عشرات الجرحى وتوتر عقب تدخل عنيف لفض اعتصام في وسط المغرب

حجم الخط
0

محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: تعيش مدينة خريبكة بوسط المغرب اجواء توتر بعد التدخل العنيف لقوات الامن ضد معتصمين في المدينة قبل أن تهدأ بعد مدينة الدار البيضاء التي عرفت تدخلا مماثلا يوم الاحد الماضي ضد شباب 20 فبراير الذين يتمسكون بالمطالبة باصلاحات دستورية وسياسية عميقة.

وقالت تقارير ان المدينة عاشت طوال الثلاثاء حالة عنف ومواجهات بين رجال الامن ومعتصمين امام المكتب الشريف للفوسفاط يطالبون بالعمل.

واوضحت التقارير ان قوات الامن اقتحمت فجر الثلاثاء بشكل عنيف ومباغت مكان الاعتصام الذي يقوم به ابناء المتقاعدين الذين كانوا يعلمون بالمكتب والذي يمنحهم القانون حق العمل بعد ابائهم.

واسفر التدخل عن عشرات من الجرحى في صفوف الشباب، إصابة بعضهم بليغة، نقل عدد مهم منهم على وجه السرعة إلى المستشفى في المدينة او مستشفيات الرباط والدار البيضاء وتم تفريق التجمع بالقوة دون سابق إنذار، حسب شهادات الشباب، وانتزاع كل ممتلكاتهم من ألبسة وهواتف وغيرها.

وسرت اثناء المواجهات اشاعات عن مقتل معتصمين مما ادى الى تصاعد حدة المواجهات مع القوات الامنية، وإضرام النار وإسقاط الواجهة الزجاجية للمجمع الشريف للفوسفاط ونادي المهندسين، وتخريب ممتلكات إدارة الفوسفاط من آليات وحواسيب وأوراق خاصة بالمكتب، كما تعرضت11 سيارة مدنية للحرق والإتلاف، وهي تابعة لمجمع الفوسفاط ولموظفيه وأطره، لتتحول مدينة خريبكة إلى بركان من نار ودخان عم المدينة، ما أدى إلى تدخل القوات المساعدة بشكل أعنف باستعمال القنابل المسيلة للدموع وبعض الوسائل الأخرى لتفريق المحتجين.

واستنكر المكتب الشريف للفوسفاط ‘أعمال التخريب التي قام بها أشخاص غير مسؤولين’ لبعض مقراته بخريبكة واعرب عن أسفه لوقوع مثل هذه الأحداث، مبرزا أن ‘الدوافع الحقيقية لمثيري الشغب لا يمكن تبريرها’. وقال بلاغ للمكتب أن أعمال العنف والشغب ‘لن تمنع المكتب الشريف للفوسفاط من الاستمرار في مهمته وتعزيز انخراطه في المنطقة’. وأبرز أن الاستثمارات التي أنجزها المكتب الشريف للفوسفاط، خلال السنوات الخمس الماضية، ‘مكنت من تشغيل ستة آلاف شخص، أي ما يعادل حوالي ثلث عدد العاملين به’، وأن مشاريع الاستثمار المتوقعة خلال السنتين المقبلتين ستخلق أزيد من ألفي منصب شغل مباشر وسبعة آلاف منصب شغل غير مباشر.

ونقلت وكالة الانباء المغربية عن مصادر طبية أن 59 جريحا من أصل 66 مصابا في أحداث الثلاثاء غادروا مستشفى المدينة بعد تلقيهم الإسعافات الضرورية وأن الجرحى السبعة المتبقين حالتهم مستقرة ولا تبعث على القلق، مشيرا إلى أن إحدى هذه الحالات ستستكمل العلاج بالمستشفى العسكري بالرباط.

وحسب الحصيلة النهائية لهذه الأحداث، فإن العدد الإجمالي للمصابين يتضمن سبعة أشخاص في صفوف المدنيين إلى جانب صحافي من صحيفة ‘الصباح ‘ والباقي من أفراد الأمن والدرك والقوات المساعدة.

وقدرت الخسائر المادية في إتلاف واجهات مبنى مديرية الاستغلالات المنجمية وتكسير وإحراق ما يزيد عن 11 سيارة تابعة للمجمع الشريف للفوسفاط ولخواص، ودراجات نارية، فضلا عن إتلاف أجهزة معلوماتية ووثائق إدارية.

وأشار توفيق البارودي الامين العام لعمالة (محافظة) خريبكة، إلى أن اندلاع شرارة هذا الحادث جاء على إثر عملية استفزازية للقوة العمومية أثناء محاولة تفكيكها للاعتصام المفتوح الذي يخوضه مجموعة من الأشخاص،’ بتأطير من جهات لا علاقة لها بالموضوع’، وذلك بدعوى مطالبة إدارة الفوسفاط بتشغيلهم.

وأكد بلاغ للسلطات المحلية أن عملية التسجيل تمت على أساس الاختيار وفق معايير موضوعية وقانونية محددة، إلا أنه ‘وبتحريض من عناصر لا علاقة لها بهذه المطالب ويعملون وفق أجندة مختلفة’، تحول هذا الاعتصام إلى أعمال شغب واعتداء نتجت عنها خسائر مادية وجرحى في صفوف القوات العمومية، مما حدا بهذه الأخيرة إلى التدخل لوضع حد لهذه الأعمال.

وقام وفد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان (رسمي) برئاسة امينه العام محمد الصبار، امس الأربعاء بزيارة للمدينة للوقوف على طبيعة وآثار هذه الأحداث وطريقة تدبيرها من قبل السلطات العمومية في ما يتصل بحقوق المواطنين.

وأفاد بلاغ للمجلس أن الزيارة تدخل في إطار ممارسة المجلس لاختصاصاته في مجال حماية حقوق الإنسان وفق المهام المكلف بها ومن بينها القيام برصد انتهاكات حقوق الإنسان ومن أجل ذلك، يجوز له إجراء التحقيقات والتحريات اللازمة حول حصول هذه الانتهاكات مهما كانت طبيعتها أو مصدرها و’أن يتدخل بكيفية استباقية وعاجلة كلما تعلق الأمر بحالة من حالات التوتر، التي قد تفضي إلى انتهاك حق من حقوق الإنسان بصفة فردية أو جماعية، وذلك ببذل كل المساعي اللازمة وسبل الوساطة والتوفيق التي يراها مناسبة بقصد الحيلولة دون وقوع الانتهاك’. وكما في مبررات تدخل يوم الاحد بالدار البيضاء لفض وقفة شباب 20 فبراير حملت السلطات جماعة العدل والاحسان الاصولية شبه المحظورة مسؤولية ما تعرفه مدينة خريبكة من اعتصامات وقالت الجماعة ان هذه الاتهامات تنم عن ‘ارتباك الدولة وفشلها في حل مشاكل المواطنين’. ووصف فتح الله أرسلان عضو ‘مجلس الإرشاد’ والناطق الرسمي باسم الجماعة اتهامات الدولة بـ’الوقاحة وقلة الحياء، لأنها تفتقد إلى الحد الأدنى من المسؤولية والمروءة’، مضيفا بأن الغرض من مثل هذه الاتهامات الباطلة هو ‘التخويف’، معتبرا بأن ‘هذه الفزاعة ليست جديدة، فنفس المنطق اتبعه (زين العابدين) بن علي و(حسني) مبارك، ويتبعه اليوم (معمر) القذافي’. مشيرا إلى أن ‘هؤلاء، بدلا من أن يبحثوا عن حل لمشاكل الشعوب يحاولون أن يحملوا المسؤولية للقاعدة ولأطراف خارجية’. وقال أرسلان إن اتهامات السلطات المغربية لجماعته هو محاولة لـ’تبرير قمعها، في حين أن الكل يشهد للجماعة بنبذها لأسلوب العنف’. وقال ‘لقد شاركنا مثل باقي الحساسيات الأخرى الممثلة للشعب المغربي في تظاهرات الدارالبيضاء، فنحن جزء من هذا الشعب نتواجد في كل مكان، دون أن يعني هذا أننا نحن من يحرك كل التظاهرات التي يشهدها المغرب، ومن يتهمنا بذلك هو السلطة التي تريد تبرير قمعها للناس بعد فشلها في حل مشاكلهم، والاستجابة إلى مطالبهم في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية’. وقالت الجماعة في موقعها على الانترنت ان احداث خريبكة والدار البيضاء تأتي في سياق ‘التهاب شعبي يعيش على إيقاعه المغرب، يطالب فيه المغاربة بحقهم الطبيعي في العيش الكريم والحرية الكاملة، إذ تشهد الجامعات أسبوع غضب يقاطع فيه الطلبة الدراسة ويعتصمون ويتظاهرون ضد أوضاعهم المزرية، ويهدد المجازون المعطلون بخوض معارك في شوارع المغرب ضد إقصائهم من التوظيف المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، ويواصل الدكاترة الموظفون في أسلاك التعليم اعتصامهم في العاصمة الرباط لتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية، ويحتج الصحافيون ضدّا على قمع الصحافيين والإعلاميين يوم الأحد الأسود 13 مارس، الذي سلخت فيه الأجهزة الأمنية المواطنين المحتجين سلميا بعد وعود النظام الحاكم بالحرية والديمقراطية’. كل ذلك، قالت الجماعة، في ‘انسجام مع دعوات متنامية للخروج من أجل المطالبة بتغيير واقع الاستبداد نحو الحرية والعدل والكرامة، يوم الأحد المقبل للاحتجاج في كل مدن المغرب’. وادانت حركة 20 فبراير بخريبكة التعسف والاعتقالات التي تعرض لها المعتصمون بالمدينة واكدت أن الوقائع ‘تعري الطبيعة المخزنية للنظام وزيف شعاراته، وهو ما يتناقض صراحة مع المواقف المعلنة، ويعتبر طريقة قمعية للإلتفاف على مطالب الحركة’ التي سجلت تمسكها بالتظاهر السلمي المشروع وبمطالب الحركة سياسيــا، اقتصاديا واجتماعيا حتى تحقيقهـا ودعت جميع المواطنين وخصوصا الشباب منهم الالتفاف حول الحركة ومطالبها والمشاركة في محطة 20 مارس 2011′ التي من المتوقع ان تشهدها مختلف المدن المغربية. وتأتي احداث الدار البيضاء وخريبكة في وقت يعرف المغرب فيه نقاشات مكثفة حول مشروع الاصلاحات الدستورية التي اعلنها العاهل المغربي الملك محمد السادس يوم التاسع من اذار/مارس الجاري.

ودعا حزب التقدم والاشتراكية (يسار مشارك بالحكومة) إلى حوار وطني عميق حول مختلف قضايا الإصلاح الدستوري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي التي تحتاجها المغرب.. ودعا الديوان السياسي للحزب في بلاغ أرسله لـ’القدس العربي’ إلى ‘مواكبة هذا الحوار الوطني بكيفية مهنية، بهدف تمكين المواطنين من التعرف على مختلف المواقف والآراء في تعدديتها والسعي إلى إشراكهم الواسع في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ بلادنا’. وطلب من الحكومة ‘التفاعل الخلاق مع تحديات المرحلة من خلال اتخاذ إجراءات جريئة، تساهم في التجاوب مع مطالب الإصلاح، على مستوى محاربة الفساد والرشوة وتخليق وتصفية أجواء الفضاء السياسي والإعلامي، وعلى المستويين الاقتصادي والاجتماعي، بهدف الرقي بأوضاع المواطنين والمواطنات وخاصة الفئات الشعبية المحرومة’. واكد البلاغ على الحق المشروع للمواطنين في التعبير عن مطالبهم المختلفة، في إطار الامتثال للضوابط القانونية المعمول بها في المغرب، ودون استغلال ذلك لأغراض سياسية منافية لمقاصد الإصلاح الحقيقي، وطالب ‘السلطات العمومية بتفادي اللجوء إلى الأساليب العنيفة في التعامل مع مختلف أشكال التعبير عن هذه المطالب’. كما وجهت منظمة ‘الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان’ إلى رئيس ‘المجلس الوطني لحقوق الإنسان’ مذكرة مطلبية بخصوص ‘تدابير الثقة ذات الطبيعة الإستعجالية من أجل دعم المراجعة الشاملة للدستور ومسار الإصلاح’، والتي تقتضي التسريع بإخراجها إلى الوجود، وتخص سبعة مستويات وهي الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وتسوية ملفات المعتقلين على خلفية قضايا الإرهاب، ورد الاعتبار لبعض المعتقلين السابقين وإعادة إدماجهم واصلاح للإعلام العمومي والخاص الحكامة في التدبير الأمني للتظاهر السلمي وفتح ملفات الفساد المالي والإداري وإنصاف القضاة ممن تعرضوا لعقوبات تأديبية ذات طابع انتقامي واغلاق مراكز الاعتقال والحجز المشبوهة والالتزام بالاتفاقيات الدولية وتسريع إجراءات الانضمام والتصديق.

وقالت مذكرة الوسيط التي ارسلت لـ’القدس العربي’ انه ‘انسجاما مع الخطاب الملكي الذي يؤسس للمبادئ والتوجهات والمجالات التي ستؤطر المراجعة الشاملة للدستور، والتي جعلت من فصل السلط وسمو الدستور منطلقا وهدفا لها فإن التسريع بإقرار وتفعيل المبادرات والإجراءات التي تؤطر في سياق تدابير تعزيز الثقة، يتخذ صبغة استعجالية لا يمكن إلا أن تعزز هذا المسار وتسنده وتضاعف فرص نجاحه’. وفي إطار النقاش والحركية التي تشهدها الساحة المغربية في تفاعل مع التطورات الاخيرة في المنطقة العربية نظمت جمعية عدالة والكنفدرالية الديمقراطية للشغل الثلاثاء بالرباط ندوة ‘مقومات الدستور الديمقراطي’ بمشاركة عدد من الاساتذة المتخصصين وفعاليات سياسية وجمعوية للاسهام في رسم معالم الاصلاحات السياسية والدستورية كأحد المداخل الكبرى للبناء الديمقراطي.

وقال عبد العزيز النويضي رئيس جمعية عدالة أن ‘أسلوب التدبير السياسي الذي لا يربط ممارسة السلطة بالمحاسبة’ عمق ‘الاختلالات الدستورية وأضعف قوة الأحزاب السياسية’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية