لم يكن ذلك اليوم يوماً عادياً كسواه يُحسب بالساعات والدقائق، بل كان شرخاً زمنياً تصادمت فيه عقارب الساعات فأصبحت تتحرّك بجنون، ولم يكن ذلك الحدث في ظاهره يخرج من سلسلة طويلة ومؤلمة من الاغتيالات الرهيبة التي عاشها لبنان وعرفها ولم يعرف جُناتها، لكنه في باطنه زلزال سياسيّ واجتماعيّ ونفسيّ أصاب اللبنانيين حتى اللحظة، ولم يكن ذلك الرجل زعيماً لبنانياً تقليداً أو رجل أعمال ثريّا ومشهورا فقط، بل كان ركيزة لبنانية للاستقرار وصدراً رحباً للاستيعاب وعنواناً للبنان المتحضّر، فقد لعب دوراً محورياً في إنهاء حرب أهلية وصراع معقّد أدمى لبنان لأكثر من ستة عشر عاماً، وشرع في إعادة إعمار بلد دمّرته حرب غريبة وعجيبة، فقد تنازعت المذاهب وتصارعت الطوائف، وقاتل كل طرف غيره، وتداخلت التحالفات وتباينت بأطيافها الداخلية والخارجية، ولم يبقى نظرياً وفلسفياً ألا أن نجد فريقاً يقاتل نفسه!، أما دوره الاجتماعي والخيري فمعروف دون أن يُعرّف ومتواصل دون أن ينتهي، بعد مدّ يد العون لأكثر من ستة وثلاثين ألف شاب وشابة من كل الطوائف اللبنانية على مدى عشرين عاماً، ليجدوا نصيبهم في الدراسات الجامعية والعليا في داخل لبنان وخارجه.
رحل الرجل بانفجار عبوة كبيرة ومجرمة، عبوة ظالمة أبت إلا أن تُزاوج يوم الدم والموت بيوم الحب والغرام، لقد انفجرت لتخلّف تزامناً بين تمزيق جسده وتجميع لُحمة معظم اللبنانيين من وراءه، واقتلعت روحه لتزرع شجرة أسمها ثورة الأرز، تلك التي أخرجت جيشاً من الهيمنة والوصاية، دخل بحجّة تطبيع الوجود الفلسطيني في لبنان وإنهاء الحرب، ليصبح بعدئذٍ مطرقة على الرؤوس وحاكماً فعلياً للبنان الجريح، رحل الرجل ولبنان الآن في أسوأ وأضنك أحواله، رحل وهدير تراشق الأحزاب وتعنّت البعض منهم يُقيّد لبنان ويجمّده ويُثقله سياسياً واقتصاديا واجتماعيا، فلبنان الجميل رئاسته شاغرة تخلو من رئيس، لأن مبدأ أن أكون أو لا يكون أحد قد أضحى نصّاً ملزماً في دستور أذهان البعض، ولبنان الراقي حكومته بين مطرقة العجز الاقتصادي والمديونية والبطالة, وبين سندان الحد الأدنى لتوافق الشركاء على إبقائها حيّة ترزق، ولبنان النأي بالنفس قد غدا يحارب جنباً إلى جنب مع نظام مستبد وجائر، في بلد لم تبقِ فيه الحرب ولم تذر، فأصبحت شظايا القنابل والسيارات المفخخة تشقّ طريقها نحو حدوده المنتهكة لمن استطاع إليها سبيلاً، ولبنان الدولة قد صار حزبه الهُمام يعلن الحرب والسلم، ويتوعّد الخصوم والأعداء، ويتغنّى بصواريخ المقاومة والصمود، مُتناسياً أن نيرانها تحرق قواعدها قبل أن تُدمّر أهدافها، وتنسف كرامة وسيادة بلد قبل أن تزلزل قدرة عدو، ولتبقى مزارع شبعا مسماراً في نعش حاجة لبنانية للهدوء والاستقرار، تنتظر اعترافاً سورياً قبل أن تتكلّل بانسحاب إسرائيلي.
كان رفيق الحريري متمسّكا بحق لبنان الدولة بالمقاومة، ومن كان يدري أن معناها قد تقلّب وتبدّل لحد السيطرة على بيروت يوماً ما!، وكان يسعى لاسترجاع الأرض من الإسرائيليين، ومن كان يدري أن خرائط الهيبة والأرض والعرض تُرسم من طهران!، وسعى لتثبيت مكانة لبنان الاقتصادية والسياحية في العالم العربي والغربي, كونه يجسّد سويسرا الشرق الذي استقطب كل من رغب بالتعرّف على ثقافة وعادات سكان شرق المتوسط، ثم من كان يتوقع أن تكون مشكلة السياحة اللبنانية هي أمنية بامتياز، وأخيراً ربما تنجح المحكمة الدولية في تحديد المجرمين وإدانتهم بعد عشر سنوات على اغتيال رفيق الحريري، لكن لبنان ما زال عاجزاً أن يلملم نفسه ويبدأ من جديد!..
زيد عيسى العتوم