عبوات الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين في أمدرمان، الذين نددوا بانقلاب قائد الجيش، وطالبوا بالقصاص للشهداء وإطلاق سراح جميع المعتقلين، رافعين صور الشهداء وشعارات «لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية».
وتجمعت التظاهرات القادمة من حي كافوري أمام منزل الشهيد «بابكر عبد الحميد» والتقت بعدها بالتظاهرات القادمة من أحياء الصافية، وغيرها من أحياء بحري شرق العاصمة السودانية الخرطوم، وصولا لنقطة التجمع في حي المؤسسة وسط بحري، حيث تم رفع صور الشهداء أيضا وارتفعت الهتافات المطالبة بـ«القصاص للشهداء وإسقاط الانقلاب».
لن ننسى المجزرة
وأكدت لجان مدينة بحري أنها «متمسكة بإسقاط الانقلاب والقصاص للشهداء ورفض الحوار والتفاوض والمساومة مع العسكريين».
وقالت، في بيان، أمس: «لن ننسى المجزرة التي نفذتها قـوات الشرطة وميليشيات الانقلابيين ضد المتظاهرين السلميين في السابع عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني، ولن يمر ذلك دون محاسبة».
وأكدوا أنهم «سيواصلون مواجهة الانقلاب العسكري حاملين وصايا أمهات الشهداء والجرحى والمفقودين وآمال بناء وطن تزعج الانقلابيين والخونة» مشددين «لن تترك انقلابي أو انتهازي في هذه البلاد».
وحسب البيان: «لا إرادة تعلو على إرادة الشعب ولا قـرار أو تصالح أو اتفاق سيملى علينا. الشعب شعب أقـوى. والردة مستحيلة».
وأضاف: «نحن أبناء هذا الشعب، يعلمنا الشارع كل يوم وبعد كل سابقة من سوابق الحكومات العسكرية والمدنية درسا جديدا ويزيدنا ثباتا وإصرارا على الوصول مهما تزايدت العقبات».
وزاد: «لقد كان انقلاب البرهان ومن سانده من عسكريين أو مدنيين في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2021 إحدى نقاط التغيير الجذرية في مسيرة ثورتنا السلمية».
ووصف الانقلاب بـ«الممارسة الديكتاتورية في توقيت ممنهج لمنع تسليم السلطة للمكون المدني حسب بنود الوثيقة الدستورية 2019 ولأجل تغيير بعض أعضاء المكون المدني في مجلس السيادة وحل لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو (89) والإفلات من كل العقوبات لمجرمي الانقاذ والمجلس العسكري نفسه والاستيلاء الكامل على السلطة».
وبين أن «الشارع بعد انقلاب الجيش وقف صفا واحدا رفضا للانقلاب ودعما للمكون المدني متمثلا في رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك من أجل سلطة كاملة في يد المدنيين».
وأضاف: «لكن، وبكل أسف رضخ حمدوك للانقلابين ووقع معهم اتفاقا سياسيا في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 لا يمثل الشارع في شيء ولن يحقن نقطة دم واحدة».
وأكمل البيان: «حصدت بنادق العسكر المأجورة بعد انقلاب الخيانة 42 شهيدا في العاصمة لوحدها وانتهكت حرمات البيوت وأطلقت الرصاص الحي على المواطنين، فضلا عن ما شهدته محلية جبل مون بغرب دارفور من مجزرة على يد المليشيات سقط خلالها عشرات القتلى ومئات الجرحى وتم حرق ونهب القرى».
واعتبرت اللجان أن «من كان يؤمن بالثورة فهي مستمرة حتى تحقيق أهدافها وغاياتها العظمى ومن كان يؤمن بحمدوك فحمدوك قرر الشراكة مع العسكر والرضوخ لهم».
وشددت على «عدم وجود ضمانات لممارسة ديمقراطية سليمة بوجود العسكريين أو ضمان لانتقال السلطة في موعدها لحكومة منتخبة» مؤكدة أن أي «تسوية مع الانقلابيين هي فتح للطريق لمرتكبي مجزرة فض اعتصام القيادة العامة وجميع شهداء الثورة للإفلات من العقاب والمحاسبة الجنائية».
وبينت أنهم «متمسكون بموقفهم المتمثل في رفض الحوار والتفاوض والمساومة مع العسكريين» مطالبين «بتسليم السلطة كاملة للمدنيين ومحاكمة منفذي الانقلاب بالإضافة إلى إبعاد العسكريين من العملية السياسية بشكل كامل».
وفي سياق منفصل، أفرجت السلطات أمس عن والية ولاية نهر النيل في الحكومة الشرعية آمنة المكي، في وقت لا يزال العشرات من أعضاء المجلس السيادي والوزراء والسياسيين ولجان المقاومة رهن الاعتقال.
والأحد، وقع حمدوك والبرهان اتفاقا سياسيا يتضمن 14 بندا، من أبرزها عودة الأول إلى منصبه بعد نحو شهر من عزله، وتشكيل حكومة كفاءات (بلا انتماءات حزبية) وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفان بالعمل سويا لاستكمال المسار الديمقراطي.
وعبرت قوى سياسية ومدنية عن رفضها لاتفاق البرهان وحمدوك باعتباره «محاولة لشرعنة الانقلاب» وفق تقديرها، متعهدة بمواصلة الاحتجاجات حتى تحقيق الحكم المدني الكامل.
ويشهد السودان، منذ 25 أكتوبر/ تشرين الأول، احتجاجات رفضا لإجراءات البرهان في اليوم ذاته، التي تضمنت إعلان حالة الطوارئ، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وعزل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، واعتقال قيادات حزبية ومسؤولين، ضمن إجراءات وصفتها قوى سياسية بأنها «انقلاب عسكري».