ثمة عبارة أحب أن أبدأ بها وردت في رواية «عشر نساء» هي (عندما تقرأ هذه الرواية كأنك تحدق في عيون كل نساء العالم). بطريقة جذابة وبحيلة روائية طريفة جمعت الكاتبة تسع نساء لا يعرفن بعضهن، وكل منهن تنتمي لقومية معينة وبلد مختلف، وتركت كل امرأة تحكي قصة حياتها وتجول في أعماقها بحرية وشفافية، أما المرأة العاشرة فهي مُعالجة نفسية سردت شهادتها أيضا.. وجمعت شهادات النساء التسع، ويمكن قراءة الرواية دون ترتيب واختيار المرأة التي نريد معرفة قصتها، إذ يمكن اعتبار الرواية أشبه بقصص قصيرة تحكي كل قصه حياة امرأة، ولست بصدد سرد قصة كل امرأة، إذ أترك تلك المتعة للقارئ، لكن ما يجمع هؤلاء النسوة واحد وهو، أنهن كن مدفونات في الصمت، وخائفات من التعبير عن أنفسهن، الصمت أحيانا، أشبه بالإلغاء أو الكفن، إذ لا يمكن أن تعرف الآخر حقا، إن لم يتكلم ، ليس أي كلام، بل أن يبوح بحقيقة أعماقه وأفكاره وقراءته للعالم، لا يهم أن نعرف تفاصيل قصة ليلى الفلسطينية الأصل، المولودة في تشيلي، ثم قررت أن تزور فلسطين لأنها مشدودة لجذورها وتعشق وطنها، ورغم أنها تدخل فلسطين كسائحة تشيلية، فإنها تتعرض للاغتصاب من قبل ثلاثة من الجنود الإسرائيليين، وتواجه اغتصابها بالصمت، رغم أن نتيجته الحمل، وتعود إلى تشيلي دون أن تذكر لأسرتها أي شيء مما تعرضت له، ولا تقول لهم إنها حامل من أحد مغتصبيها الإسرائيليين، أصبحت ليلى مدمنة كحول كي تخفف ألم روحها والمهانة التي تعرضت لها، وبدأت تكذب كثيرا، من غير أن تلاحظ ذلك ، وتشعر بأنها أشبه بجرح كبير والغضب الكامن يغلي في أعماقها لأنها لم تبح بمأساتها، ولأنها دفنت معاناتها في الصمت، وصارت تعتمد على تغذية قدرة النسيان عندها، لكنها مع الزمن اكتشفت أنه لا بد من ملامسة القاع حتى تنجلي الحقيقة، فالحقيقة كالحق تحررنا من عبودية الألم ومن ذل الصمت. بشجاعة تبوح ليلى بقصتها بعد صراع داخلي عنيف، وهي بذلك لا تختلف عن لويسا المسيحية، التي عانت من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية، التي تقول عنها إن الكنيسة الكاثوليكية اخترعت الجحيم كي يظل الفقراء هادئين ويفكرون أن هناك أشياء أسوأ من هذه الحياة. تقول لويسا: الصمت يقتل، سنوات وسنوات وأنا صامتة، راح الصمت يشكل عقدة داخلي، وكل شيء يصير قاتما.
وتتعلم كل منا تجاهل الأمور المؤلمة، ونعيش كنساء، شكلا من أشكال الجهل وعدم التعلم، وصارت معاناة لويسا مع المحاكم الروحية الكاثوليكية أشبه بإعصار، إذ صارت تشعر بأنها مريضة بداء الحزن الدائم، وتعلمت على مدى سنوات البكاء الداخلي الصامت، وعاشت ضحية أسى تجذر في أعماقها، لأنها لا تملك شجاعة المواجهة والبوح بما يعذبها، وتتحسر على الشابات والنساء اللاتي يمتن فجأة من الحزن، وهنا لا بد من تذكر رواية «ثلج» لأورهان باموق حيث تتناول الرواية قضية انتحار فتيات من اليأس والحزن، والقاسم المشترك بين الروايتين «عشر نساء» و»ثلج» أن المرأة تُدفن وتُقتل في الصمت.. وأنه يجب كسر صمت النساء كخطوة أساسية وإسعافية ليتجاوزن مفهوم الأنوثة الضيق، الذي يصر المجتمع على تكبيلهن به، ومن أهم صفات تلك الأنوثة الوداعة والخجل والصمت، وبذلك تكون المرأة مجرد أنثى وليست إنسانا له الحق بالتعبير عن نفسه وأعماقه، وطريقته كجنس آخر في قراءة العالم تحديدا، عالم الرجل، الذي هو المشرع للقوانين وللأخلاق أيضا، وهو من يضع الأولوية لشباب المرأة وصغر سنها، ويعتبر النساء في سن اليأس ككائنات منتهيات الصلاحية، أو كائنات لا جنسية، متجاهلا، أن سن اليأس يؤثر على الرجل أكثر بكثير من المرأة. أما سوزي فتشعر بأنها عاطفية ببلاهة، وبأن الألم يأتيها من الخارج ويندس في أعماقها، وهي مولعة بإساءة الكلام عن نفسها، وتتحدث عن قصة حياتها كما تتحدث عن مأساة، وهي تشعر بأنها على حافة البكاء دوما، وتشعر بأنها في أسوأ حال، وتقول إنها عاشت بمفاهيم وساوس أخلاقية لا طائل منها، وكان أسلوبها وأسلوب جيلها في الكلام متيبسا جدا، وتتساءل: هل اللغة فن؟ ولكن ضربات الحياة علمتها كيف تكبر وتقوى إلى أن تقول عبارتها الرائعة: لستُ وحيدة حين أكون وحدي. لأن المجتمع يُشعر المرأة الوحيدة بأنها مُعاقة أو ناقصة.
لا حدود لجرأة الكاتبة ماثيلا سيرانو في روايتها «عشر نساء» فهي تقارن بشجاعة وتحدي بين نظرة المجتمع للرجال المثليين، ونظرته للسحاقيات، وتعتبر أن المجتمع بشكل عام يتقبل الرجال المثليين أكثر بكثير من تقبله للسحاقيات. أهمية الرواية أنها تبين خطورة الصمت الذي تعيش فيه المرأة وتُربى عليه الفتيات، كما لو أنه أحد مقومات الأنوثة، الصمت يقتل والصمت قبر، والصمت مرض دفين ولا مجال للشفاء منه إلا بالكلام، بالبوح العميق، بالتجول في غرف الروح الباطنية بجرأة وشجاعة وبقراءة الذاكرة المُختزنة في تلافيف الدماغ.
في نهاية المطاف ندرك وتدرك النساء خاصة، أن كسر أغلال الصمت هو المحرر الوحيد من الدونية والوحدة، وعدم الأمان والخوف والشك والنظرة السلبية للحياة وعدم القدرة على الفرح، وبأن كسر صمت النساء هو الوسيلة الوحيدة لمعرفتهن كإنسان أولا، وأنثى ثانيا، كي يكون هناك تكافؤ وتوازن في العلاقة مع الرجل، وفي الرواية دعوة غير مباشرة للرجل، كي يحترم إنسانية المرأة، وألا يختزلها لمجرد جسد أو رحم، فهي إنسانة مساوية له بالقيمة الإنسانية، ولو اختلفا فيزيولوجيا». حين تبوح المرأة بمعاناتها وتكسر الصمت فإنها تحقق إنسانيتها وتتغلب على عصابها وحزنها وتصبح فاعلة ومعطاءة وسعيدة. تحث الكاتبة النساء على شجاعة المواجهة وأن يتجاوزن رعب القفزة الأولى نحو حرية التعبير.
رواية «عشر نساء» 380 صفحة الطبعة الأولى 2014. الكاتبة: مارثيلا سيرانو مواليد 1951 وهي من أهم كتاب أمريكا اللاتينية – ترجمة: صالح علماني
كاتبة سورية