عشرون عاما علي عاصي الرحباني النزق، والهلوسة التي تنقص الآخرين
عناية جابرعشرون عاما علي عاصي الرحباني النزق، والهلوسة التي تنقص الآخرينقالت صديقتي انها تري كما لو الان، موكب جنازة عاصي الرحباني ينطلق من مستشفي الجامعة الامريكية الي بلدته انطلياس في عز دين الحرب. جال الموكب ببطء، علي بعض احياء الغربية فتسني للناس وداعه. المثقفون الذين هرعوا الي الجامعة الامريكية لدي سماعهم نبأ موته كانوا: بينعدّوا عالاصابع ـ قالت لي ـ وهي كانت منهم. كان مقهي الأكسبرس حينذاك يعج بالمثقفين و ماحدا كلف خاطرو ينزل عامستشفي الجامعة تايودع عاصي ويواكب الجنازة . انا حزنت كتير ـ اردفت ـ فعاصي كان شغلة كبيرة وما زلنا لغاية الان نُحبُ مثلما قال لنا عاصي أن نُحب، ونري الي الوطن كما اراد لنا ان نراه. لقد بني احاسيسنا علي طريقته، وعلي طريقته رسم مشاعرنا وحفرها وخلقها.عدم نزول المثقفين الي مستشفي الجامعة، لا يعني شيئا بالطبع اقول لنفسي، واقول ايضا ان اغنيته إنجيلهم ومنعشة نفوسهم وزاد كل منهم علي حدة، بذكري خاصة.انه عاصي الذي امتلك سخونة الدم القصدية، العصية علي الفساد، تلك التي يتطلبها طبع الاعمال التي تدوم. امتلك عاصي فانتازيا التغيير في صبوات تجلت اغنيات ملتهبة بنار طيبة بدائية. ايضا عاصي الرحباني عكس مزاجا واتجاها لبنانيا وعاش في قلبهما وابدع. انني لا أسأل اليوم عن كم كانت عطاءاته، من كان يفكر مثله. وكم هو عددهم. قلة فكروا مثل عاصي، فيلمون وهبي وزكي ناصيف ولا اعرف من بعد. عاصي ميزه نزقه. قوة انجازه من نزق اقصي، وهو يمكن ان يعني تقريبا صمتا ما، اي الفكرة العادية عن الحياة وطريقة في العيش تقدم امثولتها عن شخص لبناني تحديدا ممتلئ بترابط متناقض من الدقة، وايضا من عدم التعريف. كان علي حياتنا الفنية اللبنانية ان تتوقف بعد موت عاصي، وهو الضرر الاكثر ايلاما من الحرب. كان له ذلك البذل الهائل النظيف، والعلاقة الداخلية النظيفة.امتلك عاصي الهلوسة التي تنقص الآخرين، فقد مكنته هذه من ان يري الكثير الذي لم يره الآخرون، لبنان الحقيقي الجميل مثلا في فكرته، بالاصوات العالية في داخله وبالآلام التي برحت به غير المحتملة، والخفيفة ايضا كوهم.لم يلحن عاصي فقط، او يكتب اشعارا او يمسرحها في زمانه اللبناني، بل ايضا كان يفكر. كان يفكر افضل من الآخرين. كانت الافكار تنبت فيه. كانت نظرة عاصي الي الفن قادرة علي ان تذهب ابعد بعض الشيء من سواه. لم يكن الشعر بالنسبة له مفردا او غاية بحد ذاته. لم تكن الموسيقي كذلك. بل كان كل شيء يتعلق بكل شيء، لذلك يستعصي التفـــريق بين عاصي ومنصور وفيروز ايضا.لست معنية بتأريخ حياة عاصي، شعره وموسيقاه. افكر به كحب غير مشروط، طريّ المذاق مثل هواء صاف تماما. اغنياته وفيروز ومنصور يا حلو شو بخاف اني ضيّعك هي عن اشياء فيّ، عن نوع الحب الذي احب، عن كيف اهوي نيل شيء من شهر عسل دائم ويستمرئ قلبي وجسدي متعة بعد ان يوقفني عن البكاء. كان يقول لي، ولم يكن شيئا.لم يكن بامكانه ان يكون شاعرا فحسب، او موسيقيا او سوي ذلك، بل امتلك ابدا الاستعداد العبقري لكل شيء. نسي عمره في اغنياته. كل احتمال كان يجتذبه، وثمة شيء اقوي من كل ذلك كان يمنعه من ألا يكون بهيا الي هذه الدرجة. اقول لطفلتي اذا.. اسمعها وأموت بردا وغربة.عروبته غير الواضحة وغير المحسومة، وبقيت فقط تتردد في ارباع الصوت في هذه الاغنية وتلك، وفي الكونتربوان التي كان سيدا فيها، جعلته اكثر ايغالا في لبنانيته، ايضا اكثر اثراء لها. ثم ان ما كان يشده الي شكل الوجود اللبناني، بدا مجافيا للحنين العروبي ولكن غير مسمي. عاصي كان الارغام الذي ارغمنا علي اللبنانية التي نبدو عليها. لذلك اعرف لماذا حزني حين اسمعه وفيروز ومنصور، ذلك انه حزن النقصان عندي، وحزن عدم اكتمالي في لبنانيتي وحدها. في داخلي، ولأنني تربيت علي ابو العلا محمد والقصبجي ورامي وأم كلثوم، ذلك الشيء الذي يفوق ما اقترحه عاصي عليّ. غير ان ما اقترحه يُعطي فكرتي عن الحب جمرتها الملتهبة.هل وقعتُ ابدا في شرك سنديانات عاصي، وقمره وسهره، والبيت البعيد، والمافي حدا، وكل اطيافه تلك؟ ابدا. عاصي كان واضحا لنفسه. انا كذلك، غير اننا تلمسنا معا العالم من حولنا بالعاطفة، وبأكثر الطرق امتناعا عن التعيين. تضيف عليّ لبنانيتي في الحقيقة وفي الفن. غير انني سرعان ما اتكوم امام نفائس فيروز وعاصي ومنصور، واتحلل الي نسمة لا تُري.0