عشر سنين علي جهة الشعر

حجم الخط
0

عشر سنين علي جهة الشعر

أمجد ناصرعشر سنين علي جهة الشعر هذه شهادة مجروحة لسببين:الأول، أنني لست من مرتادي المتاهة الكونية التي تسمي الانترنت، لا تعالياً علي ذلك الهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه، ولا تشبثاً رومانسياً بالكتب المطبوعة التي لها روائح نساء منفردات لا تشبه واحدة رائحة الاخري، ولكن لعجزي الكساحي، الذي لا شفاء له، امام التكنولوجيا.اما السبب الثاني في هذه الشهادة المجروحة، فيتعلق بقاسم حداد نفسه، ذلك الأخ الكبير (حاشا ان يكون بالمعني الأورويلي) للشعراء العرب حتي وان كان بعضهم أكبر منه سناً، عندي، مثل كثيرين عندي، نقطة ضعف خاصة تجاه قاسم الذي ما أن تراه، ولو بعد ألف سنة، حتي يهبُّ اليك، من مبعدة، بتلك الابتسامة القلبية الأبدية التي لا تغيرها الحرارة الكونية ولا عوامل الحت والتعرية التي تقوض صداقات مقدودة من الغرانيت.لهذين السببين سيبدو كلامي علي تلك السنين العشر التي أضاءتها جهة الشعر بزرقة بحر من الحب علي سطح شاشة الحياة العربية المظلمة مجروحاً.ولكن، مع ذلك، لدي من القناعات الوجدانية بريادة مشروع قاسم حداد علي هذه الشبكة الاخطبوطية ما يجعلني احتفي بأهميته الاستثنائية، وليعــــذرني القراء، لاتخـــاذ ذاتي المتواضعة مثلا علي تلك المنزلة التي احتلها موقع جهة الشعر في الساحة الادبية العربية.ـ ـ ـعندما بدأ قاسم حداد مشروعه الريادي هذا، اي قبل مئة عام بمقياس أزمنة الكومبيوتر الهاطلة، بلا رحمة، علي السلحافئيين من امثالي في عالم الـ IT ، طلب مني، مثلما طلب من غيري، قصائد ومقالات تتعلق بالشعر، ليضعها علي الموقع، فماطلت في اجابته لأكثر من سبب، أولا لاستخفافي بفكرة قراءة الشعر علي شاشة الكومبيوتر، وثانيها (وتلك هي اعاقتي التي لم ابرأ منها الي اليوم) لعدم معرفتي بكيفية فعل ذلك.كان لدي كومبيوتر حديث في العمل، ولكنني بقيت في ذيل قائمة الزملاء الذين استخدموه، ناهيك عن البرع به، وكل ما تعلمته من دورة الكمبيوتر التي خضعنا لها في العمل لم يتعد حدود الطباعة وتحرير النصوص وارسالها الي تلك السلة الهائلة من المواد التي يعمل عليها الطابعون، فالمصححون فالمخرجون الفنيون. ولكن حتي هذه السلسلة البسيطة من الحركات التي تشبه حبو طفل رضيع لم أتمكن من اتقانها بالتسلسل المطلوب، فصرت الجأ الي الزملاء الفنيين الذين فقدوا الأمل، بعد صبر طويل وجميل، في امكانية انتقالي، السلمي، من عالم القلم والورقة الي عالم الكي بورد و معلم النصوص فتركوني، قانطين، في جنة الحبر والورق التي هجرها الجميع الي جنائن معلقة في المجرة الالكترونية. حتي صديقي عارف علوان وزوجته فدوي اللذان تبرعا باجتراح موقع مبكر لي علي الشبكة العنكبوتية وبذلا وقتا وجهدا ثمينين في طباعة نصوصي وتصنيفها، بكل حب وحدب، في الموقع يئسا، ليس من استمرار ضخي نصوصاً جديدة في عروق الموقع الظامئة، ولكن من قدرتي علي حفظ اسم الموقع والدخول اليه، فأصابهما ما اصاب زملائي الفنيين في الجريدة من قنوط، تاركين ذلك الموقع يسبح وحده في هيولي متوحدة.ـ ـ ـكلما التقيت بقاسم حداد كان يعيد الطلب: يا أخي خلي الشباب الفنيين عندكم يرسلون المواد، فكنت اطمئنه الي انني سأفعل ذلك فورا، حال عودتي الي لندن ولم أفعل.استخفاف؟عدم ثقة بهذا العالم غير القابل للمسك باليد أو التأبط؟كساح تكنولوجي متأصل؟سمه ما شئت.في الاثناء كان قاسم حداد يلتقط بملقطه الالكتروني قصائد ومقالات لي منشورة هنا وهناك ويضعها علي الموقع من دون ان اعرف.. والأسوأ، من دون ان اهتم، الي ان تكررت اسئلة اصدقاء وزملاء كثيرين حول غيابي عن جهة الشعر .تلك الاسئلة المتكررة، المتكاثرة أفزعتني، خصوصاً، وان جيلين شعريين (أو أكثر) صارا يفصلان بيني وتلك الأيام التي كنا فيها نثير لغطاً حقيقياً (أو مفتعلاً) في الساحة الشعرية العربية، من خلال كتاباتنا في الصحف والدوريات العربية.كانت المجلات الدورية الأدبية والصفحات الثقافية اليومية، هي ساحة ذلك النقاش الصاخب، وصلة الوصل بين المنخرطين فيه من طنجة الي حلب.اليوم، وكما هو شأن اي شيء آخر في حياتنا العربية، اختفي معظم تلك الدوريات وتقلص الحيز الثقافي للصحف اليومية واحجمت دور النشر عن طبع الشعر (بوصفه لا يطعم خبزاً)، وان فعلت فهي لا تغامر بأكثر من ألف نسخة، وحتي هذه النسخ الألف لا تتجشم، أحيانا كثيرة، عناء توزيعها علي نطاق عربي واسع أو حملها الي المعارض.هكذا نشأ جيل أو أكثر بعد تلك الأيام الذهبية التي كانت فيه الكرمل و مواقف و الناقد و إبداع و كلمات و نزوي و(غيرها) ساحات للسجال الشعري والأدبي، ومنبراً لأفضل شعراء الفترة، وانكفأت الصحف التي كان يتطلع اليها المثقفون العرب من المغرب الي المشرق، علي شؤونها المحلية، ولم يبق سوي منبرين صحافيين يصدران في لندن هما القدس العربي و الحياة يواصلان تلك التقاليد القديمة.في الأثناء.. ولد الانترنت من رحم هباء كوني منثور، فقدّر له، في بضع سنين، ان يشكل وسيطا جديدا، سريعا، بعيداً عن القلم الأحمر للرقيب او المحرر الثقافي، وان يبني جسوراً انقطعت بين الكتاب وقرائهم.ولكن هذا لا يعني، ان كل المواقع علي الانترنت لها هذا المقصد النبيل، فثمة الكثير من النفايات الفعلية تتجمع او تتناثر في فضاء ديمقراطي، سمح لها، للأسف، بالوجود. جهة الشعر صار في السنين العشر الأولي من عمره موقع الشعر العربي بامتياز، الي درجة ان الشاعر الذي لا يحظي بنعمته الزرقاء كأنه غير موجود.ـ ـ ـاتذكر قاسم حداد في مكان خطر وخرافي في انقطاعه عن العالم يدعي ميديين ، وهو يحمل اللاب توب ويصعد الي غرفة مخصصة، بأعجوبة فعلية في تلك العزلة الكونية، للانترنت، فيما سيف الرحبي غاطس باسترخاء ابدي في كنبة كبيرة في لوبي الفندق.حتي من ذلك المكان الذي كانت تشرق فيه شمسان مداريتان شمس كولومبيا وشمس (باولا) التي اراد عيسي مخلوف ان يحمل قبسا منها الي قتامة باريس وبردها، لم ينس قاسم حداد شيئين ضروريين لحياته اكثر من الماء والهواء: اللاب توب وبهاراته الهندية التي فاحت روائحها المسيلة للدموع في ارجاء مدينة بابلو اسكبار.بهذا الشغف والدأب صنع قاسم جهة الشعر وجعلها جهة مديدة لحبٍّ لم يعد موجودا بين الشعراء العرب الذين يقتلون أقرب اصدقائهم بعد نشر قصيدتهم الأولي!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية